الثلاثاء، 24 سبتمبر 2013

المناضل الإفريقي باتريس لمومبا

بعد سنة من إنتخابه رئيسا للوزراء في الكونغو وفي يناير عام 1961م وبعد سلسلة من الصراع التقليدى بين معسكر الشر الرامي إلي استعباد البشر وبين إرادة الشعب المتمثلة بالشخصية المنتخبة في الإنتخابات الرئاسية والبرلمانية الأولي التي شهدتها كونغو في تاريخها، قتل الزعيم الكونغولي باتريس لمومبا علي أيدى العصابات الإجرامية التابعة للمستعمر البلجيكي وأعوانهم، الذين تربو في أحضان الغرب وشربو كؤوس الذل أصنافا وسقط اللحم من وجوههم لكثرة دعارتهم وفسادهم أمثال: موبوتو سي سوكو رئيس هئية الأركان الكونغولي، الذي كان جربا صغيرا للمستعمر وجيبا عميقا لبلجيكا، التي كممت الأفواه وحبست الأنفاس وأغتصبت الفتيات، وفرضت علي المواطنينين الرشوة والأتاوي التي أثقلت علي كاهلهم وزادة الحيرة والحرمان

لم تكن تهمة قتل لومومبا سوى تهمة ملفقة لا تستند إلي اي دليل وبراهين واضحة، بل كانت تفتقر إلي المنطق ناهيك عن الشرعية كماكانت إنتهاكا سافرا للمسار السياسي والعملية الديمقراطية الوليدة، ولم تكن سوى تعذيب للشعب تغذيها الكراهية والحقد الدفين في قلب المستعمر، وفي الحقيقة والنظر إلي وراءا الزوبعة السياسية لم تكن جريرة لومومبا سوى أنه وطنيا غيورا حاول إعاد الحكم إلي الوطنيين الأحرارا ومحاربة المستعمر في الطرق السلمية، وبذالك كسب تعاطف الشعب بل وحب جماهير القارة ،ولم تكن التهمة بالتاكيد أنه أدار البلاد ببلادة وبلا حنكة سياسية وحكم رشيد وعدالة قاصدة وقاد الشعب إلي الفساد والحرمان والمحسوبية، بل أنه ورغم قصر التجربة قاد الجموع نحو كونغو متعافية من أمراض المستعمر وأحجم دور المحتل في السياسة الداخلية الكونغولية وفرض قرارت صارمة لايمكن للمحتل مساسها، مما أثّر سلبا مصالح البلجيكا والغرب وأنصف لصاحب الحق والدار

لم يكن باتريس وطنيا غيورا ومناضلا نبيلا كافح من أجل غد أفضل ومن أجل وطن تكون الحياة جملية ـ بدأت إرهاصاتها تلوح في الأفق مع نيل الوطن للإستقلال ـ  فحسب، بل كان متعلما ومثقفا درس أرقي الجامعات وتتلمذ علي أيدي العلماء والفقهاء في بلاط الغرب، وسياسيا درس أصول الحكم وتبحر فلسفة الصراع الأيديولوجي بين المستعمر وسكان افريقيا، وكان يتنمي إلي النخبة الأروستقراطية المتعلمة في زمن الإستعمار البلجيكي مما زاد عقليته وثقافته في الحكم وفلسفته الناجحة في إدارة البلد الذي تعيش فيه عشرات القوميات والأعراق الختلفة، والذي يعج الطبقات والإنثربولوجيا المختلفة والأديان المتباينة

عمل لومومبا في بداية حياته في المناجم كعامل بسيط يجري كعادة أترابه آنذاك وراء لقمة الهيش الكريمة ، ورأي بأم عينه المعاناة والمعاملة القاسية التي يمارسها البيض ضد السكان الأصليين مما كون في قلبه جروحا لا تندمل وقناعة راسخة بان هذا الوضع المخزي يجب ان يزول ويجب أن تنتهي مظاهر العنصرية والتمييز العرقي وأن يكون الإنسان الكونغولي عالة علي وطنه وفقيرا في بلاده في حين أن خيرات الوطن ينهبه الدخيل ويتمتع به الغريب.

لم تدم فترة عمله في المناجم بل بعد فترة إنتدب إلي المدارس النظامية وتخرج محاسبا مرموقا يضع الأولويات لنهضة بلده،  ودعا الشرفاء إلي مؤازرته والوقوف إلي جانبه، وما لبث ان عم خبره في ربوع الوطن وعمت شهرته أركان الكونغو حيث أصبح وبمدة وجيزة نجما لامعا ومناضلا حقيقيا يكافح من اجل الإستقلال الحقيقي لا الشكلي، مما مهد له الطريق أن يكون محبوب الجماهير ومن عقد الجموع آمالهم لإصلاح ما أفسده المستعمر البغيض

عاش لومومبا حياة البساطة في وسط الشعب وفكر الليالي الطوال وأنفق جل وقته كيفية الخروج من الأزمة الساسية والإقتصادية  الراهنة التي يترنح بها الشعب الكونغولي، ويكاد يعصف التعنت الإستعماري الإستحقاقات السياسية والحرية الطرية والإستقلال الوليد الذي ولد بين المعاناة والقهر والإستبداد، والحرية التي نزعها الشعب عنوة من المستعمر في ظل إمكانية بسيطة وكوادر نادرة وموارد متوفرة ولكن معظمها علي ايدي المحتل، ولتفعيل أفكاره وطموحاته السياسية وقرآته للواقع والخارطة الجيوسياسية والإستفادة من البيئة الحماسية المحيطة به ترشح نفسه في الإنتخابات بعد لقائه رؤساء القبائل في وطنه وزعماء القارة بقيادة د.كوامي نكروما في العاصمة الغانية اكرا

شجع اللقاء علي المضي قدما في تطبيق أفكاره الإصلاحية في الواقع الكونغولي البائس،  وخرج من المؤتمر بمساندة قوية من الأشقاء الأفارقة وكونت لديه ثقة كبيرة،  واسس المؤتمر علاقة متينة بينه وبين القادة، إستطاع من خلالها السعي إلي أن تعيش كونغوا أرضا وشعبا حرة من ساطور الإستعمار وسوط المحتل ومن جلد الأذناب ونهب المحتل

لقد نال الشعب الكونغولي أسوأ انواع الإضطهاد علي ايدي جبابرة البلجيكا وأذنابهم، ولم تنقطع إلي يومنا هذا آثار ذالك الماضي المزعج، وقبل أن يبزغ نجم لوممبا كانت البلجيكا تنهب الأموال وتدنس الأوطان وتقتل الأفراد وبدم بارد وبلا رقيب أو حسيب، وبعد أن تخرج لومومبا من الجامعات الغربية وفهم جيدا عقلية الرجل الأبيض ومرض الفتاك الذي يلازم المستعمر والإزدراء الذي يمارسه، بدأ إستقطاب النخب المثقفة رغم شحها وتوجيه رأي العام وتأليبه ضد المحتل، وقاد إضطرابات عمالية وتظاهرات حاشدة أدت إلي سجنه عدة مرات

واجه لومومبا في بداية حياته السياسية باعتقالات تعسفية ومضايقات قمعية ورصد لحركاته وسكناته، آخرها كانت إعتقاله ستة شهور بعد تأسيسه الحركة الوطنية عام 1958م التي كانت أكبر حزب في الكونغو،  وقادت مظاهرات حاشدة واضراب عام وتثقيف الناس وتوعيتهم وتحريضهم علي المحتل والسعي إلي الحرية وإدارة بلادهم بأنفسهم، ولم يطلق سراح لومومبا إلا بعد بداية المحادثات الجدية بين البلجيكا والممثلين والوجهاء ورؤساء القبائل وكافة شرائح الشعب الكونغولي للخروج من الأزمة الراهنة والوصول إلي بر الأمان وشاطئ السعادة

الحركة الوطنية وما حظيت من تجمعات غفيرة وشعبية جارفة وصل صداه إلي العواصم الأروبية، وأيقن المستعمر أن شرا محدقا  قادم إليه فسعي لإجهاض التجربة وتشويه سمعة زعيمها، ورغم ذالك تمكنت الجماهير الوفية للمومبا حمله إلي كرسي الحكم في اولي الإنتخابات التي شهدتها الكونغوا، لأن الشعب الكونغولي كان يرى أن الحركة هي الوحيدة الجديرة بأن يدلي صوته لصالحها، ولو لم يجهض الغرب إرادة الشعب لكنا رأينا اليوم كونغا أجمل وأحسن، لا تقودها المصلحة وإراقة الدماء والعساكر التي تنهب الأموال تحت مسميات كثيرة منها الأمم المتحدة والإتحاد الإقريقي والبعثات المتعاقبة لحفظ الأمن التي تجني الملايين ولا تحفظ الأمن بل تسعي إلي تدهوره

بدأت بوادر التباعد والإنشقاق بين لومومبا وبين البلجيكا بعد تأسيسه للحزب وما تلتها من الإعتقالات لقادة الحزب وكوادر النضال، ولكن خطبة الإستقلال اللاهبة “الدموع والدم والنار” كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، لأنها كانت خطبة نارية شديدة اللهجة أرّخت وبشكل جذري مآسي الشعب ونضاله ضد العدو وحكت وبإسهاب ثمانيين عاما من الإضطهاد والتنكيل ومصادرة الحقوق والحياة للإنسان الكونغولي، وذكر في خضم خطبته أنه آن الأوان ليرحل المستعمر ويستلم الشعب زمام أمور وطنه، وحملت هذه الخطبة العلقم والمرارة للمحتل وأغضبت ناظر الإستعمار وممثل البلجيكا في الحفلة، ورأي أنها خطبة تفتقر إلي اللباقة السياسية والمرونة الدبلوماسية وتحرض الناس إلي الحماقات وتقود البلد إلي الفوضي التي لا يعرف منتهاها!، وحملت الخطبة إلي الجموع الكونغولية الحاشدة نسائم الحرية وتباشير جميلة لغد أجمل وحروف التحرر وكلمات الإستقلال الحقيقي، والإنتفاضة لإيجاد الحقوق المهدورة ورمي رداء الخنوع والذل والبحث عن الحرية وبكل السبل المشروعة

لم تنعم الجمهورية الوليدة بالإستقرارا والأمن المنشود، ولم تستطع الإستفادة من خيراتها الطافحة كما أراد لومومبا، ولم يتسن للشعب التنعم بحياة كريمة في داخل وطن يسوده الحب والوئام والوطنية، حيث بدأ في الأسبوع الثاني من الحرية تمرد عسكري في الجيش وتضعضع أمني في الداخل وضائقة إقتصادية مقصودة وبلبلة تقودها الحركات التابعة للمستعمر، وأنفصل إفليم كتانغا ـ أهم إقليم في الكونغو ـ تواطأ مع سياسة تجفيف منابع وقوة لومومبا عن جسم الوطن تلتها إضطرابات عمالية مضادة وأعمال عنف رهيب بدعم من البلجيكا.

