‏إظهار الرسائل ذات التسميات الحب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الحب. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 10 فبراير 2017

ذكريات على ضفاف النيل


تمر بنا الأيام والليالي دون أن نشعر، وتقربنا السنون إلى أجلنا المحتوم ويومنا الموعود، وتحمل لنا الأعوام والساعات أخبارا سارة وأخرى ضارة ،كما يحمل العام في طياته الأتراح والأفراح والبشائر والأنذار المبكرة للأشياء الجميلة في حياتنا.

أنظرُ إلى السنوات الخمسة التي عشت في السودان فأتذكر لحظات الغربة القاتلة، كما أتذكر لحظاتها الجميلة وساعاتها القاتمة، سواء كنت في المقاعد الدراسية، أو في الحدائق العامة وعلى ضفاف النيل والمكتبات التي تعج بأصناف العلوم والمعرفة، فأتعجب كيف مرت الأعوام هكذا سريعة وكلمح البصر!، وفي خضم تيهي على وادي الإستفهامات أتساءل: هل هرولت بنا السنون؟ أم أسرعت ومرت كالبرق وكالموجات السريعة؟ أم أننا لا نحس مرور الأيام والليالي (بانغماسنا) في ملذات الدنيا وشهواتها وجمالها الفاني؟

خمسة سنوات عشتها على أكتاف الجمال ومدينة الخرطوم، وتحملت مشقات كثيرة بسبب العلم وتحصيل المعرفة، ورقصت على أهداب الزمان بخيلاء وشموخ، وعزفت العود وبنغمات رقيقة على كورنش النيل وواحات التسوق المتناثرة على شاطئه وفي أعتاب المنافي المتعبة بالأغاني المشحونة بالوجع والألم، كما أحببت الحدائق الخضراء المنسقة بالزهور عند ملتقى النيلين في المقرن الثملة بسكرة الإيحاءت الرومانسية الصادحة من أعماق الأجساد وفي صميم الأبدان، واجتاحتني وأنا متلفع برداء الغربة لطمة حياتية موجعة في دروب الحب الطويلة.

في غربتي الأنيقة قطفت ثمارا يانعة من بساتين الذاكرة، وتعللت آمالا أيقونية ساطعة، وسامرت أطياف الجمال، وتنعمت في حضن الخرطوم الدافئ أحيانا واللافح أحيانا أخرى في عز الغربة والشوق وفي منتصف الصيف الخرطومي الساخن، وكانت الدراسة مجرد أنسي الذي يقطع لوعة الغربة في الليالي الباردة، وعندما يجتاحني لهيب الشوق كنت أردد في غربتي بإستمرار أغنيات كلاسيكية مختارة، ذات أوتار خماسية أمثال:
“Tacliintaan usoo dhoofayeen uga imid dhulkaygii
Dhayal iguma aha oo waan dhowrayaayeey”
"التعليم الذي سافرت وتركت وطني من أجله ليس هيّناً عليّ وسأحافظ عليه وأعتني به دوما".

خمسة سنوات كانت الكتب رفيقي في الحل والترحال والأقلام أصدقائي في كل حين، وكانت ملتحفة بتناقضات الحياة والمسالك التي يطول فيها العبور، أخبار مظلمة، وأجواء صحراوية جرداء وطقوس رطبة شتائية، وتدافع الأفكار وتنمية العقل والإدراك، وتنقلات عجيبة من نيروبي لندن أفريقيا إلى عطبرا بلد الحديد والنار، ومن جِكْجِكَا عاصمة الثقافة الصومالية الأصيلة والرقصات الشعبية الموغلة في الوجدان الصومالي إلي بحردار وموضع الجمال في العمق الأمهري وأعالي هضاب الحبشة.

عشت في الغربة والأحشاء تحترق! وعكفت فوق ربى الترقب أطالع صفحات وطني وحب شعبي المليئ بين قصبات الضلوع كأنه مرسوم على لوحة فنية تربطني بأفراد شعبي وتاريخ بلدي، فتزيدني شوقا ولذة خاصة تسكن بين العيون والرموش.

2009،2010،2011،2012،2013 خمسة أعوام مشحونة بالشوق والضنى، ومفعمة بالألم والشجن، خمسة سنوات متناقضةإبتسمتكغرة الربيع وبكت كالثكالى، ولم تكن سوى سنوات غائمة وأرقاما سديمية تائهة المعالمإضافة إلى وميض القلم وليالي المذاكرة على وقع أصوات البعوض وعصافير البطن، وأياما تئن وتتوجع ولا تؤنس وحشة الفراق وقيوده التي لا تلين، كما كانت سنوات لا تخلو عن ساعات أحسست بفرحة الفرج بعد الضيق وأياما متألقات تشع عنها الدفء والنور، ولحظات تتآلف القلوب وتندمج النفوس فيها.

هنا الزمن يمشي سريعا وكأنه يلاحق موعدا، ويمتزج التاريخ بالجغرافيا وجمال النيل الذي أصبح نهرا يرتبط في السودان بموروثات الهوية والحضارة والوجدان، في السنة الأولى من سنوات الغربة والضياع كنت كورقة متعاكسة تدور حول نفسها! كنت أناجي أشجار التمر الباسقات التي يتدلى منها الرطب كضفائر الغواني في عطبرة مع رفقة أجلاء وأصدقاء أوفياء عاشوا في "دار جعل" برفقة الكرم والشهامة، ولم تكن السودان حينها في نظرة مراهق أبعدته الحروب والصراعات العبثية عن وطنه سوى بلد غريب عنوانه النيل، وشعاره التحدي، ولسانه دارجي، وتكاليفه باهظة وصعبة.

وقُطر كثير القوانين واللوائح يصعب لمراهق مثلي جاء من أقصى الشرق للقارة يحمل تمردا على كل القوانين في جيناته وقلبا ناصعا لم تغتلْه أيادي الحقد، وتعويذة جدتي، وبقايا سبحة ويقين أستعين بها في نوائب الدهر، وحبا جارفا للعلم والمعرفة أجبره ليحط به الرحال في وسط الصحراء وفي تلك السنة وفي جناب البرلوم كنت أتذكر ملاعب الطفولة ومدارج الصبا ورمال الشواطئ الذي يشكل النبض الأكبر في بلادي.

أما العام الثاني الذي حملني طيف الغربة إلى عمق السودان والعاصمة المثلثة فقد كان عاما مترعا بالبهجة والجمال رغم الغربة! تعودت أكل الفول محبوب الجماهير وصديق البسطاء وزميل الكادحين وحديث السمار، وأصبحت ماهرا في تحضير الفتة والطعمية والجبنة والشاي وبطريقة أهلي في أقصي الجنوب من الوطن، وكونت علاقة رومانسية غريبة أرسلتني من سكون الغربة إلى دفء العشق وتربة الوطن.
إرتبطت بإنسانة لطيفة وفتاة لامعة في أوساط الطلبة الصوماليين في تلك الفترة، أنسها كان يهوّن علي كثيرا من السآمة والملل ورهبة الغربة، أحسسنا كثيرا  تدفق التعلق في أوصالنا على وقع موسيقى الجاز والألعاب التقليدية السودانية التي تصدح في حناجر السمراوات داخل  السينما والقنوات الثقافية والمسارح  المطلة على النيل العظيم، وضحكنا كثيرا من أجل الأمسيات المبللة بالحب والصباحات المتألقات في الحرم الجامعي وفوق الكراسي الدراسية، وبكينا كثيرا من أجل أحبة رحلوا عن دنيانا الفانية إلى دار البقاء، وآخرين قلبت لهم الدنيا ظهر المجن وشربوا كؤوس الحور بعد الكور أصنافا!.

