‏إظهار الرسائل ذات التسميات العلم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العلم. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 3 أغسطس 2022

الحرب .. والبحث عن الذات (٢)



في منتصف سبتمبر وفي أجواء يسودها الترقب واللايقين عاشها الصوماليون بعد سيطرة المحاكم الإسلامية على العاصمة سافرت برّاً نحو الشرق البعيد. كانت الطرق التي يعتبر «أساس الحضارة» منهارة ومليئة بحفر ومطبات ومليشيات مسلّحة وقطاع الطرق. في هدوء الصباح توغلنا في قرى محاذية لنهر شبيللي حتى وصلنا في قرّ الظهيرة إلى مدينة بولو بوردي الوادعة على ضفاف نهر يعتبر الشريان الرئيس للصوماليين زراعياً.


على مشارف غراتسياني وفي أحضان جبال هيران كانت شمس أيلول تحرق الأرض وتجعل السيارة اليابانية قطعة من حديد ساخن. ورغم الخوف ووعورة الطريق إلا أن الأيام الثلاثة التي قضيتها في السفر بين مقديشو وبوصاصو تنعمت بلحظات هانئة وأصابني فرح طفولي وأنا أجوب وهاد الأغاني وآفاق الشعر مع شاب يقرأ الأدب الصومالي بحماسة مفرطة ويهيم في أودية القصائد الكلاسيكية والسلاسل الشعرية الهجائية مثل غُوبا وهَامِي ورَيَّدْ وديلّي (القصيدة الدالية) وغيرهم من عيون الشعر الصومالي.

وصلنا إلى مدينة غالكعيو التي كانت مقسّمة – على أساس القبيلة - إلى شمال وجنوب - كان الجنوب عالقاً على هامش المدينة في حين كان الشمال نابضا بالحياة والعمران وإن كانت بقايا الحروب وندبات الصراعات بادية على ملامحه! استغربت، كيف يمكن لمدينة واحدة أن تكون مختلفة إلى هذا الحدّ؟ كنت أتضور جوعاً فذهبت مع الشاعر العبقري إلى مطعم لا يبعد كثيراً عن سوق الخضار والفواكه. بخلاف التوقعات كان المطعم الذي أكلنا فيه أرزا سيئا بالمقاييس الصومالية مليئا بالزبائن ويعج بأطعمة محلية مختلفة، وفي زاوية بعيدة منه كان الجميع يصغي باهتمام حكاية مسنّ كان يحمل وجها فيما مضى وقبل أن تعبث عليه عاديات الزمن جميلاً ويتحدث عن وصول طلائع قوات المحاكم الإسلامية إلى كسمايو. كان يقول بصوت مرتفع: " لقد سيطر جناح رأس كامبوني على مدينة كسمايو وهرب زعيم الحرب برّي هيرالي إلى الأدغال ومن ثمّ إلى إقليم غدو ومنها إلى أوغادين المحتلّة". لم يتأخر الخبر كثيراً بل سرعان ما انتشر في وسائل الإعلام المحليّة والعالمية، وبعد دقائق قرأته في الشريط الإخباري (السبتايتل) لقناة الجزيرة التي كانت مصدرا مهما من مصادر الخبر في عموم الصومال قبل أن تظهر القنوات المحلية والمواقع الإلكترونية، والشبكات الاجتماعية. كنت سعيداً بسيطرة المحاكم على إقليم جوبا السفلى وانتهاء ليالي زعماء الحرب وحزينا بالرحلة الطويلة التي كانت تنتظرني.

أخيرا وبعد رحلة طويلة قطعت خلالها مئات الأميال وصلت إلى بوصاصو في يوم قائظ أجبرني الحرّ على احتماء كش صغير لا يقي لهيب الشمس. كان الجوّ يفيض ظمأ وجسدي يحتاج إلى تبريد.. ترى هل سأصمد أم سأسقط مغشيا عليّ من شدة الحرّ؟ ومن العجائب أنني كنت في العشرين من عمري وقارئاً جيداً ملمّا بالجغرافيا ورغم ذلك لم أكن أعرف مناخ وطني وطقس مدنه المطلّة على بحر العرب وخليج عدن والبحر الأحمر! فور وصولي بدأت بجمع الأخبار والاستعداد إلى اليمن، وقبل شروع الرحلة، اتصلت بأمي للوداع ولكنها رفضت فكرة الذهاب إلى اليمن ولابد أن موجات الهاربين من الصومال إلى الجزيرة العربية والسفن الغارقة في عرض البحار وقصص الذين ابتلعتهم المحيطات ترك في نفسها كثيراً من المخاوف. 

لم أكن أملك حق الرفض ولا إبداء رأي مغاير لأم عصامية تعبت من أجل تربية ستة أيتام لا يملكون المال ولا الجاه فتنازلت عن حلمي مؤقتاً ولم أجد بدّاً من أن أعيش في بندر قاسم وأن أبحث عن فرصة عمل. لم تطل فترة الانتظار بل وجدت وظيفة أجني منها دخلا شهريا مغريا بمقاييس ذاك الزمن وفي بلد مثل الصومال إضافة إلى عمري والظروف المحيطة بي، وأصبحت معلماً لأطفال مشاغبين وثرثارين مقارنة بأطفال الجنوب ومراهقين جريئين.

في بندر قاسم كنت سعيدا في اكتشاف الحياة والاستقلال المادي، وعشت فيها أياماً لا أنساها أبداً ذلك أنها كانت المدينة الأولى التي أتاحت لي أن أعيل نفسي دون أن أعتمد على أحد. ورغم ذلك كنت بعيداً عن ذكرياتي ومللت من روتينية الحياة وعانقت ألواناً من الوحدة وأصبحت المدينة صعبة الاحتمال على مرّ الأيام وعدت إلى كسمايو بعد أن فاض بي الحنين. لقد خرجت من بندر قاسم بروح صلبة وشخصية مختلفة واختفت - وربما إلى الأبد - الجدّية في التعليم ونظر الحياة بمنظور واحد؛ منظور التميز العلمي والتفوق الأكاديمي والاستمتاع باحتلال اسمي في صدارة الجدول، إلى حياة أرحب ونظرة أشمل، ثم ذهبت إلى السودان وإلى جامعة افريقيا العالمية وخضتُ غمار المنافي وأمواج المعرفة. وتلك قصة أخرى.

الجمعة، 4 أكتوبر 2019

إنهم لا يعرفون كيف يضحكون !



في الطابق الرابع والعشرون وفي نافذة مطلة على شارع يرتاده الهاربون من ملل الحياة ومن قرّ الخريف الماطر تبدو المدينة وكأنها سجادة زاهية مبسطة على مساحة شاسعة من النور والغموض، نوافذ مضيئة وأخرى معتمة وسيارات تنساب كأنهار أفريقيا قوة وتتابعا، وعمال يحملون ملامح مجهدة وغارقة بتفاصيل الأيام، وأبراج سامقة تعلوها أنوار باهرة كالقناديل.

أراقب نبض المدينة ولا أعرف ما يجري في داخلها. حيوية البشر وكفاحهم ضد الفناء، الاستجابة المفرطة لنداء الطبيعة، أنقياء يعبدون الخالق في زاويا معتمة، وحشاشون يستمتعون بنشوة الجرعات، ومراهقون يضاجعون أيديهم ويمارسون الجنس الذاتي، وسرّاق يتحسسون وسط حقول ملغمة ويسيرون على أصابع القدمين خوفا من صحوة متأخرة لعجوز انتابته نوبة سعال في الهزيع الأخير من الليل، ومرضى نفسيون تقتلهم الكآبة في الغرفات. إنها مساحة مثالية وخالية نستطيع أن نسقط عليها ما نشاء من التصورات والإيحاءات. من بعيد تشبه المدن النفوس البشرية التي لا نعرف كنهها وما يعتريها من الألم والسعادة والأمراض في عالم ربع سكانه يعانون من الأمراض النفسية.