وإزاء هذه الفوضى الخلاقة والوضع المزري الذي لا يقبل مزيدا من الإنتظار والتفرج علي نكاية جروح الشعب والتمرد علي الشرعية، حاول ريئس الوزرا المنتخب إصلاح البلاد وفرض هيبة الدولة في الكونغوا، ولكن كان وحيدا في بئية موبؤة بالتبعية والرشاوي، وكان يفتقر إلي السند الحقيقي إذ كان جميع القوى المؤثرة في اللعبة السياسية مثل الجيش والإعلام والإقتصاد علي أيدي المستعمر، الذي كون دولة عميقة في الكونغو، ولم تقتصر المؤامرة في الداخل بل كانت معظم القوى المحلية والخارجية موالية للمستعمر وأذنابه

وصل التوتر مداه حينما حاول الرئيس الذي كان منصبه شرفيا إسقاط الحكومة المنتخبة وإقالة باتريس لومومبا، وحينما تتابعت الإنفصالات التي يشهدها الوطن وتفاقم الوضع إستنجد لومومبا إلي الأمم المتحدة كحل أخير لإنقاذ الكونغو من الهلاك المحدق وتشويه الجغرافيا الذي يتسارع بوتيرة رهيبة وحدّة سريعة ،ولكن ومن الأسف كان الزمن متأخرا لا يسعف باتريس وتطبيق سياساته الوطنية، وكان البوق المرتزقة وكعادته أسرع إلي الهدم ويقف إلي جانب المحتل لتدمير بلده


وتدخلت الأمم المتحدة ضد لومومبا! وبإيعاز من الأمم المتحدة والحامية السويدية الموجودة في الكونغو ألقي القبض علي الرئيس الوزراء المنتخب ووزير إعلامه ومرافقه ووجه إليهم تهما ملفقة وساذجة ثم أعدمو رميا بالرصاص وعلي أيدي البلجيكيين ، ليعيش الشعب الكونغولي بعد هذا الغدر إلي حياة النكد وأتون الحروب والصراعات التي لا تنتهي ،بل مازالت تلتهب وتلهم الشباب وتحصد الأرواح وتخلق للكادحين معاناة لا تنتهي

شكرا لهم


 في الوقت الذي كانت تنداح فيه الأزمات علي الصومال من كل جانب وعشعش الخوف والبؤس في قلوب المواطنين ولعلعت الرصاص فوق الرؤوس، وأصبح الشعب جزرا متفرقة عن بعضها البعض وإخوة متناحرة يتسارعون إلي الهدم والتخريب والقتل والإبادة، ويتهربون عن المسؤلية والمصالح العامة والوطنية، ويحمل الراديو والتلفزيون أخبار النكد والحزن والمصائب في صفحاته الأولي في كل صباح، وأصبح الصومال وسمة عار علي جبين العالم ومرتعا للإجرام والفوضي وضاعت بذالك قيم إجتماعية وإقتصادية وثقافية كبري توارث الشعب عليها كابرا عن كابرو قاومت عبر الحقب والعصور وابت ان يعروها دجي النسيان لحضورها القوي في كل الميادين ولقدسيتها في نظر المجتمع،وضياعها كوّن في الحلق غصة وفي القلب وخزة وفي الخاطر جمرة لا تنطفي.
في ظل دوامة العنف التي لا تنتهي افتقدنا الحكم الراشد والعدالة القاصدة التي تؤسس للأمة دولة تدعوا إلي الوحدة الوجدانية قبل الوطنية وحياة الرغد والعيش السعيدة ، وحكما اساسه العدل والقانون ودولة تسودها المبادئ والحرية وتقودها المدنية واحترام حقوق الإنسان وحفظ النفوس والممتلكات من أيدي العابثين والمتهورين والسفاكين للدماء المصاصين له.
لم يكن المجتمع أحسن حالا من المجرمين الذين نهبوا الأموال ودمرو البلاد وشردوا الضعفاء لأنهم في معظم حالاتهم مثلوا دور المساند للعصابات المتناحرة في الوطن وصفقوا للإجرام بل ساعدوا زعماء القبائل وحاملي الميت والكراهية أن يصلوا إلي سدة الحكم وراس الهرم وكرسي الرئاسة بسواد قبائلهم وكثرة مسانديهم وأخفقنا في ذالك فن التعامل مع الأزمات والقدرة علي تجاوزها واقتربنا اليأس وشارفنا الإستسلام الكامل إلي الواقع الموحش والمستقبل القاتم.
وفي خضم المعاناة برز في الأفق ومضة أمل لمستقبل مشرق للأمة علي أيدي مخلصين من أبناء الوطن أعادو البسمة إلي وجوه الأطفال والحب والحبور علي صفحة الوطن ومسحو الدموع عن مآقي المفجوعين وأجبرو خاطر المكسور وخففو المعاناة عن البائسين والكادحين، ومن بين هؤلاء المنقذين الذين أنقذو حياة الأجيال بمواردشحيحة وإمكانيات ضئيلة وطاقات محدودة وإرادة صلبة وعزيمة لا تلين وعريكة لا تهون الأساتذة والمعلمين الذين أصبحو مثالا يحتذي به في الحب والإخلاص والتفاني لتأدية الواجب بأكمل وجه وإنقاذ البراعم وزهور الوطن من الضياع والجهل والتشرد.
لم يكن في الأفق ما يدعوا إلي التفاؤل وما يرسم البسمة علي وجوه البسطاء بل كان ظلام الحياة يحيط الشعب من كل جانب وديجور الليالي يكتنف الساحة بكل شبحه القاتم ولونه السود الكريه حتي فقد الشعب إيمانه بالحياة أوكاد! وهنا قيض الله للكادحين أساتذة وعلماء كونو المدارس وأسسوا المعاهد وبنوا الجامعات ونشروا دور التعليم في ربوع الوطن في ظرف دقيق للغاية ووضع حرج لم ينتظر أكثر المتفائلين تفاؤلا أن تحدث ثورة تعليمية ونهضة معرفية جبارة في الصومال وخاصة في الجنوب الملتهب ومدنه العصية علي الأمن والإستقرار.
بدأت عجلة التعليم تتحرك وبدانا نرتاد المدارس ونعشق الدراسة والبسمة لا تفارق علي محيانا والدعاء والإبتهال سيدا الموقف من أن يدوم الله هذه النعمة التي نعيش فيها ونستمتع بصداها.
وحقيقة كانت المدارس والتعليم حلما بعيدا المنال وطيفا جميلا يداعب المواطنين دون أن ندري أين نبدأ؟ ومن يساعد ويهب لإنتشال ما يمكن إنقاذه وتعليم الصغار إذ التعليم من الأركان الأساسية للنهضة والتطور حيث تساهم الإستقرار السياسي والإقتصادي ورفع مستوى الفرد والجماعة والقيم الثابتة التي لا يؤثر فيها أو يعدل فيها مرور الزمن كالحق والعدل والجمال والتي تصب في نهر التنمية للإنسان الصومالي الذي يكافح من أجل حياة ملؤها السعادة والأمن والإستقرار السياسي والنفسي ويناضل من أجل غد أفضل يحمل إلي الجموع تباشير لخير قادم يشطب عن الذاكرة المآسي والمصائب ألأحزان التي لا ضفاف لها وجثمت حينا من الدهر علي صدور البسطاء والكادحين .
وحقا كانوا أئمة الدين والدنيا ومن بأيديهم نجي الله هذا الجيل الذي من المنتظر أن يقود الأمة إلي بر الأمان وشاطئ السعادة، لأنهم كانو شموعا للتنوير يحرقون أنفسهم لإضائة الطرق وإنقاذ الشباب عماد الأمة وأمل الغد والأطفال مستقبل الوطن والورقة الأنصع والأجمل في الوطن.
كانت سمتهم التواضع وعنوانهم الإخلاص وشارتهم الرفق والفرد منهم كان لا يتشامخ ولا يتعالي ولا يتعالم ولا يزدرى الخلق ولم يكن إناء أجوفا يحمل الكبر والغطرسة والخفة وبطر الناس في مخيلته ويعلق أنفه إلي الثريا وأسته في الثرا! بل كانو فوانس للدجي وجبالا راسيات للخير وسهاما مشعة تحارب الجهل وتهدم قلاعه الكريهة واحدة تلو الأخرى.
وفي مناسبة تخرجي عن الجامعة ووضع القدم في عتبة العلم والإمتلاك لمفاتيح المعرفة أقول شكرا لكل من ساهم وشارك في انتشال جيلنا من أوكار الجريمة ومعاقل الإجرام وبراثن الجهل وأخص الشكر والتقدير لأستاذي الجليل أحمد الهادي عثمان الذي حفظت بيديه قول البارئ{جل جلاله}، والأستاذ عبدالله طلب أستاذ اللغة والأدب العربي في المدرسة والذي أحببني القراءة والمطالعة ولغة الضاد وشجعني في المضي قدما للتبحر في هذا اللغة العظيمة، ولا أنسي أستاذي في التاريخ والجغرافيا صاحب الفكرة المتالقة والخيال الواسع والتجارب الكثيرة والثقافة الواسعة عبد الخالق ،واشكر أيضا مدير مدرستنا في الزمن الجميل الأستاذ عبد الشكور شيخ محمد، والشكر موصول لمؤسس مجموع مدارس جوبا وجامعة كسمايو الدكتور محمد ولي شكر الله سعيه، وجميع من نهلنا من نميرعينهم المدرار ومن نقشوا بحبهم علي عقولنا الطرية وقلوبنا المفعمة بالحب والإيمان فحفظنا حبهم في الحدقات وفي العيون ومن بين الضلوع

مجزرة نيروبي… فظاعة المشهد وفظاظة الطبع!