السبت، 24 أكتوبر 2015

مقديشو.. وهمسات الليالي


في ليل خريفي تضوع بالجمال والخيال الفانتازي كنت أصعد على أجنحة الآمال ذرى النجوم المتلألئة، وأتمعن إطلالة القمر الذي يبعث ضوءا قميئا على أحياء مقديشو وحاراتها وأزقاتها الترابية ومقاهيها القديمة، وأحاديث المقاهي على وقع أوتار  تراثنا الغنائي المتفرد مكتوبة على أرصفة الزمان وذاكرة الإنسان الصومالي. ليل يتهادى على كتف الظلام وصمت رهيب وسكون مشوب بالخلجات الإنسانية الطبيعية في غسق الدجى أثار مزاجي، ومسرى الظلام الذي نثر  أوشحة الليل على أرجاء مقديشو التي بدأت تتزين بالبهاء وتستعيد هيبتها وأيامها الماضي ومكانتها المرموقة بين العواصم العالمية حرك مشاعري تجاه عبير الكلمات والشجن المخيم في الألفاظ وصدى الحروف.
ومضات الأحلام المتدفقة من جدآئل الروح  وشجى الليالي الذي لا يرحم على أحد، والنسيم الذي يهب صوب المحيط محملا عطرا مميزا واللوحة التشكيلية الرآئعة في أهداب السماء أثارت في روحي كوامن العشق والهوى لشخصية فريدة ذات سحر عميق في نفسي منذ أن أصبح حبها سر بلائي ونقطة ضعفي، وكنت أتذكر وأنا أصغى إلى همس الدجى وحفيف الأوراق أبيات الشاعر التونسي الكبير  أبوالقاسم الشابي: (أيها الحب أنت سرُ بلائي)!،ماذا عساه أن يقول لو داهمته لواعج الحب والدمعات المسكوبة عن مآقي العشاق تحت قبة ليل كئيب في مدينة خاملة الذكر تقع على أرنبة أنف قارة إفريقيا ولها إشراق مهيب وأصيل يذيب الضياء.
كنت سارحا مع الخيال ونفض الغبار عن الأحلام، وأتأمل على جبين المدينة التي تعاني من القهر والإذلال وتشويه ما تبقى من معالمها بالهدم والبيع لجهات أجنبية وبثمن بخس!، وفي عز  التفكير والتأمل أتبحر في دروب الليل الموحش، وتنتابني موجات من الإيماءت الخفية تخترق جيوب الليل وهي متدفقة من روابي مدينة تكاتفت السباع البشرية والأمراض السياسية بين مناطقها وأزقات أحيائها، وتضوع هوائها بأريج الدماء القانية التي تفور من أوردة الضحايا وشرايين الشعب وعروق الوطن وأجساد البسطاء وأعضاء الكادحين، والنفوس التي تزهق من أجسام من لا يعرف مهنة أخرى غير مهنة البارود والتعرض للأخطار بسبب هزيمة الأقدار ونسف بيوت المجاعة وهدم ممتلكات الفاقة ومصادرة أغراضها وأعراضها.
أتجول على الأحياء القديمة للعاصمة مقديشو، البيوت مهدمة، والطرق مكسرة وكانها خنادق لمنافي الألم، والوجوه شاحبة، و رغم هول الدمار والأكوام المتراكمة في أحضان المرامرة والعنف مازالت الحياة نابضة بشدو الطفولة وشذرات من ألحان موسيقى بهيجة تتعالى من الأكشاش والراديو العتيق المتدلي عند فوانيس بائعات القات في شوارع مقديشو التي حفرتها الحروب وأثرتها السيول وغمرتها الصراعات الدآئرة فيها منذ عقدين من الزمن.
هنا خيوط وحكاية تشابكت وتتابعت فصول معاناتها ونضارتها!، وفي مقديشو الجمال لا ينتهي أبدأ!... تتكسر زرقة البحر فوق جناح الليل في جو خريفي مشوب برذاذ المطر ووقع ترانيم صوفية تصدح من المساجد العتيقة والزوايا القديمة والمزارات الموغلة في القدم لعاصمة تحتضن مئآت الأماكن الأثرية والمساجد التاريخية التي تؤرخ قدم الحضارة الإسلامية في شرق أفريقيا وأعتناق الشعوب الشرق الإفريقية إلى الدين الإسلامي منذ فجر التاريخ وقبل أن يصل الإسلام مدنا كثيرة من الجزيرة العربية مهبط الوحي ومأوى الرسول الكريم صلى الله علية وسلم.
في مدينة مترعة الشحوب تحضر أوتار مَغُول وشذراتها العذبة في حنجرة التاريخ، وأغاني الصومال وطبولها وسحرها تأتي من شرخ الليل فتصفى الوجدان وتمنحنا لحظات من التحرر. وإذا أطلقت عنان روحك فوق مقديشو سترى طيورا صادحة فوق تمثال حواء تاكو الشامخ على كتف مقديشو، ووزيرا فاسدا بثياب الشرفاء، وعجوزة مسنة بريق عيونها تنسيك الألم، وجماعات من الطلاب يغدون للمدارس والمعاهد والجماعات، وطفلا شريدا يتوسد سهوب الغسق ويستيقظ بتخمة الصباح وضوء الفجر الساطع، وحكومة غير فعالة لايخاف من سطوتها أحد، وفوضى المدن المشحونة برآئحة الإنفجارات والإغتيالات السياسية، ونقاط التفتيش، ومتاريس الإسمنت، وصخب المدافع، وكثرة التشكيلات العسكرية، والضعفاء الذين يتقلبون فوق حصير الألم وهم يستظلون السماء ويفترشون الغبراء.
وأشواق تعبث بالروح وتلامس النفوس التواقة إلى دولة صومالية قوية وحياة متعددة الألوان والأذواق، ومتحدث ذلق اللسان يطلق عنان لسانه فينسي الجميع كل المآسي والملاحم والمناصب، وموانئ ترسوا عليها السفن المحملة بالبضائع وجميع متطلبات الحياة، ومدينة متخمة بشتى أنواع الخيرات ورغم ذلك تذبل فيها أزهار البرآءة ورحيق البهجة، ويموت فيها يوميا ملائكة بلا أجنحة بسبب الهزال وسوء التغذية والإهمال الطبي وكثرة الحوادث وإستمرارية القتال، و تجفيف ينابيع الطفولة الطرية بالأعمال الشاقة والتجنيد الإجباري.
الشعب يصارع مع أعباء الحياة ولا يبالي، والأغنياء يمارسون مباهج الحياة ويتذمرون كثرة الموز في الموائد ويعيشون حياة باذخة البريق، والفقراء يتكاثرون هندسيا و يمارسون مواجع الحياة، الفساد عاري بلا طلاء، والرشوة بادية بلا خفاء، والخوف ظاهر بلا عناء، والوزارات خاوية بلا حياة، والأقنعة شفافة تفضح أكثر مما تستر، ومخاوف أمنية وخروقات سياسية ومؤتمرات مصيرية ومباني شاهقة، ومدارس متنوعة ومظلات أهلية مختلفة وجامعات تنافس البيوت كثرة رغم ردآءت خدماتها، وإقتصاد بدأ ينعش حسب التقريرات الأممية ومغتربين يتحدثون عن سحر الأمكنة في بلاد الغرب وزيارات تأريخية صوب الأمكنة الخلابة والمتاحف العالمية والمناطق الأثرية رغم أنه في المهجر كان لاجئا يتقاضى أموالا من خزينة الدولة لأنه فقير معدم، وكان يختار الدول بسبب ميزاتها تجاه اللاجئين والمشردين الذين يبحثون عن الحياة في أوكار الموت ومخالب الردى .
تعبت وتحملت عوادي الزمن والخيال الجامح الذي يأخذني إلى مرافئ الحياة بعيدا عن الحرمان والألم وهمسات الدجى الحزينة، وبعد رشف شاي العتمة أصغى إلى الأخبار المتناقلة والنشرات الأخبارية التي تتحدث عن الجفاف وأخبار السيول ومدنا سوف تغمر، وقرى كاملة ستكون في عداد المفقودين، والمدن ستتحول إلى بحيرات، والشوارع إلى ترع وجداول يستخدم فيها الإنسان الزوارق السريعة لعبورها!، وفي عز الذهول والشفقة لهذا الشعب المغلوب أتساءل ما مصير أمة يقودها الأشباح ويسيسها من لم تصادفه الوطنية والعدل والشفقة في دروب عمره المديد.
يتعالي الأنين وتصدح الآهات في ليل مظلم وصامت، وتتلاطم على شواطئ مقديشو موجات الأيام القادمة الحاملة بالمفاجآءت مع صخور السنوات الصلدة التي تركت على جبينها بصمات واضحة من العنف والجنوح نحو الدمار والدموع، قادة بلا عقائد، وساسة تعاني من المراهقة السياسية وتغرق في الشبر الأول من المشكلة الصومالية، وشعب بلا طموح فقد تقته بالنفس فأصبح حملا وديعا لا يتكلم ولا يتألم ولا ينفض، ووطن حباه الله خيرات طافحة وطبيعة خلابة يختفى من الخارطة السياسية رويدا رويدا ودون أن يشعر به الأغبياء، وساسة تجيد الرقص على الرماد وتخدير العقول وفن التحكم بالبشر عبر تغذية صراعات الميول وشبق الشهوة وجنوح الغرائز الفاسدة في طبيعة الشخصية الصومالية التي فقدت القيم والأخلاق أثناء مسيرتهم الطويلة ليلا خانقا يقف على وجه الحياة.
في ظلمة الحروب وفي الممر الرئيس بين الحياة والموت يتبادر إلى الذاكرة الجماعية للشعب هل نحن نمارس الحياة الحقيقية بكل تجلياتها ومعانيها؟ يستغرب مجموعة من الخلان يتقاسمون أطراف الحديث من الأسئلة المحيرة، تتململ فئة ويتجهم أخري، تختنق العبرات وتترقرق الدموع على مآقي بعض القوم فيصرخ أحدهم على وجه الزمن ويهتف هاتف من بعيد" الحياة التي لا يتحقق فيها شيء ولا يتم فيها إبداع أي شيء هو عمر يتبدد وزمن ضائع"!، يتصدر على المجلس وجه كئيب يحمل جبينه ملامح حقبة البوس والشقاء أو بالأحرى يتربع على قمة كومة من الدمار فيتكلم بعنجهية مقصودة: هذا كلام فلسفة وهرطقة الغوغائئين ومن يحملون قلبا مرهفا وأحاسيسا رومانسية مكثفة بالحنين.
لقد أبدعنا ألف طريقة وطريقة للهدم والقتل والتشريد والهجرات الخارجية والتزييف والربح السريع دون أن يدري أحد، لقد سرقنا الماضي وشوهنا الحاضر واستعدنا لإلحاق الضرر بالمستقبل الذي بدا يقرع الأبواب بطريقة غير تقليدية تزرع الخوف في قلوبنا، بعنا كل ممتلكات الدولة وأعطينا بعضها كهدايا لأشقائنا الأوروبيين وأصدقائنا الأمريكيين ودول الجوار الذين تعلو ضحكة صافية على تقاسيم وجوهنا برؤيتهم والتلذذ برونق حكايتهم وجميل أوامرهم وصرامة قرارهم وهيمنتهم على كل شيء في دولة كنا يوما من الأيام سادتها الحقيقيين.
لقد أسسنا حياة مؤلمة كوجع الأسنان في منافئ الألم والمدن الظامئة وسديم الغربة، وفتحنا الأبواب الإقتصادية لشركات السلاح ومقاولي الصراعات ومثيري الشغب والحروب وتجار المخدرات، لم نعد نتذكر الصبا والأطلال القديمة والأيام الخوالي، ولم نعد نستجمم على الأجواء الخلابة والسواحل الحريرية وملامح الضامرات سمرة وجمالا، ولم يعد الأصيل بقرمزيته يثير شوقي وشجني، وروعة الشروق باتت شهابا ذاب في قلوب الفضاء، لقد سرقنا الحجر والشجر قبل البشر، بصقنا على وجه التاريخ ومزقنا الجغرافيا ومنحنا التربة والمحيطات لدول كانت غريبة فأصبحت عزيزة تعاني من كبوة إقتصادية وهذا كرمنا الفياض وحسن جوارنا ونظرتنا الثاقبة للأشياء وإيماننا العميق على تقاسم السلطة والثروة للأجانب وتهميش وإقصاء المواطنين من الحياة والعملية السياسية برمتها.
بأفعالنا الشنيعة تحولت مقديشو من عروس المحيط إلى عجوز المحيط، جعلنا المحيط مزبلة عالمية للنفايات السامة ومكانا يضم مخلفات العالم ومخزنا إستراتيجيا للقمامة الشركات الكبيرة العابرة للقارات، لقد زرعنا في قلوب الشعب خلايا تلتهم الأشياء وتقتل الأفكار وتغتال النخوة وتدمر الوطنية وتنمي الحقد والحسد وتزرع الإنفصال والتشظي والتحزب والجهوية والمحسوبية البغيضة.
و" الحياة توتر مستمر بين ما هو كائن وما ينبغى أن يكون" وهذه مشكلة الحياة التي لم يستطع احد حلها منذ الأزل لذا اخذت المبدأ الفلسفي المشهور" لقد أبحرت بنا السفينة وليس في وسعن سوى أن نمضي " أن نمضى مع واقعنا وأن نستمتع مع الإبتسامات العريضة للقادة والعنجهية البغيضة للحركات التآئهة، وإستبداد السياسيين، وأن نتذكر ونحن نعدد مساوي الضعف وعدم التحكم وهشاشة النظام والترهل الذي أصاب مفاصل الدولة وأجهزتها، السلطات الإستعمارية وتسلط الأنظمة البائدة وتكميمها أفواه الشعب قبل أن تصل الدولة مرحلة الإنهيار التي هي المرحلة الأخيرة من الفشل والإستسلام، يجب أن نثمن المجهودات الجبارة والنقلة النوعية من دولة منهارة إلى دولة هشة ولم يتحقق هذه النقلة النوعية إلا بعد التبذير  وإختلاس الأموال العامة وغسل الأموال، وبسبب السفريات الكثيرة والمبيت في الأبراج العاجية، والفنادق البعيدة عن صخب مقديشو وضجيجها، والفاشلين الذين يجلسون في كل بقعة وزاوية يحللون الأوضاع ويسبرون غور الحكومة والهئيات الأجنبية دون أن يحاولو تقويمها بطرق أكثر فاعلية.
وأعلم يا صاح أن تجارة البشر عمل رآئج مضمون العواقب، ونهب الخيرات أقصر طريقة لملء البطون والوصول إلى أعلى الهرم السياسي الصومالي، وليكن المال الفاسد والرشوة والجهوية وكل عامل يبعدك عن العدل والإنصاف والوطنية سلاحك الفتاك، والخطاب الرومانسي يجب أن يسود، وأن نترك الإعتماد على جدران الوهم والتشبث بالمبادئ العتيقة التي عفى عليها الزمن.
إهتز جسدي مذهولا ومستغربا، فحاولت نسيان القصة وكلمات الشبح القادم من عمق الأحلام الكريهة ولكن الحكايات المؤلمة تجعل ليلي صامتا ومبلولا بالحكاوي الموجعة، وتطرد النعاس فيقضي الجسد ليله ساهرا يناجي أطياف الأحداث الحاملة ألوان الماضي وأخبار الأيام ودموع القلوب الكسيرة.