مدينة لا تبلى ولا تشيخ ولا تنقضي زحمتها. باردة الإشراق كما عهدنا، دافئة الابتسامة في كل حين، لها ملامح أمومة ورائحة أبوة وتعج بصخب المجون والملاهي، ويرتفع فيها نداء الإسلام ليذكرنا بالمآل كلما جرفتنا الأمواج بعيدا نحو هاوية الملذات، وفيها ملايين من البشر تدفقوا من الفجاج فمنهم من وجد ضالته، ومنهم من أغرقته الحياة، ومنهم من يحاول الوصول دون أن يملك مقومات الصمود، ومنهم المغرد على قمة النجاح. إنها الدنيا وتلك شجونها. مصممة بطريقة بعيدة عن تمنياتنا وتريد منا الكفاح لتحقيق مطالبنا، ومن أجل تجاوز مطباتها نحن بحاجة إلى التفكير والتأمل حول المستقبل والفرص المتاحة والعقبات التي تحيط بنا.

كانت وحدة الليل تضنيني في مدينة أبعدتني ممن قابلتهم في طرقات الحياة، وبما أن الفن السابع يعطينا مساحة من الألفة كنت ضيفا على سينما يرتادها عشاق الأفلام، ولحسن الحظ كان الفيلم المعروض "Knock Knock" من بطولة ممثل أحببته منذ أن شاهدت سلسلة أفلامه الشهيرة المصفوفة (The Matrix) التي يعتبرها النقاد من أنجح الأفلام في تاريخ هوليوود، الفيلم الذي كسر حاجز المألوف وأثار جدلا دينيا وفكريا وفلسفيا واجتماعيا ووطد أركان الخيال العلمي جعل كيانو ريفز (Keanu Reeves) ممثلي المفضل إلى جانب مايكل جاي وايت، وفاندام، ودي كابريو. ورغم المشاهد الجنسية والبذاءة إلا أنه نال إعجابي وأثار بعض التساؤلات والمخاوف، ولمس وتراً حساسا بعد أن بات الموضوع أبرز المنغصات الموجودة في الحياة الزوجية، وحديث الساعة في كثير من الأحيان.

يتناول الفيلم وبطريقة دراماتيكية تحيطها الإثارة ولا تخلو من الرعب ومفاجأة الحياة التي غالبا ما تكشر عن أنيابها، ضعف الرجال - مهما كانوا وفي مختلف أعمارهم وأوضاعهم وأفكارهم ومناصبهم وأيديولوجياتهم - أمام النساء، والرغبة الجامحة في نفوسهم لإشباع غريزتهم الجنسية، وقليل من يقاوم أمام سلاح المرأة الفتاك، فما بالك بجسدها وتضاريسها وهي عارية وتتفنن في الإغواء وإثارة الشهوة والتعذيب في ليل أمريكي مبلل بالغرابة والعواصف.

لقد مثلت الفنانة الكوبية أنا دي أرماس (Ana de Armas) وكذلك التشيلية لورينزا آيزو (Lorenza Izzo) أدوارهن بتميز شديد يضعن في مصاف النجمات. الأداء المثالي للفتيات إضافة إلى كيانو أضفى على الفيلم مسحة من الجمال والواقعية، وكشف الأفكار الفوضوية والهوس الجنسي وهتك الخصوصيات المنتشر في أوساط "الأجيال الرقمية".

ورغم أن الفيلم يفتقد إلى اللمسة المبتكرة ويعاني من التكرار وروتينية الحبكة والنهاية المفتقدة لهزة فنية مدهشة - مما انعكس على تقييم النقاد للفيلم وإيراداته المالية نظرا لسقف التوقعات – إلا أننا أمام عمل يتناول مشكلة حقيقية اتسعت دائرتها في عصر المغريات و"مواقع التواصل الاجتماعي، الزوج "الخائن" أو الضعيف أمام مغريات النساء وأجسادهن في عالم تقوده نيوليبرالية متوحشة وباتت المرأة سلعة تباع في الطرقات والحانات والفنادق وتقتحم الحياة الشخصية لإغواء الرجال وهدم عرى الأسر المفككة أصلا في عصر الفلسفة المادية.

لقد تخطت هذه المشكلة كل الحواجز وطرقت معظم أبواب الأسر بطريقة أو بأخرى، وحولت الحياة الزوجية إلى مطبات مليئة بالشكوك والشجار وربما الطلاق، ولم ينج من المتاهة أحد سواء كان قديسا راهبا، أو عاشقا ولهانا، أو سياسيا محنكا، أو رياضيا مشهورا، أو فنانا عالميا، أو شابا مفتونا بالنساء ومعاشرتهن مما يجعل الموضوع مضحكاً ومأساويا. وقد لخصت جينيسيس (لورينزا) هذا الموقف في نهاية الفيلم بمشهد حزين:

You know what’s funny? They never say no. No matter who they are. No matter how much they love their families. You’re all the same.

لقد أرهقني الفيلم بالخواطر وأبعدتني التساؤلات عن الانخراط في الأجواء الاحتفالية، وبتّ وحيدا يكتنفه الصمت في وسط همسة حانية وضحكة صافية تعلوان في قاعة باردة وخافتة الأنوار، كنت أتساءل لماذا حرمنا من السينما وكم ماتت موهبة فنّية بسبب الكبت؟ ولماذا الجمهور الصومالي كان يتذوق الفن والأدب ويحضر المسرحيات بل ويتفاعل معها تضحكه النكات وتبكيه المشاهد الحزينة، ونحن نحارب الفن والإبداع ومات فينا الحس الجمالي؟ لقد غيّرت الحروب القلوب والأمزجة وحولت الشعوب إلى هياكل حزينة "ولا يعرفون كيف يضحكون"!

في صغرنا لم نشاهد الأفلام الكرتونية ولا مسلسلات الأطفال ولم نقرأ قصص البراعم ولم نستمع كثيرا حكايات الجدات، بل كانت الحروب تلاحقنا ثم تؤذينا وتحشرنا في أضيق الزوايا حتى تركت ترسبات من الخوف، ولم نعرف شارل بير، وجوناثان سويفت، والكساندر بوشكين والأخوان الألمانيان غريم إلا في الكبر وفي نهاية العقد الثاني عندما شرعنا في القراءة الجادة وتذوق الأدب وبذلك ظلت الطفولة المتأخرة تعبث وتثير فينا كوامن الشوق، وإلى يومنا هذا وفي منتصف العقد الرابع ما زلت أحمل تلك الطفولة وأنظر بشوق إلى الأرجوحة المتدلية من الأغصان والأحبال في المتنزهات والحدائق العامة، وتستهويني النوم على وقع السرديات الشعبية وممارسة الطفولة في الفضاء الرحب، كبرت ولم تكبر الطفولة بل هي تلاحقني في كل مكان.

الجمعة، 21 سبتمبر 2018

الصومال.. حكايات الحروب والتاريخ 2

السماء تعزف لحن المطر، وتضوعَ الأريجُ عن أحراش خط الإستواء والقرى الناعسة على أحضان المحيط، وتنتشر الإبتسامة الموغلة في التجلد وازدراء الآلام على ربوع الوطن في ظل الحركات الإجرامية والأوضاع المأساوية، وفي عمق الجمال الشاعري تبدوا أحراش الغابات وجوز الهند والحقول الزراعية على خارطة جنوب الجنوب لوحة طبيعية باذخة المعالم.

