‏إظهار الرسائل ذات التسميات الوطنيات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الوطنيات. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 1 يوليو 2019

تحولات الأدب الصومالي .. من المقاومة إلى الماركسية .


لقد احتل الأدب مكانة بارزة عند المجتمع الصومالي في مختلف مراحله وأجياله، فكان خزينة حكاياتهم وقيمهم وسجلات تاريخهم وتراثهم ومتاحف بطولاتهم وحِكمهم والمحرك الأول لشعب عشق الأدب ودولة القوافي، وظل شفهيا ينقل الأخبار ويحفظ الأيام والماضي بالأشعار والحكم والأدب والفنون. وقد قرن الأدب صومالياً بالنضال ودفاع المقدرات والثوابت الوطنية حيث لايوجد – عبر التاريخ - كفاحاً وطنياً خالياً عن "أدب المقاومة" وشعراء بارزين حوّلو الأدب إلى أسلحة فتاكة واستطاعوا تخليد قضيتهم عبر قصائدهم، بل كانت المقاومة تأخذ طابعا وطنيا ودينيا قويا في مشاعر المجتمع بضمها عظماء يتقنون الأدب ومخاطبة الشعب بأشعار يحرك وجدانهم. ومن الأمثلة الشهيرة في هذا المضمار السيد محمد عبدالله حسن الأب الروحي للحرية الصومالية الذي كان شاعرا فحلا أتقن أبواب الشعر وأغراضه واستخدم لصالح قضيته.

السيد ورفاقه الأشاوس استخدموا كافة أنواع الأدب وخاصة الشعر لإلهاب العواطف وبث الحماسة ونشر فضائل المقاومة ومدح أبطالها وذم المتخلفين عنها، والحث على محاربة المحتلين، وهجو أذيال الاحتلال والمتقاعسين حتى باتت أشعاره أحاديث السمار  وحكايات الركبان وحقلا خصبا ساعد الكتاب والمؤرخين لفهم الدراويش وأيديولوجيتهم. وبعد مئآت السنين من بدأ شرارة جهادهم ضد الطغيان الأوروأفريقي مازال الصوماليون يحفظون أيامهم ويعرفون تاريخهم ويصونون تراثهم ويتبادلون حكاياتهم ويعشقون بطولاتهم ويسردون تفاصيلهم، وما ذاك إلا لقوة الشعر وجزالته وجذوة الأدب الموقدة في نفوسهم حتى تعلقوا بأبطال الدراويش ومآثرهم، وصار  إسماعيل مري وحسين طقلي وآخرون أيقونات وطنية وقامات أدبية وقيادية بارزة، ولولم تكن الأمة تتذوق الشعر وتمتلك حسا جمعيا يحب الأدب لكان ماضي الصومال يختفي وراء تتابع طبقات التاريخ وطيات النسيان.

لقد اهتم الصوماليون في تاريخهم الشعر  وجعلوه ذروة إنتاجهم الأدبي وحظي مكانة لايصل إليها جميع أنواع الأدب، فالشعر ديوان حاضرهم وماضيهم وسجلا أخلد الأحداث ونقل إلينا جانبا من سلوك الأجداد ويومياتهم المترعة بالتنقل ومقارعة النصارى في المشرق الأفريقي. وبما أن للأدب سطوته كانت القبائل تهادن وتتصالح وتتصارع وتغير  بعضها بعضا خشية الهجاء وأن يخلد ذلك في الذاكرة الأدبية لمجتمع لاينسى الأدب ويحفظ الشعر مهما تقادم عهده، وهكذا صار الأدب بشتى صنوفه العنوان الأبرز للمجتمع حتى لقب الصوماليون بأمة الشعر. وحافظ الشعر هويتهم وخصائصهم وحمل قصائد مشبعة بالوطنية والولاء والاعتزاز بالموروثات والذات. ولم تكن من السهل ترميم الهوية الصومالية التي هدمها المحتل بعد أن قسم الأرض إلى خمس أقاليم تخضع للاحتلال إلا بوجود أدب مترع بأشعار وأغاني ومسرحيات عابرة للحدود الوهمية وترسخ على الوجدان وحدة الأمة وإن تقاسمت الآلام والمرارة واغتيال الأمل وراء قضبان الحدود ومخرجات مؤتمر برلين.