الاثنين، 23 مارس 2015

رسالة إلى حبيبتي

حبيبتي الحب في المنفى كئيب ومرعب وموحش، لأن في الغربة لا يوجد سوى أنين قادم من ينابيع قلوبنا التي نهكها الإنتظار  وأتعبها الترقب، وأضناها الشوق، وترانيم حزينة تكتب شاشة الأفق مواجع العشق وحكايات الحب القديمة، وفي الغربة وحدها حبيبتي نذرف دموع المآقي شوقا للأيام الغابرة، ونستأنس زرائب الذكريات والأحلام الغاربة، ونتعلق بالماضي الفخيم لأنه يشكل الومضة الأخيرة للأيام المتألقات، وما تبقى لدينا بعد رحيل من أحببناهم.

وفي عز الحب الذي بات وخزه المؤلم مألوفا لدينامنذ أن أصبحنا أسيرين للتبعثر الجغرافي المصاحب للصوماليين منذ بداية آخر عقد من القرن المنصرم أهرب إلى لحظات الصفاء وليالي الملاح في سجلات حياتنا، فلا أجدها سوى تلك الأيام الحاضنات دفأ وحبا فأردد سقى الله تلك الأيام ما أروعها.

كنتِ أجمل فتاة رأيتها في حياتي ومنذ أن التقينا مازال طيفك يسري في داخلي، وصورتك تهمس في مخيلتي وتبث في نفسي رحيق الحياة، ومازلت أرفل بهناء الماضي والثياب التي كنت ألبسها في مواعيدنا قبل عتمة العشاء في السابعة مساء، وأنا قادم من جنوب الحيّ بعد أمسية كروية أتعبني طول الملعب وأرهقتني الساحرة المستديرة مع الخلّان وأصدقاء المدرسة، في حين كنتِ قادمة من المعهد، أو من صديقة حميمة كنت تثرثرين معها حكايات النسوان التقليدية، وتتحدثان بإتقان يحسد عليكما عن الأعراس، والأفراح، وحفلات المسرات، وعن الموضة أو الأزياء وآخر ما اشترت فلانة من الذهب والثياب، أو عن المدرسة وقصص الحب المتناثرة في فصولها.

أتذكر تفاصيل جلساتنا الملئية بالمرح وهذيان الشباب، والإنسجام التام ، والهدؤ النفسي، وتبادل النظرات التي لا تخطؤها العين، ، كنا نجلس معا نتقاسم أطراف الحب والأحاديث فيمر الوقت وكأنه يلاحق أشياء ليس يدركها،! وعقارب الساعة تطوى الأوقات طيا حينما ننغمس في لذة العشق وأحاديث الهوى!، أما الأوقات العادية فالزمن يزحف وكأنه راكب ظهر سلحفاة مثقلة بأعباء السنين وتراكمات الواقع.

كنا نضحك معا ونحلّ لغز الحب ومتاهات العشق بمزيد من التعلق والإعجاب، كنتِ حياتي وخلاصة عمرى وزهرة فواحة شذاها يعطر أركان جسدي، وكنتِ عشقي الوحيد وأمنيتي، معا قضينا أمتع أيام عمري وشربنا كوؤس الحب أصنافا ونحن في بداية الشباب أو في زمن المراهقة، في ذاك الزمن لم نكن نتوقع أن تنتهي تلك السنة دون أن ندخل في القفص الذهبي معا، ودون أن تتحد الأجساد نشوى مثل ماتحدت الأرواح في العالم اللامرئي، ولكن كانت أرادة الله عكس إرادتنانا.