هنا وجوه صومالية خالية من الكآبة، وشيوخ يتمتعون بروح الدعابة والضحكة الصافية، السعال في الهزيع الأخير من الليل وبريق عيونهم تخبرك حكايات الحروب والتاريخ، المساجد منتشرة في كل ركن وزاية من  تلك القرى المرصعة بجو صومالي بديع حيث ثرثرة النسوان ومرح الأصدقاء على ضفاف الأدب والأمثال تنساب في أزقة التاريخ وشواطيء المعاناة اليومية للبسطاء، الكل يراعي النجوم ويستظل القمر ودولة القوافي، وينام على وقع أنين المظلومين ويصحوا على أصوات الرصاص.

نهر شبيللي وما ورائه من المدن والقرى تعتبر مروج ممتدة نحو الأفق ونهر عابر للأوطان تختلط فيه الأعراق والسياسة والمصالح والتضاريس، وبصمات الدمار بادية على جبين الأنهار والبحار والمدن الغارقة بالشحوب وعلى أرصفة البيوت التي هاجر سكانها بعد أن طردهم الوطن وأستقبلتهم المنافي، قصص الرحيل في المدن والأحياء مؤلمة ومأساوية، وفي عمق الدمار تأتي الأجيال المكافحة من أجل الحرية والمعرفة وانتهاء الصراعات وفواجع الحروب عبر العلم والقراءة والبحث عن الذات وتتبع خيوط الحقيقة رغم ندرتها في وطن تتقاذفه أمواج الصراعات والإنتماءات.

ما أجمل السفر في ربوع وطنك يرافقك كتاب يذكرك بالماضي الجميل، كنت أقرأ وأنا أسير على دروب يطول فيها العبور كتاب (سالي فو حمر وحكايات أخرى من أفريقيا) للدبلوماسي السوداني جمال محمد أحمد، الكتاب يثير كوامن النوستالجيا في أعماق نفوسنا الحزينة، حيث يتناول بطريقة أدبية ماتعة الصومال وحكاياتها وسمرة أهلها وعراقة تاريخها. الفترة التي لحقت الاستقلال كان الوطن مرتعا للكتّاب والأدباء والسياسيين والآن دمر الحرب كل شيء، لقد اختفت معالم الدولة ومظاهر الثقافة ومعهما الكتاب والإبداع. ولكن مع الاستقرار النسبي للأوضاع تحسن وضع الثقافة في الصومال عبر الأندية والملتقيات الأدبية ومعارض الكتب في معظم المدن، وبدأت بوادر المعرفة تلوح في وسط الركام مما ساهم في نشر الوعي بين الشباب الصومالي.

 كنت أحثّ الخطى نحو قاعة في قلب مدينة كسمايو الساحلية يحدوني الشوق إلى ندوة مصغرة لمثقفين يحملون هم الوطن، كانت "الهويات القاتلة" عنوان جلستنا التي تفرعت وتوغلت في جميع الميادين حتى لامست الماضي والحاضر وأضاءت المستقبل، وكان أصل الصومال كعادته لغزا حير الجميع، ومن الغريب أن الصوماليين لم يحسموا أصلهم لحد الآن ومقسمون بين عربي لا يتقن لغة العرب وأفريقي لا يحمل جميع ملامح الأفارقة يرافقهم الحيف في المنظمات حيث يعتبر الصومالي مواطن من الدرجة الثانية عربيا وأفريقيا، وتعتبر موضوع الأرومة من أشرس المواضيع في الساحة الصومالية.

لم يكن بحث الجذور الموضوع الوحيد في تلك الندوة، بل كان مبدأ "الصومال الكبير" الذي هاجمه البعض من الداخل حاضرا في أروقتها، فبعد عقود من التمسك بالنظريات الجامعة يبدوا أن التشظي نال هذه القومية المتجانسة التي كانت موزعة في عدة دول أفريقية يجمعهم حلم "الصومال الكبير" الذي كان يجري في عروقهم قبل تجزأة المجزأ إلى كانتونات قبلية ودويلات متصارعة على أنقاض وطن.

الأشواق الصومالية ومطالبتهم بالوحدة إبان التحرر الأفريقي إصطدمت بسياسة الاستعمار ومصالح الإمبريالية العالمية فقطع أوصال بلادهم وقام بتصفية عقولهم، وحارب ضد الحركات التحررية وفي مقدمتهم حركة الدراويش، ونصر الله، ووحدة الشباب الصومالي، والصومال الغربي، وثورة شيخ حسن برسني، ومقاومة قبيلة بيومال في الجنوب وغيرهم، وقاموا باغتيال أيقونة الوحدة أمثال المناضل محمود حربي الذي أسقطت طائرته في عرض البحر، حَربي رفَع شعار عودة جيبوتي إلى حضن الأم، وكان صوتا للحلم الصومالي القابع وراء الحدود التي صنعها الاستعمار.

بعد هذه النكسات لم يستسلم الصوماليون بل قاومو على المحتل فشنوا الحملات وجردوا الجيوش وهم يحملون لواء الإسلام وأحلام مشروعة تقودهم نحو إعادة مجدهم ومدنهم. ومنذ أن اعتنق الصوماليون الإسلام ظل يشكل النبض الأكبر لحروبهم فتوغلوا جنوبا وغربا عبر رحلة برية تستحق عناء البحث والكتابة بعد أن تدثرت بغبار النسيان وأصبحت حكايات ملئية بالشجن والملاحم يرويها الأجداد للأحفاد.

كان الصوماليون يتمددون على المشرق الأفريقي من أجل نشر الإسلام، أو الهرب عن صراع القبائل والأفخاذ الصومالية، أو البحث عن الثراء ومناطق لم يصلها الرعاة الرحل، وقد أفل نجم الممالك والدول التي حكمت أجزاء واسعة من شرق أفريقيا بعد مجيء الاستعمار دون أن يتركوا كتبا تؤرخ لمسيرتهم، لذا ربما لاندرك جل الطرق التي سلكوها والأحداث التي رافق زحفهم، ولكن نستطيع أن ندرك عبر الشعر الذي ظل المتحف الخازن لسجلات الماضي أن الشعوب الساكنة في تلك المناطق لم تستقبل الصوماليين بالورود والزغاريد بل بالحرب والدماء، ولكن بفعل الشجاعة والتفوق التدريبي والرشاقة إضافة إلى التجلد والرغبة الحقيقية لنشر الإسلام على ربوع الوثنيين كانوا ينتصرون في معظم المعارك ويواصلون زحفهم حتى وصلوا إلى تخوم نيروبي جنوباً وأواسط البحر الأحمر شمالاً، فيما تممددوا غربا على أديس أبابا وما ورائها من البحيرات، وكان الصوماليون من الأوائل الذين وصلوا إلى عمق الأمهرا في بداية القرن السادس عشر وتحديدا عهد الجهاد المسلح ضد أباطرة الحبشة التي قادها الغازي أحمد جري ورفاقه الأشاوس.

لقد تعمق الصوماليون في الأدغال الأفريقية وعبروا نهر تانا إلى الجنوب وهم يحملون عقيدتهم وأفكارهم وإبلهم ونمط حياتهم، ورغم التنوع الثقافي والعقدي بين الصوماليين وسكان تلك الأراضي فإن الروايات الشحيحة والميثولوجيا الصومالية تدلنا كيف كان التداخل بين المجموعتين بعد أن وضعت الحرب أوزاره، حيث روى لنا المسنون أن المحاربين بعد أن وصلوا تلك الأراضي واستوطنوا فيها آلت إليهم الأموال والممتلكات وتزوجوا من القبائل الأصلية، وبذلك أصبحت تلك البلاد موطنهم البديل إلى أن جاء الإحتلال الغربي والدول القطرية فانحسروا نحو المحيط بعد أن خسروا آلاف الأميال بسبب قلة عددهم وشساعة أرضهم واختلاف البيئات الماطرة عن تلك التي عاشوها في مرابعهم في القرن الأفريقي، إضافة إلى السياسة الكولونيالية التي نصت على تحجيم دور الصوماليين وتلجيم مطامعهم.