ورغم المحاولة الكولونيالية الجادة لتضييق الخناق على الأدب الثائر  وإغراق الشعب بالدوجما الفكرية إلا أن الأدب الصومالي كان جامحاً بعيدا عن المحتل ومزاجه الغثائي فكان الأدب سلاحا فتاكا واجه الصوماليون على الترويكا الأورروبية (فرنسا، بريطانيا، إيطاليا) وأجبروهم على الرحيل. وبعد الاستقلال بدأ الأدب ينتعش ويحرك الجموع الصومالية الظامئة إلى الحرية، ومن الشعراء الذين برزوا في تلك الحقبة الشاعر عبدالله سلطان تمعدي الذي ظل معلما من معالم الحرية في ربوع "الصومال الكبير".

وبعد ثورة أكتوبر (الإنقلاب العسكري) وجد الأدب اهتماما خاصا من الحكومة الصومالية فبنت المسارح وشكّلت الفرق الموسيقية وشجعت الكتابة باللغة الصومالية واعتمدت بذلك الحرف اللاتيني، وانغمس الناس في الفن الغنائي فأخذ دور الشعر يتضاءل فيما كانت المسرحيات والأغاني تسيطران على المشهد الأدبي ويعزى هذه إلى جغرافية الدولة الوليدة التي لم تستطع ضم أقاليم يعتبر منبع الأدب الصومالي، إضافة الى الحكومة التي كانت تشجع على الأغنية والمسرح على حساب الأدب التقليدي، ولا ننسى الدور التحفيزي والامتيازات التي كان يناله من يكتب أو يلقي قصيدة عن تمجيد الثورة و "الجيش الأحمر" والاشتراكية العلمية، ومن هنا ابتعد شعراء بارزون عن الساحة خشية من "الرقيب الأحمر" وصوناً لقدسية الشعر ومسؤلية الكلمة.  وعموما كان الأدب في تلك الفترة يخدم ثورة أكتوبر لذا كان يبعد عن النصوص الخالية عن الرموز الماركسية والإيحاءات الاشتراكية وتمجيد الشيوعية عن الأثير والمجالس الثقافية والمعاهد العلمية والجامعات والمدارس، أما النص الذي يدعوا إلى اعتناق الاشتراكية العلمية التي تحرر العباد من طغيان النيوليبرلية والرأسمالية المتوحشة - حسب سرديات الشيوعية - فكان يجد رعاية الدولة.

لقد حاول عرّابو الاشتراكية الصومالية على تدجين الشعب وتوجيهه على نحو يقرب المجتمع إلى الثقافة الشيوعية وبقوالب محلية وأسلوب يدغدغ مشاعر البسطاء، فكانت خطب الرفيق " سياد برّي" في بداية حكمه رنانة وذات نغمات وطنية وقومية حالمة يجملها صوت جهوري وحبال صوتية عميقة وأبيات شعرية مفعمة بروح الثورة والكفاح وتحقيق أحلام طالما لامست عقول الصوماليين وقلوبهم دون أن تتحق على أرض الواقع. كانوا يرونه مجدد مآثرهم وموحد وطنهم، ولكن لم تدم هذه التوقعات وانكشفت زيف الماركسية عندما مارس الاستبداد وحاول إبعاد الدين عن المسرح السياسي وتطبيق المادية التاريخية وتفسير النصوص الدينية حسب مزاج الدولة.  وبما أن الدين تشكل هوية جامعة في القُطر الصومالي كانت المساجد أكثر  تاثيرا من المسارح والإعلام الحكومي، وكانت تغسل "أدران الاشتراكية" المستبدة وتدعوا عبر أساليب تقليدية إلى تطبيق الشريعة والعودة إلى الوحيين لرسم طريق جديد يصلنا إلى سعادة الدارين بعد أن جربنا الديمقراطية الرأسمالية والشيوعية الإلحادية. وكان الشعر الديني والطرق الصوفية وبعدها الحركات الإسلامية  تسهم في بناء وعي جمعي يقاوم ضد الأفكار الوافدة " النفايات الأيديولوجية" ويرسخ على المفاهيم الإسلامية.