كانت نبرات صوتك أجمل الألحان وأعذب من عيدان القيان، وأشجى موسيقى سمعته في حياتي، وكانت حبالك الصوتية وأنت تترنمين كلمات الصبا وجمل الغرام رنات وترية ترسلني إلى بهاء النفس والصفاء النادر، وكانت قامتك السمهرية تسحرني، وتغنج الواضح يبهرني، وعيونك الدعج وحواجبك الزج تذكرني بالأبيات القديمة: إن العيون التي بالوصل تضحكني *** هي العيون التي بالهجر تبكيني.

وبعدها تفرقت بنا سبل الحياة، ورمتنا الظروف بعيدا عن أحلامنا، وعلقت تطلعاتنا نحو تأسيس بيت ملؤه الهناء والمحبة والإحترام المتبادل، بيت مثالي أركانه الودّ، وعنوانه الرفق، وشعاره الرحمة، إلى إشعار آخر، وبدّد الواقع المخزى دوما للمحبين الثملين بسكرة الحب ما كنا نرسمه في أروقة الحب ودواوينه الخازنة لأشعار الهجر والوصال،  وتحولت أحاديثنا إلى أشجان،  ولقآتنا إلى ذكريات أيقونية نعزف على وقعها سيمفونية الشوق.
ويدهشني الفراق المرسوم بدقة قدر الله المتناهي!، لم نكن نتوقع أن السفر القريب إلى العاصمة مقديشو في صيف ذاك العام الصاخب بمشاعر الحب وشعار السياسات المصحوب باللافتات والمظاهر الإسلامية يتولد عنه كل هذا البعد وهذه المسافة والفراسخ الزمنية التي أحالت حبنا إلى أحلام، وأحلامنا إلى أمنيات، وأمنياتنا إلى كوابيس لا يطاق، ولم أكن أتوقع أن رحيلك إلى الجنوب الجغرافي سيتولد عنه هذا الألم.

إنطلقتِ جنوبا وانطلقتُ شمالا وتمادينا في البعد والنوى حتى شارفتُ حدود قارتنا الشمالي، وعشت سنوات ملئية بحكايات المنافي في الخرطوم  وعلى رحاب جامعة افريقيا العالمية، كما قضيتُ وقتا ماتعا على ضفاف النيل وحدائق المقرن وساحات السودان عامة وأنا أرفع شعار العودة والترقب الذي هو نوع من العبودية، وصاحبت الأماجد  وزاملت الأكارم في الأحياء والأزقات، ودرست الجيولوجيا وأكلت الفول صدقين الكادحين وشربت الشاى بالكركدي والنعناع، وغردت وحيدا في جزيرة الفراق والحنين، واكتويت نار الغربة والموجات المؤلمة للمشاعر والأحاسيس الوجدانية وأنا  أتوغل في الدروب التي يطول فيها العبور، وأتجول أدغال قارتنا الجميلة بشعبها وبطبيعتها الخلابة.

في حين كنتِ تتوغلين في أحراش افريقيا وتعيشين في أقصى الجنوب وبلاد مانديلا في الكيب الغربية، وتستجممين جبال تيبول وقرص الشمس الدافئ فوق الشواطئ الذهبية وعيون المناجم الذهبية، وتقضى أحلى الأيام قرب المعالم الأثرية والقلاع التاريخية لكيب تاون زهرة المدآئن وموطن العشاق وقبلة السياح، وبعدها طالت الغربة فرجعتُ أنا إلى حيث بدأنا الحب وغرسنا معا شجرته الوارفة، أما أنتِ فمازلت تركبين سفينة الغربة ومازال زورقك السريع يتقلب في عباب أمواج المنافي في داخل بلاد عم سام أمريكا أو بلاد الفرص والأحلام كما يقولون.

 دار الزمن وتوالت الأيام وعز المزار وصعب اللقاء، ولكن كان حبك نبض يردده شراييني، وخيط الحب المقدس لم ينقطع يوما، بل كان حبله قويا يربط نبضات قلبي بأنفاس روحك، ولم يتحمل القلب أن يؤسس للحب منارة غير منارته الأولى، ونسمات الصبا لم تزل تهب من مشارف قلوبنا إلى باقي الجسم الخازنة للذكريات وربما الألم المصاحب للفراق.

الثلاثاء، 28 أكتوبر 2014

دمعة في محراب الحب


 
  في مساء قرمزي شفاف رصعت السحب المجلجلة في الأفق ألوانا زاهية وقوس قزح جميل ممتزجة بصفاء الوجدان وجمالية الأشياء، كنت أرتشف قهوة المساء  ـ التي أصبحت طقوسا أمارسه ـ في مقهى شعبي تقع فوق تلة مرتفعة تطل علي المحيط الآسر ببهائه، الأجواء هادئة، والنفوس مالت إلي الأحاديث الجانبية الشيقة والإتكاء علي كتف المحيط، والأمواج تداعب الرمال والزوارق المركونة في المرافئ برقة ولين، والأشجار تعانق البنايات الشاهقة وبقايا الأطلال الصامدة رغم جرف الزمن وأصداء السنين، والنسيم العليل يغازل الحوريات اللائي يجلسن فوق المقاعد البلاستيكية والطاولات المستطيلة المطرزة بالأزرق الصافي لون العلم الصومالي وهن منهمكات باللمسات الحانية علي شاشات هواتفهم الذكية والإبحار في عالم الهواتف الجذاب، وأحاديثهن النسوية المفتوح وثرثرتهن التقليدية الصاخبة يجعل المكان وكأنه حفلة نسوية بإمتياز.

الأجواء السريالية للمقاهي الناعسة علي أهداب المحيط التي تصدح عنها الأغاني الكلاسيكية ذات الأوتار الشجية، ورائحة القهوة المميزة التي تنزلق إلي الفم كسرعة الضوء وتحول الأمزجة وتؤثر الخلجات، وأحاديث الأصدقاء على وقع شجى الذكريات وشجن الأيام، وملاحة الوجه وصباحة القد، والنظرات القاتلة، والقامة الممشوقة كالسنديان، والمشاعر الحالمة في محراب الحب كشبيللي الذي يفيض حبا وحنانا، والطبيعة الآسرة، وعرش الغروب وشفق المغيب، والأسواق الملئية بالمارة والمتجولين، والأرصف الباردة للمدن والقرى دائما ما ترسلني إلي سحيق العواطف وقعر المشاعر المكبوتة.

غابت الشمس وراء التلال وخلف المباني الشاهقة والبيوت الكثيرة والمتلاصقة كضاحية مهملة لمدينة إفريقية موغلة في القدم والعراقة، وأرتفع صوت المؤذن لمسجد عمر بن الخطاب العتيق المحاذي الثكنة العسكرية للبحرية الصومالية، صوت المؤذن كان يأتي وراء السنين التي تجاعيد وجهه تقول أنه في العقد السابع، وكان المايكرفون يعاني من الشيخوخة وشوشة الأصوات التي تجعل الآذان مزيجا من الكلمات والبحة والأصوات المرتفعة للمكبر.

في هذا الجو البانورامي الذي عم الأرجاء بدأت السماء تمطر رذاذا، وبدأت أعزف ألحان الحب وسيمفونية الصبا الشجية وأنا أهرب من السآمة والملل، وهاجمتني الأفراح كقطرات الندى أو كشروق الشمس بعد سواد الليل، أو أضواء الشموع التي تتراقص علي عتبة معبد مهجور في مدينة لاتينية باذخة بنكهة سيجارها الفاخر وتشكيلات المافايا تجار المخدرات، واللمسات الفنية المبهرة للساحرة المستديرة..

أمامي وعلي يمين المقهى فتاة حالمة تشبه الموناليزا الخالدة برشية الفنان الإيطالي الكبير ليوناردو دافيتشي،!تطرب مع أمواج البحر وكأن للبحر طبول وأنغام تتكلم،! جسدها مكتنز باللحم والنضارة، وتشع عن عينيها لحن الغرام وسريان الحيوية وهي تقفز وتترنم وتصغى إلي هدير الطبيعة وصخب الأمواج، عينان مستطيلتان برئتان كمقل الطفل في مهده، وشخصية متسامحة كزهرة البرسيم، وأناقة نادرة وأنوثة متوثبة تنافس السنابل والأشجار جمالا وبهاء.

يفوح عن جسمها عبق البخور التي تهديها نسمات المحيط إلي جسمها الذهبي وبشرتها السمراء النقية، وتتبختر كغانية في حلتها أو كملكة في بلاطها الأميري، وتنثر لحن الحب علي القلوب المجدبة، وتتمايل فوق الرمال الحريرية وبين الكراسي البلاستيكية والبيوت العتيقة والأزقات الضيقة، والدروب المحيطة علي المحيط، وفي تمايلها تتولد النغمات، وتتراقص ضفائر شعرها الأسود الفاحم كألوان ساحرة زاهية على ظهرها المصقول وتحت خمارها الشفاف ووشاحها العبق.