كانت مجزرة مروّعة تلك التي حدثت وتحدث في كل لحظة داخل المبني weste gate التجاري المنكوب بنيروبي، ولا أستطيع أن أعبر ما يجيش في صدري ويخيم علي وجداني ويجثم علي قلبي، وأشعر بغصة قاتلة حينما أري أن من توحلوا في الدم وهدموا بيوتهم وأحرقوا أوطانهم وأضافوا أطنانا من السوء والسواد في بلدهم مازالوا ينفخون بالونة بطولة مزيفة ،ويتبنّون الموت وجحافل المنيّة، وكأنه حليفهم الإستراتيجي الذي يرعي أحلامهم ويحقق طموحاتهم.

أنهكوا صومالنا الحبيب، وأضعفوا عزيمتنا الوطنية بمشروعهم التخريبي ،وهلوساتهم الكاذبة ،وخطبهم الأفلاطونية، وتجاربهم السيّئة ،وحوّلوا الشعوب إلي هياكل عظمية تجري بدون تفكير ووعي ،تعيش تحت رحمة الذل والهوان، وحوّلو البلد حقلا لتجاربهم الخبيثة وسجنا كبيرا لأفراد المجتمع، وبعدما هزلت فكرتهم وخسرت تجارتهم وتكدست بضاعتهم في عقر البلد وفي جسد الوطن، وبات الألم لا يؤثّر في قلوب المكلومين الذين تعوّدوا علي التوابيت والنعش صباح مساء!، ها هم يصدرون الموت والحرمان والأرواح التي تُزهقْ بكبس زر علي أيدي والغة في الدم ومتجذرة في العنف ومشاريع الموت.

بطيعتهم الجبانة كانوا ملثمين! وبالتأكيد كانت الشرارة تتطاير عن عيونهم حقدا ينسج في كل صفحة قصة مؤلمة لحظة تسلّلهم بين الجموع الأمنة إلي وسط السوق، وحينما هاجموا المبني الفاخر بتكتيك إجرامي كبير وجرأة عظيمة وتهور مقصود
كانت كاميرات العالم تقتات من ترهاتهم وقسوة قلوبهم وهم يطلقون النار بلذة وعشوائية ويغنون أناشيد الغضب والكراهية! ويرقصون بنشوة بوقع نشيج الباكين ورائحة البارود ولهيب النار ولون الدم وبقايا أجسام نحيلة أو ممتلئية -لا يهم- ملئية بالألم وغول الحسد وغياب ثقافة قبول الآخر، وشحنات السالبة والحقد الطافح والبغض العجيب للحياة ومظاهر الحضارة في كل الميادين وكل البشر .

نثروا الرعب في قلوب الآمنين، وتحول المشهد من سيمفونية التسوق والبهجة ومقاهي الأنس والأفراح وصالونات الونسة والحبور، إلي شبح أسود مخيف يطارد النفوس، ويلبد الجو بغيوم الحزن والحتوف، ويمطر وبال الموت علي الأجساد ووابل الفجع علي القلوب المفزعة والعقول الحيارى

لأمر ما تحيّرت العقول!

حكومتنا الأبيّة تفتقر إلى البنية التحتية والخدمات الضرورية وأساس الدولة، لأنها ورثت مأساة تفوق الخيال، وبلداً من ركام ومآسي، عنوانه التمزق والتشتت، وشعاره التشرذم والتفتت. وواجهتْ ظروفا صعبة في بدايتها جعل الإنتاج المحلي ـ إن وجد ـ لا يتعدّي علي أعتاب القصر الجمهوري والوزارات وكاكي الجيش ونياشين الشرطة وتجهيز المخابرات ومفارش القات للجماعة الحاكمة وحماية أفراد الطاقم الرئاسي وموكب الوزير، وتبذيره للمؤتمرات الوهمية وطقّ الحنك والتهريج والهروب من المسؤليات إلي التسلية والزيارات المكوكية للإستجمام، وجمع أكبر عدد ممكن من الدولارات وبفترة وجيزة للغاية.

ولم يصل في خزانة الدولة ما يمكن أن يحرك الدولاب السياسي المعقد والحكمي المهترئ في الوطن، وهذا مما لا يتناطح فيه عنزان وحقائق واقعية ومتوقعة من بلد عصي علي الحلول، وشعب لم يعرف الأمن والإستقرار أكثر من عقدين من الزمن، ولكن من الجميل أن تدرك الحكومة أنها كانت بدراية تامة ما يجري في الوطن الجريح، وكان بعلمكم أن كل هذا وأكثر هو ما جعل الصومال دولة عالة على العالم تقتات فتات المؤائد، وأفلاذ أكبادها يموتون جوعا في الوطن، أو تبتلعهم البحار بحثا عن حياة أفضل، أو تمزقهم  المدافع والمتفجرات وهم لاهثون في هامش الحياة ينتظرون مستقبلا طال إنتظاره وفجرا جديدا عز إشراقه، بل كانت المشاكل التي تجعلونها مشجبا تعلّقون عليه إخفاقاتكم سببا لتبؤكم على أعلى المراكز وكبينة القيادة في الدولة الصومالية.
والإنتشال الحقيقي للوطن من هذا الوضع المزري إلى الحياة العادية ومن غرفة العناية المركزة إلى نعيم الصحة الدائمة كان المنتظر منكم، ولكن أفرزه الواقع بخلاف الأحلام الأرجوانية للشعب في خضم إنشغالكم الدائم لأشياء هامشية لا تصنع الفارق ونظرية التهويل، "ويبدو أنكم نسيتم أو تناسيتم أن من يعمل داخل المطبخ لا يحق له أن يشكو من حرارة الفرن وأن السياسة لا شئ يأتي من قبيل الصدفة".

و رغم علمنا ودرايتنا التامة بإن الإعوجاج يكمن في سوء الإدارة المعشعشة في أروقة الحكم والمراهقة السياسية التي باتت السمة البارزة للهرم السياسي ، قلنا (نعم) لوجهات النظر الحكومي علي مضض، والشعب يدفع الفاتورة الباهظة لهشاشة الأمن وتردي الأوضاع المعيشية في كل يوم، فيما يبدو الواقع غير مبشر والخطب الأفلاطونية للرؤساء وزراية اللسان وفصاحة البيان والكلمات المعدة سلفا وبدقة تثير الإعجاب هو سيد الموقف والخدمة الجليلة التي تقدمها الحكومة للرعية!. ونص المسرحية التي نؤديها بفشل ذريع كل يوم والضحك علي الذقون وذر الرماد لعيون الشعب الصابر الذي تكفيه إيماءة أو إبتسامة بسيطة لينتقل من عصر الحروب إلي عصر االسلام هو حصيلة النجاح والإنجازات العملاقة التي أنجزت الحكومة أكثر من أربعة سنواته.

لأمرما تحيّرت العقول!! ولأمر ما يجعل إبتسامة الرئيس العريضة التي تقتاتها الكاميرات في كل المؤتمرات إبتسامة باهتة وما كرة ، وعيون القطط السوداء التي تكمم الأفواه وتجيد مصادرة الحقوق والحريات وزهق الأرواح عيونا يملؤها الشك وعوطف تغمرها الكراهية، والهتافات التي تثير في الأوصال الرهبة والفزع فبركة وقناعا زائفا لرسل الكدر وحاملي الهم وحفاري القبور، وتذكرني الأضحوكة المسرحية للساسة الصوماليين كلمات الشاعر العراقي معروف الرصافي حين قال (لايخدعنك هتاف القوم في الوطن فالقوم في السر غير القوم في العلن).

عندما يإس الشعب من أن يصل شئي إلي حلقومه الناشف وفمه المفتوح لكل لقمة، وما ينتجه الوطن لا يصل إلى طابور الفقراء ولا مجالس الكادحين بقي لنا أن نقول: أين تذهب المساعدات الخارجية للحكومة الصومالية؟ هل تصل إلي وجهتها المستحقة والمتضررين في مخيمات اللاجئين والعشوئيات وفي العراء؟ والأطراف الأخرى التي يجب أن تجد نصيبها من المساعدات؟.
حقيقة تشكل هذه السؤال برميلا للبارود شديد الإنفجار وسرعان ماكونت حزازيات بين المركز وبعض الحكومات الولائية المهمة، وهي سؤال تتردد صداها في أوساط النخبة والشعب والمجالس والنوادي، حتي باتت العنوان الأبرز في الساحة وحديث الساعة في كل الميادي، ورغم كثرة تداولها إلا أنها عصية علي الحل، ولا يوجد من يملك الجواب الصحيح حتي في هذه اللحظة مما يزيد الهوة بين الشعب والحكومة الغراء.

ناهيك عن إسهامات الحكومة لتخفيف الأعباء وخلق أجواء تشجع المستثمرين الأجانب والمغتربين العودة إلي بلادهم تتنسل الحكومة بسذاجة عن المعاهدات التي قطعتها بعد الحملة الإنتخابية! وإلا أين الوعود التي قطتعها الحكومة لتحسين القطاعات الخدمية للشعب (الصحة والتعليم والإسكان والرعاية الإجتماعية)؟ لا أحد يدري ولا أحد يستطيع أن يدري لأن الناس منقسمون في أدبيات الحكومة إلي معسكرين معادي وموالي والتهمة حاضرة إن سولت نفسك التتبع بآثار الكابوي ويدوس بك جزمته الغليظة ولا يبكي عليك أحد.