وبعد سنوات من جهد الدولة ظهر على الساحة أدباء وشعراء تأثروا بنظريات جدانوف الثقافية وتشبعوا على المبادئ الماركسية بعد أن درسوا الفن والأدب والمسارح في الصين والاتحاد السوفيتي وكوبا وغيرهم من الدول اليسارية، وكانت الفترة الذهبية لهذا الجيل السنوات العشر التي تفصل بين وصول العسكر إلى الحكم وحرب أوغادين 1977م الذي أدى إلى هوة لم تستطع الأطراف – الصومال، والدول الشيوعية - ردمها أبداً، وأخيرا ابتعد اليسار وترك الصومال يواجه مسيره، وبعد أن جرف تيار الحاجة الصومال نحو الرأسمالية لم يصمد "أدب الأحمر" أمام الأدب الرأسمالي المتدفق على الوطن بأفلامه ورواياته المكتوبة وأغانية ومسرحياته المدعومة بالمؤثرات إلى أن انحسر   واختفى سحره نهائيا عن الخارطة الثقافية. ورغم ذلك كانت الفلسفة الماركسية تأثيرها الواضح على مثقفي وأدباء الصومال وأفريقيا عموما في سبعينات وثمانينات القرن العشرين، وكان الأدباء الصوماليون ضمن آلاف من كتاب وأدباء أفريقيا ناصروا الفكر الماركسي ورأوا أنه يناصر القضايا العادلة ويناهض التمييز العنصري والطبقي ويرفض العبودية ويوزع الثروة بطريقة عادلة. لذا تغلغل في جميع المستويات وبات البلد مشبعا بالمفاهيم والمظاهر الاشتراكية على نحو جعل مقديشو موسكو صغيرة.

ورغم إبتعاد الصومال عن التيار السوفيتي بعد هزيمة الصومال الغربي، ونهضة الفن الغنائي والمسرحي الذي فاز أفريقيا في مهرجانات ثقافية بارزة كلاغوس والخرطوم، وظهور كتّاب تجاوزت شهرت أعمالهم الأدبية حدود الوطن إلى العالمية مثل نورالدين فارح  إلا أن وكغيره من الأدب والفنون الأفريقية كان ضحية للحروب الثقافية مما جعل أدباً هامشياً لم يجد إنصافا من الدوائر الثقافية العالمية التي يهيمن عليها الغرب الغارق بالتنميط.
النقد الشكلاني البعيد عن المهنية للأدب الأفريقي مازال يسيطر على الغرب الذي يرى أنه المركز والأخرون هوامش وديكورات ليس لهم أدوار حقيقية في الحقول الإبداعية ولايستطيعون إنتاج أدبي راقي يرضي ذوق القارئ الناضج (الغربي) لذا يرون الأدب الأفريقي ساذجا وغارقا بالتفاهة والسطحية ولا يحمل أي بصمة إبداعية أو دهشة أدبية، ولاينفك أبدا عن المعتقدات الدينية والصدمات الاجتماعية العنيفة، إضافة إلى السياسة الأفريقية التي تعاني من التبعية والمراهقة والإبتذال.

الجمعة، 14 ديسمبر 2018

كيف شكّلت الحروب أجيالاً من الصوماليين وسحقت أحلامهم؟

"لا أحد يعود من الحرب كما كان" مقولة شهيرة ظلت راسخة في أفواه المقهورين بعد كل حرب عبثي كنا نستطيع الابتعاد عنه، وكذلك المدن لا تبتسم كعادتها ولا يلتئم جرح الأوطان بعد الحرب، إنه أسوأ ما عرفته البشرية، يدمّر الشعوب ويشوّه التاريخ والحضارة، ولاينجز سوى دموع الأمهات وانتشار الفقر والدماء، وتغيير الملامح والهوية والوعي.