نظرتُ إليها بعيون تحمل سهام التعلق وموسيقى العشاق ذات النغمات الموحية، فتدثرت بالحياء وتخمرت بغنج أنثوى ودلال قاتلين، صوتها وهي تهمس في أذن صاحبتها كان يصل في أذني نشازا ومتقطعا، ربما كانت غير راضية لنظراتي المركزة حول شفتيها العذبتين وفمها المغري بالتقبيل وأماكن حساسة من جسمها، بحتها القليلة وبعدها عني جعلا الصوت وكأنه همسات مسائية وتمتمات ملئية برسائل العشق وإشارات الهوى، أو هكذا أحببت وأنا ثمل بنشوة الهيام ومتسكع في محراب الحب.

الأحد، 20 يوليو 2014

لهيب الشوق

لهيب الشوق أضناني، وألم الحنين آلمني، وطيف الشجن هاجمني، وأنا متقلب فوق الفراش، فهجرت عن الكرى وعزفت الخلود في أحضان الدعة والراحة ونعومة الفراش ولذة النوم كملدوغ لم يجد الدواء ويتأوه ألما وأسى في القرى النائية الوادعة علي روابي النسيان والإهمال، أو كمريض علي سرير المشافي تنتابه نوبة من السعال القوى وحمى تطرد النوم عن أجفانه بعد منتصف الليل بدقائق.

تباريح العشق تسرى في داخلي كموجات طولية أو ذبذات داخلية، وأبث أنين الوحدة في ساعات الدجي وحيدا، وأذرف الدموع الغالية نحو التربة الحانية التي تستر رطوبتها قطرات الدموع المنهمرة من مآقي الجفون ومن عيون القلب، ومن ترعات التعلق والإعجاب المنتشرة في داخلي كإنتشار الجداول في المزارع المطلة علي ضفاف نهر شبيللي قرب بلدوين أو أفغوي العريقة.

أحلق فوق سماء السهر كنورس شقي في بحر الشمال أو جبال بلقان، أو كفينيق رومي مترع ببذخ الربيع وبسمة الخريف وجود الطبيعة، وألاعب أوهامي الهلامية وآمالي التي تموت غالبا في رحم الغيب دون أن ترى النور، وأضحك بهستيريا عجيبة كمجنون تائه في ظلمات الليل ويعاني من رطوبة الزنزانة في داخل المسحات العقلية، وأغفو علي أهداب الزمن السريع كعمرنا القصير الذي يجري كسرعة الضوء لا كمشية السلحفاة التي نريدها نحن المحبين للحياة وللخلود السرمدي!، وأستريح في الكراسي الخشبية المتناثرة علي رصيف المحطات وحافات المنافي وكانها منتجع سياحي أوحديقة عامة في وسط المدن الجميلة.

في هدأت السحر وعلي وقع الفراق وصدى تهاليل البعاد أعزف أنغام الدموع علي أطلال الذكريات الرقيقة كفراشات السواقي أو كهمسات المحبين في الهزيع الأخير من الليل، وأستأنس قصص العابرين في دروب المعاناة الطويلة، وممن ينشدون الأمل في واحات الحياة المترعة بالغدر والضنا، وفي كهوف المناجاة الندية وقعر الآجام المزركشة بالماضي الفخيم، وأتمعن ضروب الحكاوي الحزينة والنسائم الهامسة في طبلة أذني، والأصوات التي تأتي من سحيق الأسى ومن جبين البسطاء، ومن  سحيف الرحى الذي يطحن أحلام البسطاء وانصاف العراة ويرسل رزقهم إلي بطون اثرياء الحرب وأغنياء الصراعات والتشريد والإحتراب بطريقة دراماتيكية غريبة.

زرائب الطيور المهاجرة، وزقزقة العصافير الشجية، وشدو القمرية في الصباح الباكر، والأعشاب المرتعشة بلطف ولين كأنها خصلات شعرك العابثة علي جبينك المصقول في تلك الأمسية التي كنا نترنح طربا وعشقا، والندي الخفيف فوق المروج، وأريج الزهور الفواح في الحقول والبساتين الواقعة علي عين الجمال قرب مرابعنا، وعبق الورود الحمراء كشفق المغيب وأنت فوق هامة جبل مخروطي الشكل يطل علي خط الإستواء  من الناحية الشمالية في بلد أفريقي جميل بقدر ماهو متناقض ومكبّل بمآسي القتال وحبال الفقر وصراع الأديان ومشاكل العرق والإثنيات التي تريد كل واحد منها أن تسلب بقوة حقوق الآخرين وان تستأثر دون الغير السلطة والحكم والإقتصاد، أوكغانية غجرية شقراء تخدم في بلاط  الأمراء بأجر زهيد وعمل شاق تحت وطأة الفقر ولدغة العوز وتكشف أسرار وجهها الذي يفوق البدر ألقا وإشراقا للغريب العابر.

والضباب اللطيف الذي يغشى ملامح المدينة بعد يوم ماطر، وأثير الصباح المنعش الذي يبدد شحنات الغضب والنكد بعد الليالي الموحشة، ورقصات الأمواج علي شاطئ البحر الذي يرفع ذوئبتيه الباسم كقدك المليح، يذكرني بجمالكِ الأنثوي الطافح، وبشرتكِ السمراء الناعمة وتغنجكِ القاتل وعنادك الأنثوي التقليدي، ويثير كوامن الصبا في أوصالي، مما يفتح نوافذ الحزن وأبواب الشجن والجنون البرئ في داخل نفسي المولعة بضوئك الذي يأتي من وراء المرئيات ومن بين رماد الأزمنة وسديم الحب الهائم..!