الإكتفاء الذاتي للدولة الصومالية كان أملا يداعب الجميع، وأجتاح في أوصال الشعب أحلاما وأشواقا طاغية نحو اللحاق بالركب بعدما دخل الوطن مرحلة جديدة وبات في سدة الحكم وجوه جديدة في الساحة السياسية أولم تكن ـ علي الأقل ظاهرة علي الفسيفساء السياسي للوحة الصومالية ـ ملطخة بالدماء، ولكن تفننت الحكومة في إضاعة الوقت في جدل بيزنطي لا طائل من ورائه وخبط عشواء وتضحيم أرقام لا تبعث الأمل في قلوب اليائسين، وتنازل الشعب عن حقه عنوة ولم يطمع أن يعرف أين يذهب الإنتاج القومي المحلي ؟وكيف ومن يدير ثروة البلد؟ وما صدق موجة النهب المحمومة التي بدأت في مقديشو؟ وما خبر الواجهة البعيدة عن الأضواء التي تدير بخفاء ما ينهبه المدير أو الوزير أو حتي رأس الهرم؟.

قد ترتفع حاجب الدهشة لهول ما كتبت!، ولكن لا تتعجب بل حاول أن تتابع حركات الحكومة عن كثب، عندها تعرف السبب ومعرفة السبب تبطل العجب، وبعدها إعلم حياك الله أن الإبتسامة الصفراء والوعود الزائفة والكلمات الفارغة من محتواها والرقص علي الرماد،هي عملة معتمدة في أوساط الحكومة الصومالية التي جعلت صحنها وبكامل إرادتها حافلا بالأزمات والمشاكل، لتبقي السفينة غارقة في أوحالها ودار لقمان علة حالها.

وهكذا أصبحت الدولة منتجة للفقر بدل الغني، وتقنن الخوف والخرمان وتغض الطرف عن السطو المسلح لممتلكات البسطاء، والخطر الأكبر هو إطلق سراح سجناء الحركات المسلحة المتمردة!، كيف يطلق سراح قاتلي الشعب ومصاصي الدماء وفي رابعة النهار دون خوف أو وجل ودون وخز الضمير؟.

لا نعرف قيمة الحكومة في أروقة شعبها وبورصة مواطنيها، ولكن ما نعرفه جيدا والذي لا يحتاج إلي عيون زرقاء اليمامة ولاعبقرية أرويلو ARAWELO ولا الأنوار الكاشفة والنظارات المساعدة للرؤية هو: أن الوزير الذي كان يستمتع حفلة الشواء وروعة الطقس في عاصمة الضباب وأبناؤه يرتادون مدارس النخبة هناك، والمدير الذي كان يتذمر كثرة السكر في القهوة في أرقي المقاهي السياحية في نيويورك وأهله يترددون دور السينماء والموضة في بلاد عم سام ويطيرون كل شهرين في وجهة جديدة للإستجمام ، الشتاء في ميونيخ، والخريف في سيدني، والصيف في نيروبي، والشتاء في كوالالمبور تزيد ثروتهم هندسيا وبأرقام فلكية وتغلغل الفساد في كل خلية وشعرة في أجسادهم! وأختاروا لذة الوحشية والتلذذ بعرق أنصاف العراة، وكأن رياح الجينات تأبي إلا التوحل بنهش جسد الوطن وجسم التاريخ والثقافة، بينما البسطاء تفرك الجوع بطونهم يفترشون الأرض ويلتحفون البؤس ويستظلون السماء ويتصارعون مع معركة البقاء والأمعاء الخاوية التي تهزمهم تارة ويتصالحون معها تارات!، ويزيد الفقر والحرمان أفقيا كل يوم لتبقي الدموع الزكية حروفا لصرخات الشعب وتسلية لوجدانه الكئيب.

وفي خضم المصائب المتتالية كحبات المطر في عز الربيع فقد الشعب إصراره المعهود ومواصلة الحياة في ظل دولة تنهب أموال الشعب في الأسواق وترهق الكادحين بالحواجز الغير قانونية والقواعد الخرصانية ومتاريس الحديد والاتواة الفاسدة، وتفسد مزاجهم بجندي يقتات المعاناة ويسهر لتكدير الأجواء والإختطاف الممنهج للبسمة النادرة علي جبين الأطفال والشيوخ والعذاري.
في ضوء ما سبق نستخلص أنه لا يصح القول بأن ثمة حكومة تمثل هذا الشعب وتقدم الخدمات الأساسية للحياة الكريمة وتحفظ أرواحهم وممتلكاتهم لا من العدو الخارجي وحركات التمرد بل من جيشها وشرطتها وأجهزتها الأمنية المتنوعة كما والقليلية كفآءة وجودة، ونستطيع أن نقول هي تمثل نفسها وتعيش لملأ جيوبها التي لا يملؤها سوي الموت والتراب، وكل الضوضاء التي تحدثها جلبة الأقدام المدببة والتي توحي إسراع الحكومة إلي إعادة الأمن والإستقرار والزمن الجميل ما هي إلا قنابل دخان مصطنعة أنتجتها حثالات الأفكار وزبالات الأذهان الذين غابو بين دوحات الإنتهازية وأحراش الفساد في الظلام.

وأحيرا هل نقول دقت ساعة الأسف وجاء الخطر الأكبر والكارثي حينما ذهبت الأحلام الوردية أدراج الرياح، وأغتالت الأيادي الملطخة بالدماء الأمل في رحم الغيب وذهب المال تباعا علي جيوب الدولة العميقة وطوابير المفسدين من رأس الهرم إلي الوزير ومن المدير إلي الخفير، وباتت الحسرة بعدما ذهبت نشوة الأمل لحكومة صومالية تهتم رعيتها وتسهر علي راحتهم وتوظف إمكانياتها البسيطة لتخفيف الأعباء ودخول السرور في نفوسهم العنوان الأبرز في عيون البسطاء والساحة معا. 
الجواب متروكة للجمهور وللقراء.

رقَّ الحديد وما رقوا لبلوانا !


  • كابوس الموت والهلاك
مرت على الأمة الصومالية تجارب مريرة، وحياة  قاسية وليل دامس حالك الظلام، وإنقسام حاد بين مكوناته أثّركافة نواحي الحياة، وأنهك قوى الوطن، وضعَّف هيبة الدولة، ودمر البلد، وحدث تناحر قبلي حاد وأيديولوجي رهيب وحروب شعواء لا هوادة فيها جعلت كاميرات العالم تقتات مأساة الصومال ومعاتاة شعبه؛ مما جعل الصومال دولة فاشلة وبؤرة نزاع لا تهدأ أوارها تصدرالأزمات والتوترات إلي دول الجوار والعالم، وشعب متخلف جاهل منكوب يعيش بالفقر المدقع وحياة بائسة ينتظر المساعدات الإنسانية والمنح الأممية يموت أبنائه في البحار والمحيطات والصحاري والمفاوز ويقبعون في غياهيب السجون يداس كرامتهم ويهين إنسانيتهم كل هذا بحثا عن حياة أفضل وهربا عن الوضع الأمني المزري والإقتصادي المتدهور والبلد الذي يديره حفنة من الإنتهازيين المنتفعيين بدماء الشعب تجار الفوضي والخراب المصطادون في المياه العكرة وشلّة من مرضى النفوس معوقي الإحساس معدومي الوطنية والكرامة غليظي الفهم بليدي الذوق فاقدي الضمير عديمي الإدراك من حثالة الأمة  ورويبضة المجتمع الذين أعماهم الصلف وحجب الحقد بصيرتهم وأرداهم الجهل وحكمو الشعب بالحديد والنار وجعله قابعا في كابوس الموت والهلاك أكثر من عقدين من الزمن.
مرت الصومال تجربة فريده في نوعها غامضة في كنهها ومتحيرة  في محتواها أذهلت العالم ووقف العالم موقف المتفرج يراقب الدّمار من بعيد، وأدرك كل شخص من خلال هذا التجربة  أن الحروب المتواصلة لم ترجح الكفة لصالح أحد، ولم تعد تجدي نفعا، ولم يستطع واحد من نفّاخ الرماد السيطرة وإستيلاء الوطن لا بقوة السنان ولا بكثرة السواد، بل إن جميع وقّاد الحرب اختفوا من الخارطة السياسية والاجتماعية، ومعهم لعنة آلاف الأرامل وملايين الأيتام يحملون في كاهلهم دمار أمة وتفتيت شعب.
  •  الوطن الجريح

الوطن الجريح كان ينزف بسبب أفعال المرتزقة الذين كان همهم الوحيد ما يدخل في بطونهم، وتأثر الوطن بحماقات وظلام عقدين كان الحرب والعنف سيدا الموقف، وبات الشعب المغلوب على أمره لا يستطيع دفاع نفسه إلا بالدموع الصامته والعبرات الصادقة، ويمارس ضده أبشع أنواع الظلم والإستعباد، وضاع صوته في هدير الدوامة الذي لا يكاد الإنسان يسمع فيه حتي نفَسه، وملأ داخل كل مواطن غيور بالحزن والألم.
في هذه الأجواء الضبابية التي فقدت الأمة البوصلة التي تقودها إلى نحو أمة صومالية قوية سعي المخلصون من أبناء الوطن إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ومحاولة رتق الفتق قبل اتساعه، وتدارك العلة قبل استحكامها؛ فبدأت في ربوع الوطن وفي ظروف بالغة الصعوبة محاولات خجولة هنا وهناك اتسمت في بدايتها بالفردية وغاب عنها التنسيق والنسق الجميل، ولم يجمع بينهم في بداية الأمر وحدة الفكرة والرؤى رغم أنها كانت متحدة الهدف والطموحات، وتحولت فيما بعد وفي غضون أعوام قليلة إلى محاولات جادة ومنتظمة ذات تنسيق تام شمل معظم أقاليم الصومال، وكثرت المحاولات الحثيثة لانتشال الأمة الصومالية الغارقة في الحروب الأهلية والوطن من براثن العدو الذي لا يرحم، والتجاوز المدروس في الحالة الصعبة والخطيرة إلى غد أفضل يزيل اليأس من القلوب، ويلهي عن الصعوبات والمتاعب والمساومات التي تضع الحياة طريق المواطنين.
لم يكن الأمر هيّنا بل كان تحديا حقيقيا بالغ القسوة أن يستطيع شعب أعزل انهاء زمن إيقونات الحرب ورموز الفساد الذين كانو يعتبرون المصالحة الوطنية والتعايش السلمي بمثابة الصفعة المهينة لأحلامهم وطموحاتهم.
  •  العالم يتندر بأمتنا