كانت القبائل الوثنية التي تسكن على المستنقعات الجنوبية وما بين نهر جوبا وتانا في الإقليم الصومالي في كينيا شديدي البأس واتسموا بالشجاعة والعدد والتكتيك القتالي، وكان لهم ثقافة مازالت بعض آثارها بادية للعيان، ورغم ذلك مازال أنماط حياتهم وطقوساتهم المعيشية والدينية شحيحة جدا إلا ماكتبه المحتل البريطاني وهي رغم قلتها لاتنصف في كثير من الأحيان، وقد امتدت مسيرة الصوماليين نحو البحيرات العظمى وخاصة تشاد التي يعش فيها اليوم قبائل صومالية كما يعتقدها طيف واسع من الصوماليين رغم أنها إندمجت تماما في المكون الثقافي والعرقي لجمهورية تشاد والبلاد المجاورة.

الأربعاء، 28 فبراير 2018

رسالة إلى سالم .. المولود البريء


أهلا وسهلا بك يا صغيري في هذا العالم، ودّعت اليوم بطن أمك الذي كنت تجول فيه بدون منافس يفسد حياتك الطرية وينكد مزاجك الجنيني، وجئت إلى عالم مختلف، شعاره التحدي والبحث عن البقاء في حقل من الألغام والانتهازية والجمال الممتد بامتداد الحب والطيبة في كوننا الفسيح.

يوم قدومك احتفل كاتب هذه السطور الذي بدأ مع والدك رحلة الحياة من مهدها، كنا أطفالا في نعومة أظفارهم، تسعدهم الكرة وتبغضهم الأفلام الرديئة في عطلة الأسبوع، إختطفت الحروب الأهلية طفولتنا البريئة واختفت الآمال وراء معضلة القبلية في وطن ظل مأزوما منذ عقود، ذاكرتنا الطفولية كانت ملطخة بألوان من الماسي، وعيوننا الناعسة كانت كاميرا تسجل الأحداث والمؤتمرات العبثية للفرقاء الصوماليين في العواصم العالمية.

في خضم الصراعات وفي كنف اليتم المبكر عشنا حياة بلا طفولة ولا أبوّة، بل بلا ملامح ولا طلاء، حيث كانت المدافع تزهق الأرواح وتخطف الابتسامة، والمليشيات الجهوية والدينية تنهك الأعراض وتشوه التاريخ والدين والقيم والأخلاق، التعليم كانت ردئية أو معدومة، والصحة حدث ولا حرج، والسلام الداخلي كان في كف عفريت.

ورغم ذلك كنا نضحك ونتوغل في دروب السعادة نلعب ونمارس الحياة بشغف الطفولة وعناد الأيتام الطامعين في تغيير مجرى التاريخ نحو الأفضل، أو على الأقل المساهمة في تخفيف الأعباء عن كاهل البسطاء، كنا ننافس بل نتغلب على أطفال الحي الذين كانوا يتلقون دعم الأب وحمايته، في المدارس كنا الصفوة، وفي المستطيل الأخضر كنا نرهق المنافس بسيمفونية كروية وحماسة منقطعة النظير.

كنتُ أكبر منه سنا وهو أكبر مني حيوية ونشاطا، أو قل إن شئت حماسة وإتقانا، أتذكر كيف كان سريعا مراوغا ماهرا في التسجيل والشجار والطبخ، كان كريم المشاعر باسط اليدين مبتسما يحب مساعدة الأخرين، وهذه صفات أتمنى أن تجري في دمك وأنت في المهد صبيا هناك في نيروبي لندن أفريقيا وعاصمة القرن الأفريقي بمشاكله ومساوئه وإمكانياته الهائلة، نيروبي التي شهدت صرختك الأولى يا سالم ضمت قبر أمي وجسدها الطاهر! وتعتبر نبض إفريقيا ومن أكثر مدن القارة نشاطا وحيوية وتلتقي فوقها آلاف السحنات والمصالح والمؤسسات، وتطبخ في فنادقها ومكاتبها السياسات وبنار هادئة وحارقة أحيانا.

كان في بالنا أننا سنتغلب على الصعاب، ونستمتع بغد أفضل طال انتظاره بسبب غباء المسؤلين وغياب زعماء يحملون كاريزما القيادة والتأثير على الآخرين، بتنا ندور في المربع الأول وتراجع بصيص الأمل الذي لاح في الافق القريب بعد ظهور المحاكم الإسلامية الذين اعتقدنا في غمرة الهلوسة أنهم المنقذون الحقيقيون لبلدنا، كانوا الوجه الآخر لعملة التيه فكدنا نفقد الأمل وابتعدنا كثيرا عن مسارح طفولتنا وميادين حداثتنا هربا من الحركات الاجرامية والجهل الذي أطبق أطنابه على الجميع، ذهبنا معا إلى السودان في رحلة العلم والمعرفة، كانت تجربة جريئة وماتعة في ظل الثقافة والنيل وطيبة أهلنا السودانيين، دار الزمن وتوالت الأيام إلى أن ودّعنا النيل وكلية العلوم، مفارقة المالوف مشقة يا صغيري! ربما تمنيت وأنت في رحلة الولادة من رحم أمك إلى عالمنا المشحون بالكراهية والبارود وأنغام الحياة أن تترك القوة الدافعة جسدك لتكون عالقا في عالمك المثالي، كنتَ سعيدا يقضم أصابعه برومانسية الأطفال في داخل مشيمتك، وبعد سنوات ستصبح شابا مفتول العضلات مليئا بالحيوية والنشاط، ستضحك كثيرا وتحمد ربك إذا عرفت أنك مررت في ضيق الرحم وظلام البطن باكيا.

وكذا الحياة يا ولدي سلسلة من التجارب والمحطات، بعد التخرج رحلنا جنوبا نحو بلاد الشعر وفي بالنا أمنيات هرمت وشاخت، الطريق لم يكن مفروشا بالورود، بل كان مترعا بالتنقلات في القرن الأفريقي بحثا عن لقمة العيش، واصلنا الكفاح من أجل المستقبل وتأمين سبل الحياة الكريمة لفيلق قادم من المحاربين الأشاوس أنت قائدهم، حاولنا أن نؤسس لكم حياة أحسن من تلك التي عشناها نحن، وأن تمارسوا الحياة مع أترابكم جنبا على كتف، وإن لم نصل إلى مطالبنا فأنتم اليوم في ظرف أحسن بكثير من وضعنا في جميع المستويات، قُدر لجيلنا التعاسة! وأن يكون وقودا للصراعات، وقّدر لجيلكم ـ كما نتمنى ـ الريادة وإعادة المياه إلى مجاريها.

الوضع لم يكن مثاليا، كان الوطن في قعر الخوف والمجاعة رغم الموارد الاقتصادية المتوفرة، لم نستسلم بل صرنا أكثر قوة، وبدأنا رحلة الحياة وإعادة الوعي الغائب منذ عقود، فتحنا مراكز تعليمية ووجهنا الشباب نحو التثقيف الذاتي، والدك صار "الجندي المجهول" في مدينة ظلت متقلبة في أحضان الدماء والدموع، مع أصدقائه رسم الابتسامة على وجوه الأطفال، والسعادة على جبين السمراوات، وغرس الطمأنينة في قلوب الكبار فأصبح محبوب الجميع، اليوم كسمايو سعيدة تنافس المدن العالمية وترفع ذؤابتها من جديد.