الاثنين، 20 يناير 2014

صقيع نيروبي وصوت الشقراء

لم تكن تلك الليلة من ليالي الخرطوم المعبأة بالذكريات والشجن لتمر دون أن أتذكر رنات التوجع ووميض الأفراح التي مرت على لوحة حياتي. في تلك الليلة الطاؤوسية بدأ قلبي يعزف لحن الذكريات ويطرق ابوبا الماضي، لم أتفاجأ من هذياني وترحالي السريع نحو الماضي كسرعة الضوء في الفضاء لكوني جلستُ أمام المنافي وجها لوجه، وأوردني السهر في كل مورد.
كنت أعض شفتي خانقا وأتامل بغرابة ظلام العتمة وإضاءة الغرفة وسقفها العتيق، وفي لحظة نادرة من الصفاء العميق والتأمل السحيق وفي خضم إنهماكي في رفوف الأفكار وتناسق الخواطر، مرت الذكريات أمامي كزرائب الطيور ، فهالني بين ألبوم الذكريات صورة تحمل الحزن الإفريقي وشبح الحروب ولاتخلو من المظاهر التراجيدية للمشاعر المتبلدة.
بحر الذكريات أجبرتني أن أهرب إلى السكون، وفي هدوء الليالي المطبق يراودني خيال أن أرقص على مقربة من الأرصفة بأريحية محسودة. وفي خضم أمواج الواقع كدتُ أن أنسى الماضي  وأنحني رأسي أمام الواقع لقوته وعمقه، ولكن تذكرت تلك الليلة الربيعة في نيروبي المختبئة خلف أبوب خشبية من الذكريات الصدئة والأحداث المتلاحقة والتنقلات الإجبارية والإختيارية.
الصورة القاتمة لازمتني منذ ذلك التاريخ، ولم يمسح الزمن عن ذاكرتي في الحل والترحال، بل كل ومضة أوهمسة تقف أمامي وتصدح في أعماقي، ويرتفع معدل الشعور المتنافض كلما أتوغل أرخبيلها وأغني فوق رمالها بصوت خافت يصدر عن مزاج قابع على رماد الماضي.
كانت الصورة مزيجا من قبح الحروب وسلبية المشاعر والأحاسيس، وتعود لـعام 2008 للميلاد، ذاك العام الذي حمل لي كل تناقضات الحياة، الأفراح والأتراح وأنغمست فيه الملذات والمتاعب، وحملني جمال الحياة وسواد الحال والمنون التي إختطفت أعز الأشخاص إلىّ، كما حرمني أشياء كثيرة مثيرة ومتنوعة لا أنساهم، وأرتكبتُ برفقته بعض الحماقات المقيته وبعض التهورات السخيفة، وفي نهايته إبتسم لي الحظ أخيرا وحققتُ أغلى مطامحي في تلك الفترة، لتبقى تلك السنه الأكثر حضورا في سجل ذكرياتاتي الحافلة بكل ألوان الطيف وتقلبات الحياة.
إنهمرتْ السماء على نيروبي الحزينة وأبتْ أن تكتحل عينيها النعاس. قطرات المطر لا تكف عن المدرار، وصخب الطبيعة ورعدها الهادر إمتزج بلون الدم وصوت الملاهي، وضجة الرصاص، ورائحة البارود. وموسيقى الجاز، ونغمات الهيب هوب الصاخبة، والصوت الذي يولد من حناجر السمراوات وهن يغنين من أطربتهن أناشيد الحب والحياة.
بدأ المطر يهطل وكأنه يغسل الدماء من تربة نيروبي الودودة، وكستْ الطبيعة لونها على صفحات الكون، وأنوار المدينة تومض ولهى في وسط العمارات والمباني الحكومية والمتاحف التاريخية، وبدت المباني رغم جمالها أكواما من رماد وآهات من الألم!، وأصبحت الحدائق المنتشرة في نيروبي مجرد أعشاب تهزها الأعاصير أوأغصان أشجار أصابتها رعشة في زمن المغيب.
بعد الإنتخابات الرئاسية والبرلمانية وما شابها من غموض وتزوير على أعلى المستويات لم ترضي النتيجة أطراف الصراع الإنتخابي الذي سرعان ما تحول من الإقتراع إلى الإحتراب، ومن تنافس شريف إلى تناحر بغيض ومن صناديق الإقتراع إلى بنادق الإقتتال!، وفقدت المدينة بريقها وزخمها المعروف، ولعلعت الرصاص في الأزقات والشوارع وعاش الناس في هلع وفي هرج ومرج، الناس حائرون، والصوص منتشرون، والدولة نائمة، وبائعي الكرامة ينتظرون القريب قبل الغريب على الرصيف، والشرطي يتسابق مع العصابات والمجرمين ويدخل معهم حرب كر وفر في شوارع نيروبي الرئيسة وفي أزقاتها الجانبية.
الأبراج العاجية والمباني الشاهقة وثورة الطبيعة تتحول في زمن الخوف إلى أشباح تتلاعب في الضباب، وكائنات فضائية تصب لعنتها على الإنسان الذي أبدع في البناء والتشييد وأخفق في السلام والمحافظة على المكتسبات الحضارية والروحية والتاريخية، وأفني نفسه وأهدر ماله في مواجهات عبثية دامية لا ناقة له ولاجمل.
أحلام تصرخ ومستقبل قاتم وحرب الشوارع ومواجهات دامية، موت جماعي هنا ومجزرة هناك، قتال بين الشعوب واحتراب داخلي رهيب، ونهب لممتلكات الدولة، وسطو مسلح لثروة الأمة وتأريخها، وموجة عنف رهيبة تؤدي إلى التشرد والضياع والتشرذم والهلاك، وزهق لأرواح الكادحين والبسطاء في كل البقاع.
بعد رحلة رائعة من غاريسا حاضرة الإقليم الصومالي في كينيا وكان الخيال الفنتازي يملأ أركان قلبي ويمني نفسي وصول البيت قبل ظلام العتمة، كان جبين نيروبي باهتا ممزوجا بالضجر والألم ! الناس مسرعون بإتجاهات مختلفة وبحاجب معقود!، والحياة ملطخة بالدموع واللون القاني والأماني والتضرع، الحركة تجري بتروي شديد يشوبها الحذر، كل شيء يخبرك التغير الذي طرأ على حياة الناس والمدينة.
في ذلك المساء الشاحب لم تكن المدينة كما تعهدنا جميلة وكما تغني لها الشعراء والأدباء قريبة إلى الجنة، بل كانت خابئة المنارات كدروب كريهة، الدم يفور من كل بقعة من جسدها، القتلى  أكثر من ألف شخص خلال أقل من شهر والجرحى لايعد ولا يحصى، مما كون الإحباط وفقدان الأمل في النفوس، وهدم جسر التواصل بين أبناء المجتمع الواحد.
النواقيس والأجراس تدق الخطر الداهم في كل لحظة ، لم أفكر سوي إيجاد مواصلات آمنة تقلني من إيتسلي  إلى وسط المدينة لأركب مرة أخري من الوسط التجاري إلى حي سوث سي (South C) الذي أسكنه، ولكن ندرة المواصلات تجبرني أن أقف في المحطة أكثر من ساعة كان الخوف والترقب سيّدا الموقف، وأخيرا أدركت باصا مكتظا بالركاب والخوف، لم يكن عندي ترف الخيار ولا فسحة الإنتظار فقزت عليه كغزالة رشيقة أو كظبية أليفة في وادى فَافَن الموغل في سحيق التاريخ، وبعد خمسة وعشرون دقيقة من الخوف نزلت عن الباص على رصيف هيلاسيلاسي إيفنيو" أو شارع هيلاسيلاسي" المكتظ بالمارة والسيارات والباعة المتجولين وأطفال الشوارع والمتشردين.
كانت الصورة هذه المرة أبلغ من ألف كلمة ومليون حكاية !.... رمال السياسة المتحرمة أثرت كل شيء!، الحياة معدومة ورائحة البارود تزكم الأنوف والشرطة أرهقتها المطاردات، أما الشعب أصبح ضحية لمزايدات سياسية، وهلوسات فكرية، وأجندات جهنمية خططتها أنامل الحقد والحسد عن غرة، ودفن الجميع روؤسهم في تراب التجاهل والإستخفاف بمصائر الشعوب، السياسيون غمرتهم شهوة الكراسي، والحكومة تدور في المربعات العبثية، والمعارضة لا تقدم سوى إراقة الدماء ولا شيء يبدد الأسى وينهى القتال يبدوا في الأفق! إلهي ماهذا الجنون؟ وماذا أصاب كينيا جنة القرن الإفريقي والحديقة الجميلة في وسط الحقول الملتهبة؟.
ت

الثلاثاء، 24 سبتمبر 2013

الحب الممنوع (5)

سر وراء عرض القضية لعمي بهذا السرعة كانت إرادتي القوية بأن أستريح من تراكم الهموم وتكالب الغموم، ولم يغب في بالي ولوبلحظة صعوبة المهمة وتشابكها وخطورة الموقف وتعقيداته المختلفة، وأن أي لحظة تأخر بالتأكيد ليست لصالحي، إلي جانب أني أعتبرت الحب أمرا في غاية الأهمية وقرارا مصيريا، والسلّم الأولي لمستقبل باسم جميل كالحديقة ومرهف كتغريد الطيور وهمسات الزهور، إذن فمن الواضح أن أمرا كهذا يتطلب التشاور والتروّى وتعميق النظر والإستعداد التام لكل الإحتمالات الممكنة، أكثر مما يتطلب الشجاعة والجرأة والقرارات الغير الرشيدة وارتكاب حماقات غير مضمونة العواقب ما دام مستقبلك مرهون به.

الحب الممنوع (4)

....وحينما وصل التذمر مداه وفي لحظة يأس وإحباط تسآلتْ هل قلبه جامد إلي هذه الدرجة؟ أم الحب مرض يصيب الضعفاء أمثالي؟! أم إن الإنخراط في سلك المحبين ونادي العشاق يتطلب كاريزما خاصا يفتقده فارسي الذي أضعته في حدقات عيوني؟ أم في وجدانه ضمير يؤنبه كلما خطي نحو الحب خطوة مما جعل يقدّم رجل ويؤخر أخري! أم أقنع نفسه أنه حينما تكتمل إستعداداتك وأردت ظفر نصف دينك فابحث الصالحة الولودة الودودة وتزوج علي ضوء وهدى "لدينها" أما الحب ولوعاته وخلجات العاشقين فهذا مما لا أطيق عليه والحب الحقيقي الطاهر والعفيف إنقرض من دنيانا الدنئية! أوهكذا إعتقد في خضم تشاؤمه، أم تركَ الحب وزهد العشق بعدما فقد الحبُ بريقه وعذريته وأصابته وعكة صحية وتشوّهات خلقية؟ لا أدري!... ولكن من الواضح أن بلادة الضمير وبرودة الأعصاب والمقاومة العجيبة لهذا الحب النادر ورائه سر دفين وقصة عجيبة ما زالت تعاني من الإكبات والكتمان.

الحب الممنوع (3)

واجهت طوفانا من أقضية الزمان والتهبت العواطف واراتفعت معدلات الشوق يزيده العجز إشتعالا!! كان تفكيري موجّها بطبيعة الحب الذي بإمكانه أن يجمعنا وطبيعة الحياة التي تنتظرنا وتجمعنا تحت سقف واحد! وبسبب المنطق والعقل كنت خائفا من المجهول واعيا الهوة الكبيرة بيننا، وأفسد متعة الحب وبريقه اللامع تصوراتي السلبية ومبالغتي الكبيرة برد فعل أسرتها بمجرد أن يتناهي الي أسماعهم ذاك الحب المجنون الذي أخطأ طريقه وضل عن جادته، وربما يعتبرونه تملقات فقير يتسلق سلالم الحب باعتباره أقرب طرق للشهرة وجمع الثروة أو هذيان مجنون أو هرطقات ساذج يبحث الماء المستحيل في سراب صحراء العتمور!.