الكتابة عن الحروب تعيدني إلى ذكريات الطفولة الضائعة في مرابع عشيرتي الممتدة بامتداد السمرة والإبل، ومعها أمرّ عبر الخيال الذي يتسع كلما أتوغل في مأساتها ثورات اللاتين، وانقلابات أفريقيا، وهمجية الحضارة الغربية المدمرة، وتخمة العرب من الصراعات الصفرية، والصومال المزدحمة بالإختلافات وحروب أفقدتها نعمة الأمن ومواكبة العالم ومحاربة الفقر الذي قال رئيسها ذات يوم وهو في قلب مقديشو: إن عام 2000م سيكون آخر عام سيوجد على وجه الأرض صومالي جائع لايجد لقمة شريفة تسد رمقه، كانت وعودا فارغة أطلقها آخر المستبدين الوطنيين كما أطلق مدافعه على المدن الصومالية، وطلقات المدافع أسرع من وعود السياسين الذين أخفقوا في إيجاد الحلول الناجعة لأزمات بلادهم.

لم تتحقق تلك الأمنية العابرة لرئيس ظل رمزا وطنيا قبل أن يجرفه الاستبداد بعيدا عن أحلام الشعب ومبادئه، بل توغلنا في عقود كريهة كان صوت الرصاص هو الفصل الحتمي لأتفه الأسباب من شجار الأطفال إلى تلاسن الأصدقاء وحكايات الجدات الطاعنات وصراع الجبابرة، وكان الفرقاء الصوماليون يبتسمون في العلن وأمام الكاميرات في العواصم العربية والأفريقية وفي مؤتمراتهم المتعددة ويوزعون الموت في الخفاء، مما أذهل العالم وجعله حيارى حيال هذه الأزمة المتجددة.

عشنا بين الأمم مطأطئ الرؤوس، والتهمتنا الجوع ونحن نعيش في بلد يعدّ من أخصب البلاد الأفريقية والعربية، وساقنا الظمأ إلي توابيت الموت ونحن على ضفاف الأنهار وبحيرات من المياه الجوفية، ولاغرو في ذلك فالعقول القاحلة حوّلت السهول والمدن المطلّة على الأنهار الى صحراء، بينما العقول المنتجه جعلت الصحراء مروجاً وأنهاراً!

لقد ترك الحرب جرحا عميقا في البئية والحياة والسلوك، فبدأ الجيمع يسأل ويبحث عن زاوية غير تقليدية لإكتشاف ذواتهم ومعرفة ماهية الحرب مما ألهم الشعراء والأدباء والكتاب، وصنع جيلا جديا أبدع بعضهم في وصف الحروب بالقصائد والأشعار والمسرحيات والنكت وقليل من التدوين والكتابة، وبرزت النكسات المتتالية كتاباً ورسامين ومواهب إستطاعت تعبير الحروب بكثير من الإبداع والمعاناة، وحولوا التشرذم إلى سرديات موجعة، ورسوم ملهمة، وحكايات شفهية تغوص في أعماق المأساة، وألحان تعبر عن مشاعر المقهورين ونبضات المحبين وملامح المهاجرين من ديارهم إلى المنافي البعيدة، وقصص تؤرخ للحروب وتخرج الحقيقة الكامنة وراء ركام الأوطان والقلوب الخانقة إلى صدارة الجرائد وشاشات التلفزة. والحقيقة في زمن الصراعات تختفي على وقع هدير الرصاص وتضيع الأشياء في عمق الجروح الغائرة.

وأخفق بعضهم كالفن الصوتي ــ الأغنية ــ حيث توارى في محراب الحب وألوان الصبا ومفاتن المرأة والرومانسية المفرطة، وكان في معظمه غريبا هابطا لايمتّ بماضي وأحاسيس وثقافة الشعب بأي صلة، ولا يحاول تخفيف الألم عن كاهيل الكادحين إلا ما ندر، وبدا الفنان وكأنه يغنّي لمجتمع مثالي تعمه السلام وتحفه الطمأنينة، ومن الغريب أنهم يحييون ليالي الحمراء في المنافي في حين كان الدم يسيل في الطرقات، وبعضهم شاركوا في فصول الحرب وأسقطوا عن عيون الشعب إلى الأبد، وقصارى القول كان الفن والأغاني "الإيروتيكية" في واد والواقع في واد آخر.