ستنخرط في دنيا جميلة بطبيعتها ومجانينها وعرق كادحيها، مخيفة بتصرفات مجرميها وجشع أغنائها، من الغرابة أن قلوب الفقراء ناصعة البياض، القناعة تسعدهم، والفاقة تعلمهم الصبر ومغالبة الأحزان، وقلوب الأغنياء شاحبة قاتمة تغمرها الكآبة والأحزان القاتلة، يعانون من الأرق ويبحثون النوم ويمشون كثيرا من أجل هضم الوجبة الدسمة في بطونهم!، ستكبر على كنف أمك ـ إن شاء الله ـ وعين الله ترعاك وترشدك إلى الدروب الصحيحة بعيدا عن الغواية والضلال، وربما ستصبح طبيبا ماهرا أو مهندسا بارعا أو صحفيا متألقا أو أديبا مفوها أو عالما مشهورا أو جنديا شجاعا، أو سياسيا لبقا يعيد للصومال مجدها فاطلق العنان لنفسك ولاتخف، وليكن شعارك القادم أفضل لامحالة، وكن مرحا يحب الترحال واكتساب المهارات وطرق أبواب العلم ماستطعت إليه سبيلا.

إنطلق نحو الخير ونشر المحبة، واغرس في ذهنك حب الوطن وعشق المسيرة الطويلة من أجل حماية الدين والجغرافيا، إبحث الإلهام في سيرة العظماء، الرسول الأعظم وصحابته الكرام، أجعل سيرة المجاهد أحمد الغازي نبراسا لك، وكفاح الدراويش مثلك الأعلى، حاربوا ضد الظلم والعبودية ونهب التاريخ والثروات فعاشوا كراما وماتوا أبطالا.

الجمعة، 10 فبراير 2017

يوميات جيولوجي (3-3)


الدراسة:

دراستنا في مجمع السبلوقة الناري كانت تركز ثلاثة أشياء مهمة بالنسبة لكل جيولوجي في بداية مسيرته العلمية ورحلاته الجيولوجية:
1: الدراسات الحقلية.
2: التخريط أو الخريطة الجيولوجية.
3: التطبيقات الجيوفيزيائية.

*جيولوجيا حقلية
الحقل:-Field
هو تعبير عام لأي مكان خارج المعمل أو في العراء حيث يستطيع الجيولوجي عمل القياسات والدراسات وتسجيل الملاحظات الأولية وجمع الصخور والمعادن والأحافير(Glossary of Geology by Bates).
والعمل الحقلي (Field Work) من الضرورات الحتمية لأعمال التخريط الجيولوجي المختلفة والتي قد تشمل الاتي:-
1: الخرائط الطبوغرافية الاساسية Topographic Base Maps
2: الخرائط الاستطلاعية الجيولوجية Reconnaissance Geological Maps
وهي خرائط المنطقة المجهولة وبمقياس رسم حوالي 1:250000 وبعض هذه الخرائط عبارة عن خرائط تصويريةPhotogeological Maps. حيث يتم رسمها اعتمادا على معلومات حقلية قليلة وتفسير الصور الجوية
3: الخرائط الجيولوجية الاقليمية Regional Geological Maps وهذه خرائط بمقياس رسم ما بين 1=50000 إلى 1=100000
4: الخرائط الجيولوجية المفصلةDetailed ومقياس رسمها حوالي 1=10000
5: الخرائط المتخصصة وهذه خرائط متصلة جدا 1=1000إلي 1=25000
وأيا كان نوع الخرائط الجيولوجية المطلوبة فإنه تخصص فترة زمنية لأعمال التخريطMapping في الحقل لوحظ أنها دائما تقل أو تساوي فقط الوقت اللازم لإجراء الاعمال الحقلية اللازمة.
ويتطلب أمر إجراء الدراسات الحقلية:
1:التعرف على الظواهر الجيلوجية المختلفة في الصورة الجوية باستخدام عناصر التفسير.
2: توجيه الصورة الجوية بالنسبة للأحداثيات الجغرافية.
3: إيجاد و التعود علي مقياس رسم الصورة الجوية.(2)
(2)http://sudangeo1.ahlamontada.com/t873-topic

** تعريف الخريطة الجيولوجية
هي عبارة عن تجسيد بياني على سطح مستوى للوحدات الصخرية والبنيات الموجودة على مساحة ما ويتم رسمها باستخدام الخطوط والرموز والأنماط وربما الألوان. وهي عادة تصف تركيب الصخور وتقارن بين الوحدات من حيث الموقع والزمن. وقد تحوي أيضاً مقاطع عرضية وجداول للبيانات المقارنة:

الخرائط الجيولوجية:
تؤمن الخرائط الجيولوجية معلومات حول الصخور والبنيات الموجودة على سطح الأرض. وتحتوي هذه الخرائط على معلومات حول الملامح الكيميائية والفيزيائية للصخور وحول علاقاتها المكانية والزمانية ومحتوياتها المحتملة من المعادن.
وتشمل التطبيقات العملية للخرائط الجيولوجية:
ــ استكشاف وتنمية الثروات المعدنية ومصادر الطاقة والمياه
ــ تقويم إستغلال الأراضي والتخطيط لحماية البيئة
ــ التقليل من مخاطر الزلازل
ــ التنبؤ بالمخاطر البركانية

(3) ــ تقليل الخسائر الناتجة عن الإنزلاقات والإنهيارات الأرضية
(3)http://www.sgs.org.sa/Arabic/earth/Pages/NewExplosion.aspx
الجيوفيزياء التطبيقية:
وتعني إستخدام الطرق الجيوفيزيائية في تحديد هدف معين تحت سطح الأرض، مثل المياه الجوفية، والمعادن الاقتصادية، والأجسام المدفونة بأنواعها،والبترول والغاز ومعرفة التركيب الجيولوجي للطبقات تحت السطحية، وما تحتويه من كهوف أو صدوع أوفراغات وفي مجال التطبيقات الهندسية.
وهذه الطرق تنقسم إلى: الطرق الجاذبية والمغناطيسية والكهربية والكهرومغناطيسية والسيزمية والرادارية (4) 

لم تكن رحلتنا علمية فحسب بل كانت رحلة مزدوجة علمية دعوية، ومن نافلة القول أن يدرك القارئ أن جامعة إفريقيا هدفها الأول هو تخريج وإعداد داعية إسلامي يحمل هم الدعوة وتبليغها للناس، سواء كان الخريج صحفيا أو طبيبا أو مهندسا أو تربوياً، وهكذا كانت الدعوة ونشر الإسلام من صميم برامجنا نشرح للناس سماحة الإسلام وفرائض الدين وأركان الإيمان ونتجول في الأحياء والأسواق والمساجد لنشر الإسلام، ورأينا بأم أعيننا مجتمعا جائعا للدين محتاجا للدعوة الإسلامية يحب العلم والعلماء وكل ما له صلة بالدين الإسلامي.
لقد رجعنا بفوائد جمة ومعرفة غزيرة من تلك الرحلة وخاصة حياة المعسكر مع وجوه جديدة وطلاب عشنا معا في أروقة الجامعة فقط، وأهم ماتستفيد في المعسكر هو الدقه والتنظيم الفائق والانضباط القوي والحياة المغايرة لما ألفنا في بيوتنا واختلاط ومعرفة واحتكاك بالطلاب من جميع الدول والأجناس والمبيت معهم جنبا إلى جنب في العراء والفضاء الرحب أو الغرف المتواضعه، والتقاسم معهم اللقمة وشظف العيش بقلوب راضية وثغر مبتسم.