لقد حير العالم وأدهشه ما يجري في الصومال، أمة لا تكل ولا تمل عن الحروب والنزاعات اللاعقلانية، وما فتئ العالم يذكي ويغذي نار الفتنة التي تمزق الصومال، وقام العالم يتندر بأمتنا يستهزأ بمقدساتنا ويسخرعاداتنا وتقاليدنا، وينهب بمقدراتنا وثرواتنا مما جعل التعقل والإفاقة الواعية من الغيبوية الطويلة وإدراك العالم المتحضر ومواكبة عصرالنانو والتنويرالمعرفي مسألة الأهم في حياة الشعب الذي كلما وجد بصيص أمل وبارقة خير يوضع أمامه ملايين العراقيل وآلاف المشاكل لإجهاض كل أجندة وطنية التي تساهم في التنمية والمشاريع التي  بإمكانها أن تخرج الأمة من التيه وينقذ الوطن من الانقسامات والدويلات التي يتسابق إليها أمراء الولايات على إقامتها وجعلها مستقلة مستفيديين انفراط عقد الصومال حتي قامت أكثر من ثلاثين دويلة متنازعة متحاربة، وطال الصراع الهمجي بين الأشقاء.
ومما يعقد الوضع ويؤسف الموقف أن معظم قادة الصومال وأعيانها وخاصة في زمن الانحطاط سواء كان يحمل شهادات عالمية وتخرج من أرقي الجامعات أويحمل مخا فارغا ملأها الاستهتار والزهو والغرور وقيح القبلية يجعل أولويته الأولي ملء جيوبه الكثيرة والمتفرعة، وتأمين حياته الأسرية وإشباع رغباته الشخصية والقبلية، وإهدار أكبر قدر ممكن من المال العام، والعبث بكرامة الشعب، والإستقواء بحق الشعوب، وإتباع سياسات ملتوية، ويجعل آخر أولوياته ومن ضمن الأمور الهامشية التي لا تحظى كثير اهتمام محاربة الفقر والفساد والمواجهة الحقيقية لمعركة الأهم في الساحة التي هي معركة الأمعاء الخاوية وإحلال السلام وتحسين صورة الصومال أمام العالم والحد بالتصرفات البربرية والفوضي والفساد والإرهاب والقرصنة وتحسين مستوي المعيشة؛ لكي يتجاوزالشعب زمن المجاعة وألا يتضورمرة أخرى جائعا في مأدبة اللئام.
  فقدت الأمة الطموح وحب الإستطلاع والحماسة الذي اشتهرت به، وأصبح الشعب مهددا بالفناء، واجتاح حباته حزن شديد بعد أن غدره أهله ووقف له بالمرصاد، وبالتالي فقد روح التحدي والعناد والثقة الذي كان يواجه المستقبل وعاش به سنوات حياته.
  •  الحمل الوديع

لكن الخطر الأكبر والكارثي هو أن الشعب أصبح سهل الإنقياد مثل الحمل الوديع يرى عملية شحذ السكاكين ولا يحرك ساكنا أصابه شلل فكري، وترهل في الهمة يخنع للجلاد ويستكين للمجرم، ولا تبحث حلول ناجحة للخروح من عنق الزجاجة والمأزق الحقيقي الذي يعيش فيه يجب على الأمة أن تنتفض وتثور وترمي رداء الخنوع والتبعية والخوف من المتسلط الذي يخترع الكذب في أوقات الأزمات، وألا تستسلم للواقع المرير؛ لتدخل بذلك صفحة مشرقة في التاريخ الذي لايمكن تجاهله أو نكرانه أو تحريفه لأنه يسجل الأحداث وكل صعب سوى المذلة سهل.
للشعب حقه الأصيل أن يختار طريقة حياته وأسلوب حكمه، وأن يعيش حياة آمنة مثل بقية شعوب العالم ومن غير المعقول أصلا أن تتدفق موجات اللاجئين من أبناء الوطن إلى بقاع العالم المختلفة مشردين يموتون في الشرق بلا هوية، ويموتون في الغرب مسلوبي الإرادة، ويتعذب في داخل أرضه يتحمل المشقات ويواجه الوحشية.
  •  رقَّ الحديد وما رقوا لبلوانا

رق الحديد وكلت المدافع، واشتكت الرشاشات والراجمات من تمزيق الوطن وفتك بقايا هيكل بشري أضعفته المجاعة وأنهكه المرض وما رقّ صانعوا الحروب وتجار الأزمات ومستفيدوالكوارث لبلوى وأنين المواطنين؛ مما جعل الحياة مزيجا من الألم، والكفاح فيها الكثير من التراجيديات المؤلمة من إزهاق للأرواح والتشريد والمجاعة وانتهاك للأعراض والممتلكات والتعرض للإرهاب المنظم والتمادي في السياسات الخاطئة والأفكار السلبية الهدامة.
  •  آن الأوان

آن الأوان ليجد المواطن المكلوم آذانا صاغية وقلوبا واعية  مفتوحة وحكومة قوية تمثل كافة شرائحه تتبنى وتسعي جاهدة لحل المصائب المتكالبة على المواطن ومساعدته في نيل حقوقه الطبيعية ومطالبه الشرعية، وانهاء آلامة وآهاته والوقوف إلى جانبه وقفة حقيقية تساعده على صياغة مستقبله وإدارة حاضره وتقرير مسيره ومجابهة الأخطار التي تحيط به، واستعادة عافيته ودوره الريادي إقليميا ودوليا، ولا بد من أعيان الأمة من العلماء والدعاة والمجتمع المدني والشباب الذين يشكلون نصف المجتمع قادة المستقبل وروّاد الغد أن يدركوا عظمة المسئولية وحساسية الموقف لقيادة الصومال إلى بر الأمان واحدة موحّدة، ويجب أن يصاحب عملية التغيرحراك في كافة الأصعدة لمساعدة الحكومة المنتخبة بتأدية واجباتها بأكمل وجه؛ لأن الشعب يقف أمام امتحان صعب وتاريخي  ومخاض عسير، ويمتلك اليوم فرصة حقيقية فد لا تتكر تتطلب تثمينها وبذل الجهود المضنية وتكريس أغلي الأوقات للمصالحة والجلوس معا في مائدة المفاوضات وصياغة الإنسان وتثقيفه صياغة صالحة وثقافة تنويرية؛ لأن بدون تثقيف الإنسان وصياغته لا يتأتي لنا بسهولة حل مشكلاتنا المستعصية.
  • الحوار والتفاهم

الحوار والتفاهم وبحث أرضية مشتركة للتفاهم والتلاقي أولوية قصوي من أولويات الشعب، والتناحر والتباغض آخرها؛ لتندمل جراحات الوطن، وليخرج الشعب من ظلام القبلية والتمسك بثقافة القشور والنفاق والوصولية التي أصبحت عملة معتمدة في المجتمع، وبالهدوء والتعقل وتشمير ساعد الجد والعمل الدؤوب ومحاربة العادات الضارة والأفعال الشنيعة التي خلفها الصراع، والتي تشكل عقبات وعوائق حقيقية تعرقل مسيرة الشعب نحو تحقيق أهدافه وتصحيح أفكاره ونحو نضج فكري ورشد سياسي يقود الأمة إلى نهضة حقيقية وتطور ملموس والخروج من شرنقة الاختلاف والاحتراب إلى فضاء الوئام والمصالحة والعودة إلى كتاب الله الذي فيه المنجاة، والبعد عن الحوار العدواني السلبي الذي هو اللجوء إلى الصمت والعناد والتجاهل ومكايد الطرف الآخر واستنفاد الطاقات في نقاش وصراع وصدام لا طائل من ورائه والبحث بثقافة انتاج الحل وتأسيس السلام والتعايش السلمي بين الأطياف المتناقضة بدلا من النقد والتشكي نصل إلى وطن يسع الجميع وفجر جميل الرؤى وضحى بهيجا تضحك فيها القلوب وتهز الفرح أعماقنا ويفيض البشر وجوهنا و ننسج في كل صفحة  قصة جميلة #

زفرات غريب (3-3)

ألوان الغربة كثيرة وأوجهها متعددة فهي كثيرة التلون مثل الحرباء، فبعض المرات تتلون بألوان زاهية، وترسم للغريب لوحة جميلة من الحياة ومستقبل مشرق وحاضرمفرح، وبعد لحظة وفي غضون ثوان أودقائق تواجه الغريب بوجهها الحقيقي ودون أقنعة مزيفة وتسفر بوجهها الكالح وألوانها السودءا القاتمة؛ فتحجب الرؤيا والطموح والتطلعات عن الغريب، وتغيب عنه الحلول ويمر به أصعب الأوقات وأحلك الظروف، وتزداد الصعوبة تعقيدا إذا كان الغريب شابا غضا طريا في مقتبل العمر وغير متمرس بمواجهة عنفوان الحياة وقسوتها، ويحتاج إلى جدار يسند إليه ظهره ويقويه وأهل وقرابة يسدي إليه النصح والمشورة؛ لأن حياته غير آمنه بسبب الظرف الدقيق الذي يمره وحديث تجربته بالناس وبالدنيا، والظروف القاهرة والحياة الصعبة تحتاج إلى حلول متأنية  وغير متسرعة ومدروسة بدقّة وخطوات جريئة وحازمة لمواجهة المشاكل والمصاعب التي تفرشه الغربة في طريقها الوعر ودروبها المقفرة.