الحب الممنوع (2)

صدفة اللقاء:
وبعد مراجعات وفكر ثاقب وحرب شعواء بين عقلها وقلبها إنتصرت العاطفة علي العقل، والإرادة والحب علي الحياء الأنثوى العفوى، وفي لحظة نادرة من الصفاء العميق والشجاعة الكاملة لبست مريم بخمار وردي لفّته حول وجهها فبرز كالبدر في محتلك الظلام! وجمعتْ ما أوتي لها من قوة ويممتْ وجهها شطري تحثّ الخطا لتبوح ما تكنّ لي في صدرها البرئ الطاهر لأشاطر لها الحرقة والعشق أو لننعم معا في كنف الحب ودفء الوصال، ذهبت مريم إلي حديقة "روضة العاشقين" وهي حديقة غناء يرتادها المحبون وتشتهر بتنوع ورودها وكثرة زهورها وبرودة أجوائها المفعمة بالرومانسية، وكثيرا ما أقصد إليها لوحدى وأترك أشجاني بين بساتينها التي أشم رائحتها الزكية، وأبثّ شكواي في جنباتها الفسيح، وأنثر آهاتى في براعم زهورها التي تنظر إليّ بعفوية الطبيعة وبرآة الورود الرائعة.
وبصدفة محضة وعجيبة بعيدا عن الرسميات المملّة واللقآءت المرتبة المصطنعة قابلتْ مريم فارس أحلامها ومنتهي شوقها، شغرتُ فاهي دهشة وعجبا لرؤيتها في هذا المكان بالذات ومددتُ يدي مرحّبا بقدومها ونظرتُ إليها فإذا أنا أمام صورة للعظمة الإنسانية والأنوثة التي تذيب الرجل، ورجعت البصر فرأيت ملامح نسوية جميلة ومظاهر عزيمة تتحطم دونها آمال الرجال.
جلسنا زاوية بعيدة تحت ظل شجرة منصوبة القامة، وارفة الظلال، مغطاة بورود ذات رائحة جميلة، أوراقها تحابا وامتزجا وأغصانها تعانقا واتحدا ورسما لوحة رائعة من الحب والوفاء، تجاذبنا أطراف الحديث وما أجمل حديث العاشقين وهمسات المحبين!، والحديث يرنو ويلذ كلما تطرقنا عن الحب وتعمقنا في تفاصيله وولجنا معا باب العشق والغرام.
وكلما نظرت إليها أتذكر قول خليل مطران:
الحب روح أنت معنــــــاه *** والحُسنُ لفظٌ أنتَ مبنــاهُ
تمَّتْ برؤيتك المنى فحكت *** حلماً تمتعنا برؤيـــــــاهُ
يا طيب عيني حين آنسهـا *** يا سعد قلبي حين ناجاهُ .

الحب الممنوع (1)

إلتقينا كإلتقاء النيلين في الخرطوم وفي حفلة عائلية تتسم بالهدوء والرّتابة الشديدين ذهبتُ إليها دون تخطيط وبعد إلحاح من أحد أعز أصدقائي الذي ظل السلوي والملاذ خلال السنوات الغربة القاتلة، قصدنا ناحية بيت نائي يقع في الضاحية الشرقية من المدينة ضمن الحي المعروف بحي الأثرياء الذي يقطنه الأغنياء أصحاب المليارات، وتدركك الأجواء المحيطة بك من الفخامة والأبراج العاجية والأشجار المنظمة والهدوء المطبق الذي لا نسمع فيه إلا زقزقة العصافير وخرير المياه مدى الفرق بينهم وبين الطبقات الكادحة المنتشرة في عشوائيات المدن الكبيرة والأكواخ المتناثرة في الأحياء الفقيرة.
وبعد رحلة إستقرت بنصف ساعة تقريبا وصلنا إلي البيت ومن المفارقة العجيبة أنه لم يكن ذاك البيت الذي كنت أتصوره في مخيلتي بمثل هذه الأحياء الراقية التي لم أزرها في حياتي بل كنت أسمع عنها حكايات غريبة وأحاديث شيّقة ومثيرة تجذب النفوس وكأنها المدينة الفاضلة التي تحدّث عنها الفيلسوف الإغريقي أفلاطون بكتابه، ذاك التأليف الفلسفي الذي لا وجود له في أرض الواقع بل يجسد أمنيات فيلسوف وحياة مثالية للعباقرة ومدينة يعيشها الإنسان أروع الحياة وأزهي المعيشة ويحكمها الفيلسوف بقوانينه المنطقية.

الحب والمطر

المطر نعمة كبيرة من نعم المولي بل هو من أجلّ نعم الله علي الخلق لأنه يشكل عصبة الحياة وغيمة تروي الظمأ وتسقى الأرض العطشى، وله دور مهم في إستمرار الحياة وبقاء الكون وبه تدور الحياة، ويعني للإنسان الكثير يعني له الحياة والبقاء والنضارة والطبيعة الخلابة والإخضرار الدائم، وقد نظر البشر إلي السماء وابتهل إلي الخالق وترقب كثيرا عوامل خلق المطر من السحاب والبرق والرعد والرياح التي تسبق الهطول لكون المطر يحمل إليهم خيرات عامرة ونعم زاخرة تحيي الارض بعد موتها ،وكذالك الحب الحقيقي فهو ينبوع من الود الصافي وظل ظليل يمد البشرية الصفاء والود والإخلاص وبات من أكثر الأشياء إنتشارا وأهمية في الكون لأنه دواء عن أمراض العصر ويحيي القلب ويبعد المحبين لوعة الفراق والتستر بالأقنعة المزيفة والحقد ووراء ضباب الدموع في موسم الجفاف العاطفي.
والحب والمطرشبيهان في التكوين والتأثير ففي المطر يتلبد الجو ويتكاثف السحب ويبرد الكون وينزل المطر وتبكي السماء حانية علي الأرض ويتغير القحط إلي نضرة والبؤس إلي سراء لا تنتهي، ويتحول الشقاء إلي حبور ومسرات وزغاريد، ومع المطر تصدح أغاني الحب من سحيق زخات المطر ويتحول زوابع الرعد مع الحب وجمال الروح إلي عاطفة جميلة ويلبس القلب أزهي حلله وترتفع معدلات السرور في أوساط الجسد ومعه يكتسح الحب أضداده من الحقد والحسد والتبلد ويوجه منغصات الحياة ومكدرات المعيشة ضربة قاضية ترسلهم إلي سكوت سرمدي.
ومع المطر يصبح الحب شابا غضا طريا وتذهب تجاعيد الزمان التي علت جبينه وتنمو أزاهير العشق مع خرير الماء التي تنساب برفق فوق كثبان الرمال الحريرية ويكون حلوا رشيقا وعذبا سائغا وخلوبا رائعا كمياه الأمطار المجتمعة داخل الغدير الصافي،وتتمايل القلوب طربا بشذاه وتتراقص الأجساد حبا لمجئيه وتبتسم الطبيعة عرفانا لفضائله، ويتغير الجميع ولا تفارق البسمة في الوجوه، وتكون لمسات الأيادي ناعمة كحرير الماس في مكاكنها الأصلية، وتكون للهمسات معاني أدق ومفهوم أجمل ونطاق أوسع،وللكلام المنمق قشعريرة مميزة وتأثير فعال وتنهمر العواطف مع السماء ويكون جو الحب صافيا كصفاء الطبيعة بعد إنقشاع سحب المطر ويكون مسرح القلب نظيفا كنظافة الأرض بعد سيول الربيع ،وينعش الحب ويحيا من جديد كذرات التراب الرمادية التي إنتعشت بقطرات المطر ورطوبة الندي.

كان البشر عاشقا للحب والمطر والجمال منذ أن أسكن في الكون الفسيح وبدأ يتأمل الطبيعة والضباب الكثيف والسحب البيضاء المتناثرة في صفحة السماء والمزن الداكنة التي تبدو في الأفق، وخاف عن صوت الرعد الهادر وأثار فضوله البرق والأصوات المزعجة والمميز المصاحبة للرعد والبرق والمطر وأثار الرهبة في نفسه تغير الجو والبرد القارص ةالفيضانات والكوارث التي قد ترافق المطر، ولكن بعد نزول المطر والماء الزلال يصبح المطر كالحب مصدرا للسعادة تستحق الإشادة والأبيات الشعرية والفصول النثرية ومعلما مهما إستحوذ إهتمام البشر كالجغرافيا والتضاريس وتغير الطقس والمناخ والمعالم والأحداث الكونية وكالغواني ذات الضفائر الجميلة في الأيام الموسومية بالحب والحياة.