الرحلة النيلية والوداع الأخير

في اليوم الأخير وقبل أن نودع قريتنا ـ ودائما الوداع قاسي ـ ومعسكرنا الذي كوّن معنا علاقة حب ذهبنا رحلة برية قصيرة إلى النيل مع مجموعة من الأصدقاء الذين أكن لهم محبة تزاحم الرواسي، قصدنا النيل والسرور يطفو على وجوهنا، وصلنا عيون الجمال حيث تتهادي المياه بأنسيابية عجيبة لا يخلو منها خرير لطيف يصاحبه حفيف ناعم للأوراق وزقزقة عندليبية للعصافير، وبعد إستشارتنا للمرشد السياحي الموجود في المنطقة إخترنا أجمل منطقة في النيل التي هي عبارة عن جزر متفرقة علي طول النهر وتشكل سلسلة طبيعية وتلال خضراء مطلة علي الشاطئ حيث تنسجم الطبيعة بالحضارة.

ومن مميزات المنطقة أنها قريبة جدا للشلال والخانق، والخانق وهو أضيق مكان في النيل ولا يتعدي عرض النيل في هذا الخانق بضع مترات ـ والنيل هبة الله للسودان ومصر تاريخه مرصعة بالحضارة والثقافة،منبعه آية في الجمال ومجراه أعجوبة في التناسق ومصبه وسيله الهادرمعجزة خالدة، وعبوره بأقسي الطبيعة وأصعب الجغرافيا وفي وسط الصحاري والجبال والكثبان بكل شموخ واعتزازشاهد على بديع صنع الله، ومما يزيد الدهشة ويوقفنا أمام النيل مقرين بعظمة صنع الخالق أن جميع أنهار العالم تجري من الشمال إلى الجنوب ما عدا نهر النيل فهو الوحيد الذي يجري من الجنوب إلى الشمال!

يوميات جيولوجي (3-2)



منطقة الدراسة
منطقة السبلوقة تقع في الأطراف الجنوبية لولاية نهر النيل السودانية وعلى بعد 90كم شمال الخرطوم، وهي منطقة جيدة للدراسات الحقلية الجيولوجية وفيها الشلال السادس الذي يعد من المناطق السياحية في السودان. ويؤمها الزوار والسياح لتنوع مكوناتها الطبيعية وقربها النسبي للخرطوم.
التتابع الجيولوجي لحبيس السبلوقة Geological Succession Of Sabaloka Inlier:-
أوضحت الدراسات الجيولوجية السابقة أن منطقة السبلوقة تتكون من أربعة وحدات صخرية رئيسة مختلفة التكوين والتركيب، يمتد عمرها من عصر ما قبل الكامبري (
pre Cambrian) إلى الحين الحديث، وهذه الوحدات تشمل من الأقدم إلى الأحدث عمراً حسب ماحددته الدراسات السابقة:
• معقد صخور الأساس Basement Complex
• معقد السبلوقة الناري Sabaloka Igneous Complex
• تكوين الحجر الرملي النوبي Nubian Sand Stone formation
• الرسوبيات الحديثة السطحية Recent Deposits(1)

وما إن وصلنا إلى المكان المقصود حتى نزلنا من السيارة كسرعة البرق وبدأنا نتسلق الجبال ونكسر العينات ونصدم الأحجار الكبيرة في عز الظهيرة ونأخذ القياسات المطلوبة من خطوط المضرب واتجاه الميل وسمك الطبقات ومقاومتها، ولاقينا في تلك الجولة مالا يطاق ومشاق لا يحصى، وكلما نتعب وتضعف عزيمتنا نعلل النفس بالأماني والمآلات الطيبة، وبعد الفتور والإعياء نستحضر الفوائد الجمة التي سنجنيها من تلك المشقة وأستذكر قول إمبراطور الشعر العربي المتنبي: لولا المشقة ساد الناس كلهم *** الجود يفقر والإقدام قتال.

ولكن وبحق لم تكن المسافة الطويلة، ولا حر الشمس في عز الظهيرة، ولا الظمأ المستحكم والجوع الشديد، تضعف عزيمتنا وتلين همتنا في مواصلة مسيرتنا نحو التدرب والإستفادة القصوى من الزمن والأساتذة الموجودين معنا في الحقل والأجهزة الحديثة المتوفرة ولأول مرة في جامعتنا، بل كان الأمل يحدونا نحو الاستفادة ونحو أن نكون يوما من الأيام رواد هذا العلم الجليل، هذه العوامل شكلت حافزا قويا وخلقت في دواخلنا قوة وإيجابية ومحركا فعالا لتلقي العلوم، والسعي الدؤوب لمعرفة المنطقة وتخريطها ودراستها، وقيد جميع المعلومات وكتابتها في دفتر الملاحظات، ورصد كل شاردة وواردة لنصل إلى مبتغانا.

ومما يحرك الجهد ويقوى العزيمة ويضاعف الاجتهاد ويأبى الاستكانة والاستراحة للنفس كوننا طلاب أجانب (وافدين) كما يسموننا السودانيون، وأمامنا أجهزة وأساتذة أكفاء ومنطقة مثالية للدراسة، وجو مهيأ للتدرب لا نجده في بلادنا المنكوبة، إضافة إلى ذلك كان في بالنا أننا من دولة مزقتها الحروب وأنهكتها المجاعة وأضعفها الظمأ، وشعب في أمس الحاجة إلى من ينشله من براثن الحروب والصراعات العبثية، إلى واحة الأمن والأمان وإلى شاطئ السعادة، ولا يوجد شيء أحسن من العلم كي نواجه المثلث المرعب في حياة الإنسان (الجهل والفقر والمرض).

وفوق هذا تجبرك الغربة وندرة هذا العلم في بلدك إلى بذل المزيد ومضاعفة الجهود، بسبب هذه العوامل وأخري كثيرة كان يتحتم علينا دائما ان نبذل مزيدا من الجهد والجدية لنحمل علوما بإمكانها إنقاذ حياة شعبنا الذي يموت من قلة المياه وهو يعيش على ضفاف الأنهاروالأراضي الغنية بالمياه الجوفية.

وليست قلة المياه وحدها ما يعانيه شعبنا، فهو يعاني من قلة اليد والعوز والمجاعة، وهو يعيش فوق بركة من النفط وآبار من الغاز الطبيعي، ومن المفارقات العجيبة أن شعبنا يتسول على فتات الموائد ويعيش لاجئا في كل البلدان، وقد حباه الله بأرضٍ تنوء بمعادن مختلفة وأحجار كريمة وخيرات طافحة وخامات اقتصادية نادرة وأراضي شاسعة صالحة للزراعة، ناهيك عن الثروة الحيوانية والسمكية التي لا تحصى ولا تعد.

يوميات جيولوجي (3-1)


تحركت الحافلة التي كانت تقلنا إلى السبلوقة من أمام مبني كلية العلوم بجامعة إقريقيا العالمية، في الساعة الثانية ظهرًا بعد اتنظار طويل وتأخر شديد، سببته عوائق تراكمت ومصاعب طفيفة في شكلها ولكنها معيقة وصعبة في مضمونها، تعودنا عليها في الدول الإفريقية والنامية جميعا، ولكن انقرضت وتركتها الدول المتقدمة التي تقدر قيمة الوقت وكرامة الإنسان. لم نكن نتوقع هذا التأخر الشديد والانتظار الطويل والترقب الممل، لا سيما ونحن جئنا في الصباح الباكر آملين أن نتحرك عند الساعة الثامنة صباحا ولكن طال انتظارنا وبدأ الفتور يخيّم على الأجساد والتذمر على الجباه واجتاحت موجات من عدم الرضى ملامحنا، وبعد همسات ارتفعت وتحولت إلى جدال ساخن بين الطلاب لبحث سبب هذا التأخر تعرفنا أن التأخر أمر طارئ وخارج عن السيطرة، وأن الأساتذة والمساعدين كلهم على أهبة الاستعداد ولا ينتظرون سوى الضوء الأخضر للتحرك.