تختلف الأراء والأفكار حول السفر والترحال والغربة! فالإعلانات التابعة للشركات السياحية العملاقة التي تجني الملايين من الدولارات والأرباح المشبوهة برحلاتها العابرة للقارات يصور السفر والغربة وكأنها نوع من السياحة وضرب من النزهة والإستجمام والتنقل برشاقة وخفة بين المدن والعواصم  والحدود بلا وجع أو تقييد.! والبعض يصور وكأن الغربة أحزان تتكلّم في داخل الغريب وجروح نازفة تتألم في وجدانه! ولكن المصاعب والمتاعب التي تحمل الغربة في طياتها لا يعرفها إلا الغريب البعيد عن وطنه وأهله، وكنا نسمع ونحن صغار أهل العلم يقولون: (فقد الأحبة في الأوطان غربة، فكيف إذا أجتمعت الغربة وفقد الأحبة

والسفر إلى خارج الديار بعضه ممتع وجذاب وشيّق تأنس إليه النفوس ويطمئن إليه البال وتستقر به الجوارح لسحر الطبيعة أو لعبق الأرض و بشاشة الناس وخفة دمهم وكرمهم وفخامة التراث وكثرة الحضارة والثقافة وطلاقة وجه المواطنين واحتفائهم للغرباء، ويتحول من سفر  إلى سياحة يجد الإنسان منه المتعة والإستجمام، وبعضه أي السفر مملّ ومعقد ومتعب، وقد يكون محنة ومشقة لما يصاحبه من عناء و وعثاء السفر وعدم اليمن.

 وكلا الحالتين مرتبطان ويتأثران سلبا أو إيجابا بالظروف والأحوال التي تحيط الإنسان أثناء السفر  استعداداته قبل السفر، و ربما تفكيره وتصوراته لما بعد السفر، ولكن يتفق الجميع أن الغربة ليست هي اختيار الإنسان في معظم الأحيان، فالبشرية مجبولة بحب أهلها والتشبث بوطنها وأصلها وأحبابها وتاريخها؛ وبالتالي لا يرغب أحد ولا يفكر أن يبتعد عن أهله ووطنه وأن يكون جسما غريبا بين مجتمع لا يعرفهم ولا يعرفونه؛ بل يطلقون عليه ألقابا و أوصافا فرض عليه الواقع، وهذا لا ينفي وجود شريحة اختارت الغربة وركبت موجتها بسبب الظلم الحاصل في البلد أو ضيق المعيشة أو مخافة بطش السلطان ولسان حاله: (والله إنك لأحب الأرض إليَّ ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت).

قد تطول الغربة أو تقصر وقد يلطف بنا القدر ويبتسم لنا الحظ ويوهب لنا الزمان هدية العمر التي لم تطرأ يوما في حسباننا ولم تخضع لتدابيرنا ولا لتخطيطنا البشري القاصر؛ فتنير حياتنا وتنعش آمالنا وتنسينا الغربة وهمومها وبعدها عن دفء الوصال وعيون الأحبة التي كان الغريب يؤنس بجوارهم ويعيش بين أكتافهم ويشارك معهم الأتراح والأفراح وكل وجوه الحياة المختلفة ومناسباتها المتعددة، وما أكثرها!ــ وقاسمهم البسمة قبل اللقمة والضحكة قبل الدمعة،و ربما وفي طبيعة البشر الكنودة لايشعر المرء النعم التي حباه الله بها إلا إذا فقدها، والإنسان بطبيعته لا يشكر بنعم الله الكثيرة وفضائله الجزيلة جل جلاله وآلائه المتعددة إلا إذا صلبت منه؛ لأن المرء إذا كان متلبسا بثوب النعمة  قد لا يشعرها ولا يؤدي واجبه الديني والأخلاقي تجاه هذه النعمة التي سربلها الله به، فالمواطن الذي يعيش في بلده بين أهله وأحبابه ربما لا يقدر هذا النعمة ولا يشكر المولي وقد لا تخطر على باله إطلاقا؛ لأنه لم يجرب الغربة في حياته ولم يكتو نارها ولم تمر عليه أيام وليالي لم يكتحل النوم من أجل أحباب فارقهم وخلان ابتعد عنهم ورفاق في حدقات عيونه أجبرته الظروف ألا تقر أعينه برؤيتهم صبح كل يوم!.

ولو أن التكنولوجيا الحديثة والتقدم الهائل والآلات الإعلامية الضخمة وعصر التنوير المعرفي الذي وصل إليه العالم الحديث ساهم حسب رأئي تخفيف الغربة وجعلت الكرة الأرضية قرية صغيرة أو قل إن شئت شاشة صغيرة بفضل هذا التطور الهائل الذي خطت به البشرية، وأصبح إيجاد الخبر وإتصال الأحباب ومعرفة ما يجري في العالم في متناول الجميع، والعالم لم يعد اليوم  ذلك العالم الرحب الواسع المترامي الأطراف الذي يصعب على المرء أن يتيح له معرفة ما يدور في قارته أو في وطنه وبلده؛ بل أصبح عالما مترابطا متواصلا ومكشوفا للجميع، فالتظاهرات العالمية والمناسبات أو المؤتمرات الأممية أو الحروب والكوارث الطبيعية التي تحدث في أقصى الشرق يصل إلى أقصى الغرب بغضون دقائق وربما ثواني بفضل التقدم التقني والتكنولوجي الحديث.
 أحلام المرء وطموحاته لنيل مآربه وآماله وتطلعاته لحياة كريمة واستشرافه لغد أفضل كثيرة ومتعددة ومتشابكة لا يحدها حد ولا يعيقها عائق ولا تنتهي أبدا، وهكذا يجب أن تكون.

 فالإنسان ينسج في مخيلته ويبني في خياله مستقبلا باهرا ويعقد للمستقبل آمالا جساما ويحلم بأحلام وردية ويزرع بذور الأمل في أعماق قلبه ويستمد معظم هذا الأفكار من خياله الواسع والثنائيات المتناقضة المجتمعة في ذهنه من سعادة وحزن وأفراح وأتراح ونكد العيش والمغامرات والطاقات الهائلة والأفكار الجميلة المتمكنة في شخصية الغريب والمستوحاة من فقه الواقع ومدرسة الحياة ونظرة الغريب المتفائلة أو المتشائمة للمستقبل والحياة، فالغريب يحن ويشتاق ويخطط لعودته المرتقبة، ويسعي بدون ملل أو كلل ليعود إلى وطنه العزيز و إلى مسقط رأسه، ومن جهة أخرى يفكر كثيرا ويقلب الأمور ماذا في جعبته… ماذا يرجع إلى أهله وإلى بلده؟ وماذا بحوزته كي يرجع هل حصل علما أو جمع ثروة…أو…أو…فيؤنب ضميره ويعاتب نفسه ويشحذ همته ويسعى مجددا للوصول إلى هدفه بهدوء وثبات وبغير تضعضع، ويركب الصعب والذلول ويجد الذكريات الجميلة حافزا قويا وشحنات تزيده قوة وعزيمة وإصرارا؛ لتحمل مصاعب الغربة، ويدرك جيدا أن رسم مستقبله مرهون وبدرجة كبيرة بمجموع الخطوات ولو كانت بسيطة والقرارات التي يتخذها اليوم، ولأن مسيرة مليون ميل تبدأ بالخطوة الأولي فلا بد أن يشمرالإنسان ساعد الجد ويستثمر أوقاته وينجز مهامه بأقل تكلفة وأقصر زمن.

العيش في أرض الغربة وبزمن طويل ومتواصل يحتاج إلى صبر ومثابرة وربما لا يستطيع الغريب مواصلة السير ويتعثر مرارا في وسط الطريق وفي أتون الغربة، ويعتقد -ولو ساذجا- أنه فشل في مشروعه ووصل إلى طريق مسدود، ولكي يتفادى الإنسان هذه المؤثرات كلها لابد أن يجعل للعقل مساحة أكبر من العاطفة؛ لأن العاطفة الجيّاشة والذكريات الجميلة التي يحلم بها الغريب إن لم يستفدها لصالحه قد تؤثر حياته وتقود به إلى فشل ذريع وأشياء هو في غني عنها وكفيلة بتدمير  مستقبله المهني أو التعليمي أو الوظيفي، ولا طائل من تشريح جثة التاريخ والبكاء على الماضي والأطلال، وهل يوما نفع البكاء ولا العويل؟! ولكن ازرع بذور الأمل في أعماق قلبك وتوكل ربك وتطلع إلى ذلك اليوم الذي تنجز فيه مهامك كم تكون الفرحة طاغية في وجهك، وكم تكون مسرورا.
طفح السرور عليَّ حتى إنني *** من عظم ما قد سرني أبكاني
وكيف يقدرك الأهل والأصحاب إذا رجع الغريب إليهم مالا حلالا كسبها بطرق مشروعة ومباحة ومشروعة وبعرق الجبين والكد والكدح،أو شهادة علمية مرموقة (والشهادة العلمية ليست ورقة مكتوبة بل قيمة في ثنايا النفس وتلافيف العقل تعطي الثقة وتجلب الاحترام وتشكل إذا تأزمت الأمور بديلا).

أما إذا فشل ولم ينجح في مخططه ولم يصل إلى أهدافه ثم رجع إلى بلده بخفي حنين يسقط في أعين الناس ويعيش صغيرا مغمورا لا ذكر له؛ بل يمكن أن يصبح غريبا بين مجتمعه ووسط خلّانه وأهله، وهذا لعمري عين الغربة الحقيقية ومن المرجح أن يضيع صوته وكيانه في هدير الدوامة التي لا يكاد الإنسان أن يجد طريقا يسمع حتى صوته ولا يستطيع وجود أبسط أنواع حقوقه فتضيع أحلامه وسط هذه الأمواج العاتية المتلاطمة ويتبعثر آماله ويتبدد طموحاته.

الوطن له قيمة كبيرة وانتمائه شرف وعزة  (و الوطن ليس بيتا أو أرضا أو حديقة أو عملا … الوطن حياة وانتماء وهوية وإيمان) وكل شيء جميل في بلدك بداً من الناس والتربة والجو والأشجار  والطيور وحتى الجمادات والحشرات، ولقد أصاب السيّاب كبد الحقيقة حين قال (الشمس أجمل في بلادي من سواها) ورغم أننا نحس في صوته شجو الحنين ولوعات الغربة إلا أن الوطن ليس له بديل وحبه ليس له حدود.