حورية الشاطئ


كنت في شاطئ بديع مسترخيا عند زورق يتراقص على مياه ضحلة تعانق أشجار النخيل. ذاك المساء كان مزاجي عاليا وكنت متأملا بجمالية المكان وشاعرية الموقف وبُعد الأفق الذي يتداخل بالتأني مع زرقة المياه عند منتهى البصر. على مشارف لحظة نادرة من الصفاء أطّلّت عليّ نجمة تدثرت بالجمال وتخمّرت بالبهجة! تحركتْ نحوي بإثارة مفتعلة وخطى ثابتة ترسم أصابعها على رمال الشاطئ لوحة بانورامية رائعة يجملها رزانة عجيبة ومشية "لاريث فيها ولاعجل".
جلستْ بهدوء فوق كرسي خشبي مبلّل برذاذ الماء المتناثر على الهواء لحظة تحطم الأمواج على صخور داكنة يطلق عليها الجيولوجيون "صخور متحولة" لا أعرف كيف تحولت ومتى تحولت ولم تحولت ولكن للعلم آراء عجيبة وتحولات لانعرف كنهها؟. وقفت بطولها الفارع وسط عارضات قصيرات القامة يتبخترن على وقع أغاني غربية صاخبة، المكياج الصارخ والخروج عن المألوف أضفيا على ملامحهن الأسيوية هالة من الأسى وطمس على سحنتهن البارزة.
ذهبتْ بتغن واضح نحو الشمال الجغرافي حيث الرمال الذهبية ومقاهي صينية تقدم وجبات أسيوية مقززة ضفادع مشوية، وعناكب مجففة، وأدمغة القردة، وطبق جراد مقلي، وطيور غريبة وسلاحف تتحرك، وتماسيح صغيرة! الأحاديث والقبلات الساخنة لايتوقفان في ردهات المقاهي وعلى كنف طبيعة تمنح للسياح معزوفة تطرب لها الخيال لجمالها ورونقها وتناسقها.
كان الطقس بارداً فهطل المطر بغزارة مخيفة ورغم برودة الأجواء وبكاء السماء وقفت تستمتع وتغني وتتمايل وتبرز مفاتنها وتضاريس جسمها المتناسق. وعلي صفح الجبال الرملية الممتدة على طول الساحل كشفتْ وجهها ورقبتها عن الخمار؛ فبدا وكأنه البدر في ليلة حالكة الظلام وحركات خصلات شعرها الفاحم أضفى على الموقف جمالا ينبعث من ثغر حورية الجنان.
نظرتُ إليها برومانسية موغلة في البدائية وكأني أرعى إبلي على أعالي بلادي ولست سائحا في منتجع مشهور يرتاده المحبون وعشاق الطبيعة، وممن تجولوا في العالم واستجمموا بسواحل المتعة. وبعد معركة رهيبة في داخلي عزمتُ أن أوجّه إليها التحية كمناورة استراتيجية تلطف الأجواء المشحونة بالترقب والانبهار. ألقيت مرسال كلماتي نحو درب وعر وملامح آسرة غطتهه كبرياء أنثى ساحرة! لم تلتفتْ إليّ ولم تأبه لفضولي بل عزفتْ على وتر اللامبالاة المدويّ وتوغلت في نظرتها المركزة للأفق وكأنها تقرأ تفاصيل الطبيعة أو مصابة بجفاف العاطفة.
حاولت عبثا أن أتقرب إليها وأتواصل معها عاطفيا لكنها واجهت توسلاتي الروحية وإيحآتي الرومانسية بمزيد من البرودة المحيّرة! ليت الأمر توقف عند ذلك بل أخذت انطباعا سئيا وفسرتْ هذه الجرأة حبا للاستطلاع وفضولا ساذجا لصعلوك يتودد إلى قلوب الغواني بكل الطرق، وربما قالت في نفسها هي مجرد حركات صبيانية ونزوة تقوده إلى سندريلا الزمان ومن تغار عليها الظباء ويخفي القمر طلعته استحسانا لجمالها.
وبعد إلحاح مثير من لغة الجسد استقبلتني بنصف ابتسامة باهتة بلا عنوان أظهرت ثغرها وكأنه "شمس تجلّت من غمام"!، جمعتُ قوتي ولملمتُ أطراف مشاعري وأرسلتُ إليها زفيرا ساخنا وجملا متقطعة ماكرة تلبي الحاجة وتفي المقصود ويلفها ضباب الخوف من المآل، دارتْ وجهها الصبوحي 90 درجة بسبب حياء أنثى تقليدي وطغى على تعابيرها أناقة الرضى التي مهدت حوارا باهتا لم يدم طويلا بل أجهضه الزمن كعادته.
غادرتُ الشاطئ وأنا أجر جنين الهوى وخيبة الفراق بعد أن فرق النوى بيننا، وفي سحيق الجوى تذكرت أبيات لأبي حزم، وتمتمت بها وأنا أودع لؤلؤة الشاطئ، ولا أدري هل يجمعنا الزمن مرة أخرى أم هكذا يطبع البين صورته على حياتنا ويفرق شمل المحبين؟ وهل تمر حياتي وتجمّل أناقتها على مسيرتي ولو كعابر سبيل؟!
كيف أذم النوى وأظلمها *** وكل أخلاق من أحب نوى
قد كان يكفي هوى أضيق به *** فكيف إذا حل بي نوى وهوى
استغربتُ ضعف قلبي وسرعة عاطفتي وقصر الزمن، ولكن لا غرو فأيام الربيع أقصر فصول السنة وأروعها. و للمشاعر سلطان على القلوب، وبعض الحب يبدأ من أول نظرة، ولوعته ولمساته الحانية على بساط الطبيعة العذراء يصعب مقاومتهما.
كما كنت بعيدا عن وطني كنت بعيدا عن كنف الوصال وهمسة الحبيبة في هدأت السحر فشكلت الإبتسامة والموافقة الوجدانية إنجازا يكتب بماء الذهب في ذاك المساء الصعب. رجعت بخفي حنين ينتابني الشوق وتلهيني تلك الابتسامة العذبة. ولكن كما جمعتنا نظرة عابرة كانت ستتطور أن لم يجهضها الزمن إلى رحلة وجدانية عامرة قد تجمعنا الأيام على ربوع وطن يمتد بامتداد الإبل والسمرة والمحيط.
أرخي الليل سدوله وسلمت جفوني إلى الكرى؛ فطاردني طيفها وهاجمتني إلف المحبة بلا حبيبة تشاركني لوعة الوصال، وبت ليلتي أناجي طيف غائبة لا أعلم هل أتلذذ بهمس حروفها ونشوة كلماتها وعبق أريجها الفواح؟ أم خلق لغيري ليعيش مسرات لا تنتهي وحبورا لا ينقطع؟ توجهت إلى غرفتي تحت قبة ليل مظلم عاطفيا! كنت منهمكا لتنظيم تراكم الحب في رفوف الذاكرة؛ لأجعل حبي الجديد ملئيا بالشجن.
تمر الأيام والليالي وبعض الذكريات تكون عالقة بين طيات الذكريات وحافة القلوب. الذكريات الصادحة من بعيد وفي غرفة حالكة الظلام جعلتني لا أنام ليلاً، بل أغرد وحدي على سراب الغربة كطائر عنيد يغنى لرفيقته على ضفاف عين مدينة بيدوا فتثير شجني وتعذبني في المنافي التي لاتمنحنا سوى الدهشة وتجاعيد تطبع على سمرتنا القمحية بصمات الأعوام.
زرائب الذكريات تؤثر على الأعصاب والمشاعر كفنجان قهوة ترتشفه على مهل في عمق جكجكا ورقصة الطانتو وأغانيها تنساب من بين الأزقات المعبقة بالنضال ودولة القوافي، وتغيّر المزاج كمفارش القات في هرر حيث تستقبلك الجميع بابتسامة حضارية تتوسد مآثر الماضي وملاحم الأبطال وقصور السلاطين وأغاني شجية ذات أوتار خماسية تذكرك كيف يقفز الحب عوائق الطبيعية والحياة، وكيف يتلذذون بصوت العندليب موغي وهو يعزف عوده الطري ويردد مناجاته الشجية مع الحبيبة ويعاتب الجغرافيا ويتذمر عن الأميال والفراسخ والطبيعية الممتدة في جو رومانسي حالم. 
Baal goray Haldhaa iyo Biyoo Dahab lamoodyeey
Buuraha dhaxdeeniyo Badda yaa intuu dhuroo
Bari laga gudbaayiyo Ban cidl’,ah kawada dhiga.
كم أنا مولع بالمقاهي التي تقدم تلك الأغاني كطريقة خاصة للاستقبال والاعتذار معا.

Gorfeynta buugga "Geylame"

  Buugga “Geylame” ee uu qoray Xassan Maxamuud Qorane, waxa uu nuqul ka mid ah gacatayda soo galay Habeenkii la soo bandhigayey oo ku beegna...