لم يكن التأخر المزعج متوقعا، بل كان حدثا طارئا سببه تأخر التجهيزات الضرورية للمعسكر، والتصريحات اللازمة والأوراق الرسمية لزيارة المنطقة وإجراء الدراسات الجيولوجية عليها، لأن معظم منطقة الدراسة منطقة عسكرية محظورة وفيها أكبر مخزون إستراتيجي للجيش السوداني، لذا من الصعب أن تذهب لأي غرض إلى هذه المنطقة المحظورة إلا بإذن مسبق من الوازارة المعنية وجهاز الأمن والمخابرات الوطني، ومن الطبيعي جدا وككل دول العالم الثالث أن تكون مثل هذه الأمور معقدة وتحتاج إلى مراجعة وصبر كي تصل إلى مطالبك.

وقبيل خروجنا من الحرم الجامعي كان السرور والاشتياق الى السفر واضحا، وتحركت المشاعر النبيلة تجاه السفر الميمون، وصدح على الكراسي الأمامية من الحافلة أغنية شجية من الكلاسيكيات السودانية القديمة ذات الطراز الوتري فنثرت في الجو عطورا من الألفة والتواصل وبحورا من وميض الإحساس المرهون بأصالة الفن وجزالة الكلمات، والسودانيون بمجرد سماعهم للأغاني الشجية ذات اللمسات الإنسانية الرائعة لعمالقة الفن ونجوم الزمن الجميل تغمرهم موجة من السعادة العارمة قتتمايل أجسادهم وتتحرك أناملهم وتكسوا البهجة على جباههم السمراء وتقرأ علي وجوههم علامات الرضى والقبول.

وفي هذه الطقوس الخاصة والشخصية الودودة السودانية لم يكن غريبا أن يكون السفر بخلاف المنتظر سهلا جدا، بالإضافة إلى قصرالمسافة وتعبيد الطرق وسلامة المكان والتهوئة الجيدة للباص الذي كان ينقلنا إلى المعسكر، وتشوقنا الواضح للدراسات العملية والجيولوجيا الحقلية الذي هو لب الجيولوجيا وأساسه المتين، وفوق كل هذا كنا متحمسين للسبلوقة لما تركت علينا الزيارة السابقة من انطباعات جيدة ولمسات إيجابية وأيام امتد السروربساعاتها

وفي خضم سفرنا الأنيق وأثناء مداعبة النسائم الندية المحملة على رذاذ النيل في مقدمة جباهنا لم يخل في بالنا أن السفر تعليم للصغير وخبرة للكبير كما قال القدماء، ولم نكن نشعر أي تعب أو عناء في الرحلة، بل كانت رحلة غمرتها الفرحة وهيمنت عليها الأحاديث والإغفاءات القصيرة لبعض الرفقاء، وكانت رحلتنا تشبه السفريات السياحية والزيارات الإستجمامية، ولم نر طيلة الطريق ما يعكر صفونا ويخرب مزاجنا العالي ومعنوياتنا المرتفعة حتى وصلنا إلى المعسكر، ذلك المبني الشامخ في وسط الصحراء وفي الأرضية الجبلية الجرداء بعد مغيب الشمس وفي عتمة الليل البهيم.

معسكر السبلوقة

المعسكر عبارة عن مباني تقع فوق هضبة منبطحة قرب (المسيكتاب ) وهي قرية صغيرة ومحدودة السكان، والمعسكر عام للجامعات السودانية، رغم أن ملكيته تعود إلى جامعة الخرطوم أعرق الجامعات السودانية وأقدمها على  الإطلاق، ويتكون من ثلاثة مباني متجاورة ولا يفصل بينهم إلا ممرات وفناء المعسكر الرحب، المبني الأول هو عبارة عن ثلاثة غرف خاصة للطلاب ويسع كل غرفة حوالي عشرين سريرا، أما المبني الثاني وهو غرفتين تقريبا فهو مخصص للأساتذة والمساعدين، ويبقي المبني الثالث مطبخا للمعسكر، ويوجد أيضا مسافة قريبة جدا للمعسكر مبني خاص للبنات وما دام كنا ذكورا ولم يكن معنا بنات بسبب قوانين جامعتنا التي تحظر على الجنس الناعم الانخراط في مثل هذه المتاعب بخلاف الجامعات السودانية الأخرى التي تدرس حواء جنبا إلى جنب مع آدم في الجيولوجيا وفي جميع التخصصات المتعبة، لذا لم نستخدم ولم نفتح هذا المبني البعيد عنا معنويا.

ذكريات على ضفاف النيل


تمر بنا الأيام والليالي دون أن نشعر، وتقربنا السنون إلى أجلنا المحتوم ويومنا الموعود، وتحمل لنا الأعوام والساعات أخبارا سارة وأخرى ضارة ،كما يحمل العام في طياته الأتراح والأفراح والبشائر والأنذار المبكرة للأشياء الجميلة في حياتنا.

أنظرُ إلى السنوات الخمسة التي عشت في السودان فأتذكر لحظات الغربة القاتلة، كما أتذكر لحظاتها الجميلة وساعاتها القاتمة، سواء كنت في المقاعد الدراسية، أو في الحدائق العامة وعلى ضفاف النيل والمكتبات التي تعج بأصناف العلوم والمعرفة، فأتعجب كيف مرت الأعوام هكذا سريعة وكلمح البصر!، وفي خضم تيهي على وادي الإستفهامات أتساءل: هل هرولت بنا السنون؟ أم أسرعت ومرت كالبرق وكالموجات السريعة؟ أم أننا لا نحس مرور الأيام والليالي (بانغماسنا) في ملذات الدنيا وشهواتها وجمالها الفاني؟

خمسة سنوات عشتها على أكتاف الجمال ومدينة الخرطوم، وتحملت مشقات كثيرة بسبب العلم وتحصيل المعرفة، ورقصت على أهداب الزمان بخيلاء وشموخ، وعزفت العود وبنغمات رقيقة على كورنش النيل وواحات التسوق المتناثرة على شاطئه وفي أعتاب المنافي المتعبة بالأغاني المشحونة بالوجع والألم، كما أحببت الحدائق الخضراء المنسقة بالزهور عند ملتقى النيلين في المقرن الثملة بسكرة الإيحاءت الرومانسية الصادحة من أعماق الأجساد وفي صميم الأبدان، واجتاحتني وأنا متلفع برداء الغربة لطمة حياتية موجعة في دروب الحب الطويلة.

في غربتي الأنيقة قطفت ثمارا يانعة من بساتين الذاكرة، وتعللت آمالا أيقونية ساطعة، وسامرت أطياف الجمال، وتنعمت في حضن الخرطوم الدافئ أحيانا واللافح أحيانا أخرى في عز الغربة والشوق وفي منتصف الصيف الخرطومي الساخن، وكانت الدراسة مجرد أنسي الذي يقطع لوعة الغربة في الليالي الباردة، وعندما يجتاحني لهيب الشوق كنت أردد في غربتي بإستمرار أغنيات كلاسيكية مختارة، ذات أوتار خماسية أمثال:
Tacliintaan usoo dhoofayeen uga imid dhulkaygii
Dhayal iguma aha oo waan dhowrayaayeey
"التعليم الذي سافرت وتركت وطني من أجله ليس هيّناً عليّ وسأحافظ عليه وأعتني به دوما".

خمسة سنوات كانت الكتب رفيقي في الحل والترحال والأقلام أصدقائي في كل حين، وكانت ملتحفة بتناقضات الحياة والمسالك التي يطول فيها العبور، أخبار مظلمة، وأجواء صحراوية جرداء وطقوس رطبة شتائية، وتدافع الأفكار وتنمية العقل والإدراك، وتنقلات عجيبة من نيروبي لندن أفريقيا إلى عطبرا بلد الحديد والنار، ومن جِكْجِكَا عاصمة الثقافة الصومالية الأصيلة والرقصات الشعبية الموغلة في الوجدان الصومالي إلي بحردار وموضع الجمال في العمق الأمهري وأعالي هضاب الحبشة.