آه يا بلدي … يا مسقط رأسي وقرة عيني يتقطع كبدي لوعة بفراقك حزين بمغادرتك متأثر ببعدك مشتاق برؤيتك ،آه يا قسوة القدر  لقد تركت بلادي والتي كانت تمثل لي كل شيء وأهلي وأصحابي والذين تدمع مقلتي بفراقهم.
هل يعلم الصّحبُ أني بعد فرقتهم
أبيت أرعى نجوم الليل سهرانا
أقضي الزمان ولا أقضي به وطراً
وأقطع الدهر أشواقا وأشجانا
ولا قريب إذا أصبحت في حزنٍ
إن الغريب حزين حيثما كانا

وطني العزيز أنت كبير وشامخ وجدير أن يحترم بك وبتاريخك الإبريزي …وطني جربت كل الأكناف كنف الغربة كنف الحياة بعيدا عنك فلم أجد كنفا أهنأ وأنعم من كنفك….وطني قطعت المسافات وتجاوزت الفيافي والمفاوز وركبت  الطائرات والقطارات وغامرت عباب البحر  والمحيطات وما زلت أهفو  وأحن إلى عتبات بيتنا المتواضع  وإلى رفاق الحي وإلى أزقات حارتنا الضيقة وإلى أمتي الصومالية التي لم تسمع الدنيا بمثلها كرما وشجاعة وأصالة( وكريم الأصل كالغصن كلما حمل ثمارا انحنى) وإلى وطني العزيز الذي وإن جارت عليه أبناؤه لم يبخل عنهم يوما بخيراته المدرار  ودرره ومكامنه العجيبة.

ورغم تغير الزمان وتنكر السنين وجفاوة الأبناء وجحود الأحفاد تبقى درة ورمزا وفيّا نفتخر أن نكون من أبنائه، ومهما طال الفراق وتحشرنا الغربة إلى أقصى الزوايا وأبعد الحدود حبك لا يتبدل ولا يتغير ، وسيأتي ولا محالة يوما أقبّل ترابك الزكبة وارتوي من هواك الطلق ومائك العذب الزلال.

قد تطول بنا الغربة فلا تطأ أقدامنا قريبا فوق تربتك الحريرية وزيارة مناطقك الجميلة ومناظرك العجيبة وأنهارك الجميلة الواسعة وشواطئك النظيفة الممتدة على طول البلاد كأنها تحميه المكروه وتقيه الشر وتحفه بالنعم وجبالك الشاهقة وهضابك وغاباتك الكثيفة الباسقة وكل شبر من تربتك الطيبة الطاهرة وطبيعتك الخلابة…. ولكن أتنفس بحبك وما زلت اشتاق إلى شعبي… إلى أبناء وبنات بلدي بجميع شرائحهم ومشاربهم  وأفكارهم المختلفة…أرنو الحياة ببينهم، فحبهم عمّ فؤادي وملأ وجداني … وما أنس إلا أنس طيبتهم الأصيلة وحسن معشرهم وكريم أرومتهم وتسامحهم، رغم كثرة الجراحات وقسوة الزمان وتغير السنين… بلدي يبقى عزيزا عليّ لا يفارق طيفه في حدقات عيوني وحبه في وتين قلبي، وطني روحي وجسدي، و بقية الأماكن مجرد ذكريات تمكث في الذاكرة برهة من الزمن ثم ترحل عنها غير مأسوف بها، ذكريات وطني وحبه حفرت في ذاكرة الوجدان وكتبت بأحرف من الذهب الخالص على صفحات قلوبي ودفاتر وجداني يستحيل أن يمتد إليها أو أن يعروها دجي النسيان.
حبي لكم طبع بغير تكلف *** والطبع في الإنسان لا يتغير.

سيأتي ذلك اليوم الجميل الذي تنقشع فيه السحابة السوداء والظلال الأسود والشبح المخيف الذي عم الوطن…ونجد حلا لجميع المصاعب والمصائب ويتوقف رحى الحروب المشؤومة، والذي فرّق الأحبة وشتت الأسر ولم يرحم لأحد من أبناء الوطن.
لقد عز الانتظار وكثر الشوق وزاد الحنين وتداهمني موجة عارمة وسيل جارف من الشوق والهيام إلى وطني … ولكن لكل بداية له نهاية، وأحس أن نهاية غربتي قد أوشكت وزاد التفاؤل، وأتذكر أن الأفضل لوطني ولأمتي قادم لا محالة بإذن الله، وأن المشاكل والصراعات العبثية سحابة صيف عن قريب ستنقشع، وسيعم السلام والمحبة ويسود الوئام والتسامح وتختفي الضغينة والحقد والحسد والكراهية بلا رجعة، وسيخرج المواطنون إلى الشوارع والطرقات متلألئة وجوههم باسمة ثغورهم راضية نفوسهم مطمئنة قلوبهم يلوحون علم الوطن والأغصان الرطبة احتفاء بالنصر العظيم واليوم الأغر، وفي مشهد بهيّ وفريد وتاريجي يجتمعون في رحاب الوطن يتطلعون إلى مستقبل مشرق مليء بالأفراح والمسرّات.

زفرات غريب(2)

…ويطول بنا الحديث ويتشعب ويتسع نستذكر مراتع الصبا وأزقات الحارة وبيوت الجيران ويمر أمامنا طيف الطفولة وذكرياتها الجميلة وعالمها المتميز؛ حيث كانت الحياة لا تعرف التعقيد بل تمتاز ببرآءة الطفولة وعفويتها… نلعب ونلهوا ونتشاجر بأمور قد تبدوا اليوم تافهة لكنها كانت في منتهى الروعة والجمال في عقل الطفل وحلم الصبا!، كنا نلهوا ونستمتع بأشياء اخترناها لأنفسنا رغم أن الحروب والمشاكل والصراعات العبثية التي تخطت كل لغات المقبولة، ودخلت في حيز اللاممكن واللامعقول حرمتنا كثيرا عن الترف والبذخ والدميات المتكدسة في بيوت أطفال العالم.

ما أجمل عالم الطفل وبرآته القادرة على إدارة حياته!، كنا نتقاسم الأدوار بدقة متناهية كي تستمر اللعبة ونعمل ونجتهد بلا كلل أو ملل وبدون الكيد والضغينة والحقد والحسد والابتسامات الصفراء التي أصبحت اليوم السياسة المعتمدة في كافة الأطراف، فإذا أتعبنا الجهد كنا نرتمي إلى حضن الأم الدافئ التي هي كل شيء في حياة الطفل وكنفها الشفيق الذي يزيح عنا صقيع الأيام ـ وكل كنف في كنف الأم غربةـ.

ونسترجع الذاكرة وبيقظة واعية ويمر قطارنا السريع وذكرياتنا المشحونة بالشجون الذي استحوذ على الأسماع والمشاعر والشوق الذي يعصف قلوبنا أيام المدرسة التي كنا نغدو كل يوم  ومع قسمات الفجر وتباشير الصباح إليها -لنغذي عقولنا الصغيرة بالعلم والمعرفةـ وروعة طوابيرها وعبق زهورها وتغريد عصافيرها ولمع نجومها وحيوية أشبالها وشجاعة فرسانها وعبقرية براعمها وندى القرآن وطريته، وقرآتنا الجماعية التي تنطلق إلى عنان السماء وحلاوة الأدعية والأذكار الصباحية التي نرددها ليحمينا الله كل مكروه في  يومنا، وفي خضم هذا الموقف العاطفي الذي أثر خبايا النفس ومكونات الذاكرة نتذكر الإطلالات الرائعة لأستاذنا المفضل أستاذ الجغرافيا والتاريخ الذي كان يتحف بنا بعلمه الغزير المدرار ويغمرنا بحبه الأبوي الفيّاض، فتهتز مشاعرنا ونتوق إلى تلك الحياة التي كنا نشبه الطيور نطير من بيت إلى بيت ومن دوحة إلى أخرى ومن غصن إلى غصن بلا قيود أو حدود وندخل بذلك عمق التاريخ.

الاعتداءات الإسرائيلية علي السودان دلائل ومآلات

(اليهود أخبث الناس طوية وأرداهم سجية وأبعدهم من الرحمة) ابن القيم الجوزية.

كلمات الإمام الكبير ابن القيم الجوزية هي درر منثورة ونبراس نستضيئ به الدروب لمعرفة حقيقة اليهود الأصلية على مر السنين والعصور، وهي كلمات جديرة أن يكتب بماء الذهب بل بماء العيون، لما لها من أهمية ومعاني سامية ودلالة واضحة ووصف دقيق وشامل في صفات اليهود المتاجرين بالرذيلة، والذين يمارسون أبشع الجرائم والدّسائس وبدم بارد باسم التلمود المنحرف تارة والتستر بضبابيىة المصالح مرات أخرى، أمة عنوانها المكر وسمتها الخديعة وشامتها الذل والهوان والإستقواء بالأمم والشعوب الأخرى، أمة دأبت الخبث والخياتة والتطاول على الذات الإلهية والسفك بدماء الأنبياء واستباحة الحرمات ونقض العهد ونكث الوعد.

اليهود ميزتهم الفسق والفجور وعدم اهتمام النظافة كما قال هتلر في مذكراته المشهورة، ويحملون قلوبا ملأها الجشع ونزع عنه الرحمة والرأفة وأعماه الطمع، وأفعالهم القذرة جعلتهم في موقف حرج، وهي أمة منبوذة، وأحيل إلى متحف التاريخ كأمة شعارها “ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس”.

اعتداءات اليهود على البشرية كثيرة وقديمة قدم التاريخ، واشتدت اعتداءاتهم الآثمة بعد زرعهم في قلب العالم العربي والإسلامي؛ ليكونوا ورم سرطاني وعاهة مستديمة تلتهم جسد الثقافة والحضارة الإسلامية والعربية العريقة، وما زالت رحى مؤامراتهم تدور وعيونهم الخبيثة تتربص؛ لأنها ذئب لا يصالح وثعلب لا يؤتمن، وأفعى رقطاء تتسلل ولا تتوقف، وديدنهم هو زهق الأرواح وترويع الآمنين، ويجيدون لغة الدم والقتل والعدوان والغدر والحرب، ويعتبر اعتداؤهم الأخير وقصفهم البربري في مصنع اليرموك للأسلحة والذخيرة وتدمير ما فيه، وإثارتهم الرعب والخوف والهلع  في قلوب المواطنين وهجر الأبرياء عن أوطانهم وحرمان المساكين عن منازلهم وجعلهم في حالة من الانكسار والضياع آخر مسرحية من مسلسلاتهم الغادرة.