عشت في الغربة والأحشاء تحترق! وعكفت فوق ربى الترقب أطالع صفحات وطني وحب شعبي المليئ بين قصبات الضلوع كأنه مرسوم على لوحة فنية تربطني بأفراد شعبي وتاريخ بلدي، فتزيدني شوقا ولذة خاصة تسكن بين العيون والرموش.

2009،2010،2011،2012،2013 خمسة أعوام مشحونة بالشوق والضنى، ومفعمة بالألم والشجن، خمسة سنوات متناقضةإبتسمتكغرة الربيع وبكت كالثكالى، ولم تكن سوى سنوات غائمة وأرقاما سديمية تائهة المعالمإضافة إلى وميض القلم وليالي المذاكرة على وقع أصوات البعوض وعصافير البطن، وأياما تئن وتتوجع ولا تؤنس وحشة الفراق وقيوده التي لا تلين، كما كانت سنوات لا تخلو عن ساعات أحسست بفرحة الفرج بعد الضيق وأياما متألقات تشع عنها الدفء والنور، ولحظات تتآلف القلوب وتندمج النفوس فيها.

هنا الزمن يمشي سريعا وكأنه يلاحق موعدا، ويمتزج التاريخ بالجغرافيا وجمال النيل الذي أصبح نهرا يرتبط في السودان بموروثات الهوية والحضارة والوجدان، في السنة الأولى من سنوات الغربة والضياع كنت كورقة متعاكسة تدور حول نفسها! كنت أناجي أشجار التمر الباسقات التي يتدلى منها الرطب كضفائر الغواني في عطبرة مع رفقة أجلاء وأصدقاء أوفياء عاشوا في "دار جعل" برفقة الكرم والشهامة، ولم تكن السودان حينها في نظرة مراهق أبعدته الحروب والصراعات العبثية عن وطنه سوى بلد غريب عنوانه النيل، وشعاره التحدي، ولسانه دارجي، وتكاليفه باهظة وصعبة.

وقُطر كثير القوانين واللوائح يصعب لمراهق مثلي جاء من أقصى الشرق للقارة يحمل تمردا على كل القوانين في جيناته وقلبا ناصعا لم تغتلْه أيادي الحقد، وتعويذة جدتي، وبقايا سبحة ويقين أستعين بها في نوائب الدهر، وحبا جارفا للعلم والمعرفة أجبره ليحط به الرحال في وسط الصحراء وفي تلك السنة وفي جناب البرلوم كنت أتذكر ملاعب الطفولة ومدارج الصبا ورمال الشواطئ الذي يشكل النبض الأكبر في بلادي.

أما العام الثاني الذي حملني طيف الغربة إلى عمق السودان والعاصمة المثلثة فقد كان عاما مترعا بالبهجة والجمال رغم الغربة! تعودت أكل الفول محبوب الجماهير وصديق البسطاء وزميل الكادحين وحديث السمار، وأصبحت ماهرا في تحضير الفتة والطعمية والجبنة والشاي وبطريقة أهلي في أقصي الجنوب من الوطن، وكونت علاقة رومانسية غريبة أرسلتني من سكون الغربة إلى دفء العشق وتربة الوطن.
إرتبطت بإنسانة لطيفة وفتاة لامعة في أوساط الطلبة الصوماليين في تلك الفترة، أنسها كان يهوّن علي كثيرا من السآمة والملل ورهبة الغربة، أحسسنا كثيرا  تدفق التعلق في أوصالنا على وقع موسيقى الجاز والألعاب التقليدية السودانية التي تصدح في حناجر السمراوات داخل  السينما والقنوات الثقافية والمسارح  المطلة على النيل العظيم، وضحكنا كثيرا من أجل الأمسيات المبللة بالحب والصباحات المتألقات في الحرم الجامعي وفوق الكراسي الدراسية، وبكينا كثيرا من أجل أحبة رحلوا عن دنيانا الفانية إلى دار البقاء، وآخرين قلبت لهم الدنيا ظهر المجن وشربوا كؤوس الحور بعد الكور أصنافا!.

الأربعاء، 19 أغسطس 2015

أيام مع الكاتب حسن محمود قرني (هكذا عرفته )

شاءت الحكمة الإلهية أن نلتقي في مركز الأنصار في مطلع القرن الحالي (2001م)، كان المركز يضم أكثر من مائة شاب من أقاليم مختلفة، وبطون وأفخاذ متنوعة، جمعهم اليتم والتعليم، وجدران المركز الذي بدا وكأنه مقر للتدريب، ولكنه تدريب من نوع آخر، تدريب على الفضائل، والتربية على المكارم، وتعويد النفس على العيش بعيدا عن الأهل والأقارب، وعن مسقط الرأس، والمحضن الأول(حضن الأم).
لقد التحق المركز قبلي وكان من الأوائل الذين افتُتِح بهم المركز، بدأتُ أتعرف على طبيعة المركز، وممن يعيش فيه من التلاميذ، والأساتذة، وكافة الطاقم الذي يعمل فيه، كان من أولى الأشخاص الذين قابلتهم، جاء إليَّ كباقي الشباب يسألني ويتعرف عليَّ، رأيته محترما لدى الجميع، عند الطلبة، والأساتذة، حتى عند الحراس والطباخين، كان يتمتع بأخلاق عالية مكنته من خلق بيئة تتعامل معه بود واحترام وتقدير عالي.
لم يكن يوما متعجرفا متغطرسا مغرورا، بل كان متواضعا سهلا لطيفا، قريبا لدى الجميع، يخالط الصغار والكبار على السواء، يلاطف الضعفاء ويمازحهم، كما كان يجالس الكبار ويسامرهم برزانة، لا يولي ظهره لأحد طلب منه المعونة.
هذا ما لاحظت عنه في الأيام الأولى من حياتي في المركز.
تقدم في حفظ القرآن والدراسة
عند حلقات الذكر الحكيم كان آية في الحفظ والاتقان، وكان في حلقة الاستاذ المحفظ أحمد هادي، وكان متشددا في التحفيظ، لا يقبل التلعثم والتلكؤ عند التسميع، فما رأيته يعيده بآية، ولا وهو يضربه في غلطة غلطها، كان من الأوائل في المسابقات القرآنية التي تقام في المركز، إذ كان يحتل المركز الأول في أغلب الأحيان، كما كان من القلائل الذين ينتدب لهم في أن يمثلوا المركز في المسابقات التي تقام على مستوى المدينة، وكان يحرز الأرقام الأولى وبجدارة.
أما في قاعات الدراسة والفصول فحدث ولا حرج، إذ كان من الطلبة المرموقين المحببين لدى الأساتذة والطلاب، أودع الله فيه موهبة الحفظ والاتقان، فكثيرا ما يحفظ الدرس في أثناء الحصة، وربما لا يراجع إلا يوم الامتحان، أو لا يحتاج إلى ذلك.
وقد ظل طيلة فترة الدراسة في المدرسةالعتيقة (جوبا)منهل العلم والأخلاق، ظل رمزا للطبة المتفوقين الموهوبين الذين تشرفوا وتشرفت بهم المدرسة، ولقد خولت له تلك الموهبة (موهبة الحفظ) أن يظل من الأوائل في التحصيل الدراسي أيام الامتحانات.

Gorfeynta buugga "Geylame"

  Buugga “Geylame” ee uu qoray Xassan Maxamuud Qorane, waxa uu nuqul ka mid ah gacatayda soo galay Habeenkii la soo bandhigayey oo ku beegna...