زفرات غريب(1)

شاءت إرادة المولى جلّ جلاله أن أعيش في أرض الغربة، وأن أنال قسطا لا بأس به من مرارتها ووحشتها القاتلة، وأمضيت سنوات من زهور عمري وعز شبابي التي هي أحلى أيام عمر الإنسان دون سقف يحميني ودون أمة أنتمي إليها.
عشت بغربة لم استعد لها، ولم اخترها؛ بل أجبرتني الظروف مثل غيري من أبناء وطني الملتهب أن نبتعد عنه بحثا عن التعليم أو لقمة عيش كريمة أو حياة آمنة.

أبعدتني عصى الترحال عن وطني لتثير الغربة آهات أرددها، وأنين في أحشاء قلبي يظهر صداه على كل من مقلتي وجسمي،عشت بين مجتمع غريب كنت لا أعرف عنهم الكثير إلا ما حوت عليه المقررات الدراسية؛ رغم شحها أو المتبعثرة بين بطون الأسفار أو المتناثرة بين الأساطير والحكايات الشعبية أو المتناقلة في ألسن الناس.

 ومهما كانت الغربة إلا أن فصولها متشابهة وألوانها متقاربة، و المرء يحتاج أن يجد تسلية أو ما يُنسي غربته ويهدأ لوعته، ويسكن شعوره الهائج وضميره الوله الذي لا يستقر إلا إلى ربوع وطنه.

وهروبا من شباك الغربة التي -طبعا- ليست ككل الشباك، والوقوع في متاهاتها المحيرة وبراثينها المرعبة وفصولها القاتمة لا أجد أمامي سبيلا للتخلص من هذا الواقع الأليم غير الكتابة؛ فأحاول كتابة ذكرياتي الجميلة وبريقها الذي لايفارق في مخيلتي وشحوب حياتي في الغربة وألمها الحارق الذي يحرق الأحشاء كما يحرق الماضي ويهدد المستقبل؛ فتتهرب مني الحروف وتنكرني الأسطر و يكفهر الوجه، وينكسر القلب حزينا، وتجتاحني موجة من الاكتئاب؛ فيتبلد المزاج وترتعش الأيدي عن الأحزان، ويرتجف الجسم من برودة غريبة تنتابني في عز الظهيرة وفي الصيف الحارق، وتستوطن البرودة الغريبة في كياني وتتغلغل في أعماقي رهبة جامحة؛ فتهزني وتدخلني نوبة من البكاء أو موجة من القشعريرة، وتطوف حولي سحابة من الكآبة والغم الثقيل، فأكفكف دموعي وأكبح جماح مشاعري، وأمسك القلم لعلي أجد منه الأنس والألفة أو أتذكر شيئا فأدون أو يفتح لي شهية الكتابة التي ضاعت مني وافتقدتها ضمن هدير الغربة وضجيجها المطبق؛ فيسكت القلم ويعاندني المداد أن ينزف وأن يسكب دموعه عوضا عني ويلون الورق ما أعانيه!!

وفي خضم ذلك الموقف يبرق الأمل من جديد ويتراقص أمامي طيفه الحريري كأنه يتحرش بي فينتعش الجسد ويكون الوجه صبوحيا طفولي الابتسامة، وتحترق في جوفي غابات اليأس وتكتسح الأمل والصبر في جوانحي..
ما أجمل الأمل في حياة الغريب! إنها تطوف كالنجوم وتهطل كالأمطار؛ لتنثر حبا وحياة جديدة يفوق الخيال..

مشاهد مختارة من 2012 م

يأتي عام ويذهب عام وتمر بنا الأيام والسنون، ويرحل بنا قطار العمر السريع، ويقربنا إلى خريف عمرنا ومشارف آجالنا المحتومة ونهايتنا المترقبة، فحياتنا تشبه قطارا سريعا يجوب البلدان يحث الخطى إلى محطته الأخيرة، أو قارب صغير يشق عباب الماء ليصل إلى مرفئه، وتلك سنة الله في الكون وفي الخلق ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا.

ذهبت سنة وانقضي عام بآلامه وآماله بحلوه ومره وأتراحه وأفراحه، عام مر بنا سريعا كلمح البصر لم نشعر ولم نحس بشهوره المتعددة وأيامه الكثيرة، عام آخر نقص من رصيد عمرنا ونحن في متاهات العنف، وأتون الحرب وفصول الصراعات اللامنتهية، ورحل عنا وما زلنا ننغمس في ملذات الدنيا الفانية ونتعمق في غمراتها المنتهية. عام نتذكر بكل أوقاته و ثوانيه ودقائقه وكأننا أمام صورة مصغرة لتفاصيله وأحداثه!.

عام منحنا لحظات من الزمن الجميل ودقائق لا تتكرر في حياتنا، عزفنا فيها أحلى سيمفونية  في الكون وأعذب ألحان في الوجود، وأهدى إلينا ساعات أضحكنا فيها كثيرا حتى سمع قهقهاتنا المدوية في رحاب العالم الفسيح، وحمل إلينا نفحات من البلسم الشافي، والترياق العليل لجسم الأمة الأجرب، وأدخلنا في نشوة الفرح والفوز، وتراقص الأمل أمامنا وتحققنا أحلامنا العظام وآمالنا الجسام، ووصلنا أهدافنا السامية وغاياتنا الرامية، واجتاحت الابتسامة في جوارحنا بسبب نجاحاتنا الباهرة، عام ررزقنا الله فيه أطفالا كالبراعم نيّري الوجوه طيبى القلوب فوّاحي العطور، عبقهم الأصيل وضحكاتهم البريئة وابتسامتهم الجميلة أنستنا كثيرا عن أوجاع الدنيا ولدغاتها الكثيرة التي أحاطت بنا وبأمتنا.

عام أبكينا كثيرا حتى احمرت أعيننا وتورمت وجناتنا، وترك في نفوسنا آثارا لا نزال نتجرع في كأسها المستعصي على الاندمال، وبدد أحلامنا كثيرا وعبست لنا الدنيا وجهها وأحبطنا وتذمرنا كثيرا بإخفاقاتنا المدوية، عام سقى كأس المنون أحبابا كانوا لهم في القلوب مكانة وفي الحدقات منازل؛ ممن أثروا حياتنا وتركوا بصماتهم الواضحة في قلوبنا، عام فقدنا فيه من قاسمنا معهم فصول الحياة وكانوا كالبدر في حياتنا، وأحلك الليلُ البهيم بفقدهم وعظمة الرزيةَ برحيلهم الأبديّ، ونرجو لقياهم في دار الأبرار.

 كثرت الحوادث المفصلية والتغيرات الكثيرة التي وقعت هذه السنة عالميا ومحليا، ولكن نختار بضع مشاهد  أعتقد أنها الأبرز والأهم في الساحة الصومالية، ولا يعني الصومال هنا الجمهورية الفدرالية الصومالية بخارطتها السياسية وبمعناها المعروف بل أقصد الوطن التاريخي للأمة الصومالية أو الأقاليم الصومالية الخمسة التي تنتمي إليها القومية الصومالية، ولا أضع اعتبارت الحدود الوهمية التي اصطنعها الرجل الأبيض كثير اهتمام، وأعتقد أن المشاهد التي اخترتها ضمن مئآت من المشاهد الأخرى هي التي أثرت الأمة الصومالية سلبا أو إيجابا وحركت المياه الراكدة في مستنقع الصومال.

نحن والديناصورات

جيولوجيا تحكي قصة الديناصورات عن كائنات عملاقة عاشت الحقبة الوسطى من الزمن الجيولوجي سادت الدنيا دهورا (160 سنة كانت الفقاريات الأعم والأكثر في الكرة الأرضية) وصالت وجالت مهيمنة على الأرض ولكنها أخفقت في التكيف مع المتغيرات الحياتية والمناخية والمعيشية التي طرأ على الأرض التي أهمها انجراف القارات وتغير المناخ؛ مما أدي إلى انقراضهم وزوالهم الكلي على وجه البسيطة، ولا يوجد اليوم إلا الآثار التاريخية والمستحدثات التي تدل على بئياتهم ونمط معيشتهم وسلالتهم وتصنيفهم ووجودهم في السجل الجيولوجي والأحاثي، وأنهم مروا من هنا وعاشوا هناك! ولم يبق منها سوى بقايا عظام وهياكل معروضة في المتاحف الدولية.


وسياسيا استخدم مصطلح الديناصورات عن العائلات التاريخية والشعوب التي كانت تسيطر وتوجه العالم، ولكن قلَّ نفوذها بمرور الزمن وتغير الظروف، وقد يكون مصطلحا غير شائع، ولكن بالتأكيد يرمز للزعامات أو الأمم التي تعيش خارج الزمن، والتي تبعد عن العالم آلاف السنين الضوئية، والتي تكرس الجهل وتصدر العنف وتنتج الجهل وترضي أن تكون حالمة في زمن اليقظة، وأن تكون أمية في عصر النانو والتنوير المعرفي.

 قد تكون هذه الحكاية كافية؛ لنعرف أن الحياة مزالق ومطبات وأنها تصلح للأجدر والأمثل، وعنصر البقاء مرهون بتماسك الأمم وتعليمها وتنوع اقتصادها وحفظ أمنها، ومواصلة طريق الحياة يحتاج إلى المرونة والتحمل في كافة الظروف والمناخات والأوضاع، وأيضا يعتبر المقدمة ذات فائدة جمة لندرك مدى الخطر التي تحدق الأمم والشعوب التي لم تستطع مواكبة العالم؛ بل دأبت ضمور الشر للحياة والعيش في العصور المظلمة، والتي تحجرت عقولهم في الاعتكاف والتشبث في الحياة المألوفة والعادات التي تناقلتها الأجيال، مما أبعد تفكيرهم عن التطور وهمتهم عن إلحاق ركب العالم والطموح إلى المعالي، وأفقدهم التواصل ومد الجسور مع الأمم والذكاء العاطفي.

Gorfeynta buugga "Geylame"

  Buugga “Geylame” ee uu qoray Xassan Maxamuud Qorane, waxa uu nuqul ka mid ah gacatayda soo galay Habeenkii la soo bandhigayey oo ku beegna...