وكذلك أخفق المثقفون سياسيا ودفنوا رؤوسهم في رمال الصومال المتحرك واتصفوا بالانطوائية والشوفينية لأفكارهم بعيدا عن المجتمع ومشاكله الحقيقية، وطفقوا يحللون الواقع ويلعنون الحاضر وقد احتفظوا بأماكنهم البعيدة عن معترك السياسة بكل برودة. كانوا ينشرون نظرياتهم عن الوطن وعن الحروب وعن الإسلام والثقافة والسياسة والدولة والقبيلة دون أن يقدموا مقترحات حقيقية لإنتشال الوطن، بل كانوا يتهربون من مسؤلياتهم ويتذرعون بأسباب واهية دون أدنى شعور بالذنب، وقد انتهز هذه الفرصة زعماء القبائل ومجرمي الحرب فتصدروا على المشهد السياسي والاقتصادي مما أبعد الحلول.

لقد تمرّد المثقفون عن الواقع القبلي العفن وابتعدوا عن قيادة الدولة وتأثير القبيلة ــ حسب أدبياتهم ــ ولكنهم أبدعوا في حقول التعليم وإنتاج المعرفة فأسّسوا المدارس والمعاهد والجامعات، وساهموا في نشر ثقافة التدوين والكتابة، ووثقوا المجازر والانتهاكات ضد الإنسانية واغتصاب براءة الأطفال وزجهم في الحروب الأهلية، وساهموا في إبراز الزوايا الأكثر إيلاما من زوايا الحروب، وتصوير المشهد ومساعدة الآخرين على فهم الأحداث كما كانت وكيف حدثت بدون تهويل أو تزييف أو تضليل أو تجزئة.

ورغم أن الكتابة لاتستطيع برومانسيتها ورفاهيتها في خيال المجتمعات ذات الثقافة الشفهية بناء مستقبل مشرق وسلام داخلي ما لم تتكاتفه جهود القوى الفاعلة في الساحة بكل أنواعها وايديولوجياتها، إلا أنها تظل النافذة الأهم التي نشهد من خلالها سوداوية الحروب وتعليق القوانين، وعبرها نستطيع نشر ثقافة التسامح والسلام والتعايش السلمي بين أطياف المجتمع، وفي هذا السياق يجدر بنا أن نذكر أن الكتابة عن الحرب تبدوا في خيال البعض مهنة لاتقل بشاعة عن الحرب نفسه! حيث تُنقل اللحظات الأكثر بؤسا وعنفا في تاريخ البشرية إلى الأجيال القادمة لنكدر عليهم حياتهم بأحداث لم عاصروها وأهوال كانوا في غنى عنها.

ولكن الجانب الأكثر وحشية للحروب هو أنه سينتهي وإن تمدد، وتتصالح الدول والشعوب والقبائل، وسيظهر على السطح مجرمون برتبة زعماء، وسيمنح على الجنرالات أوسمة ونياشين وجوائز تقديرية لإباداتهم المروعة ضد الأبرياء، وسيجني أثرياء الحروب وصناع البؤس ملايين الدولارات من دماء الكادحين! ووحدهم البسطاء يعانون ويموتون من أجل مبادئ ظالمة وحروب خاسرة في كل الأحوال، يزهقون أرواحهم، ويفقدون أحبابهم، ويخسرون أعضائهم، وتصيبهم التشوهات من أجل مستبد همّه الكرسي وإن مات الملايين من أجله، ويستميتون في الدفاع عن ناهبي أوطانهم في حرب لايعرفون أساسه ولايدركون أهميته القانونية والأخلاقية والإنسانية! فقط سمعوا عبر أبواق المجرمين أنه الدفاع عن وطن لم يقدم لهم شئيا سوى الفاقة والأمراض والجهل، وأنه حرب جيد يستحق الموت علما بأنه لايوجد حروب جيدة وأخرى سيئة. ويتساءلون بحسرة: لماذا السلم رغم جماله مفقود والحرب رغم بشاعته موجود؟

كيف نموت من أجل دولة يملكها طاغية وتحلبها عائلة وتبدأ من حيث تنتهي القبيلة أو المصلحة أو الطائفة؟، وظلت عاملا هامشيا في حياتنا، ولم نعطها يوما ولاء حقيقيا بعد أن ترسبت الموروثات الثقافية والاجتماعية وتأثير القبيلة وقدسيتها في مخيلتنا، وارتبط ولاؤنا الأول للقبيلة أكثر من الدولة، وبالتالي أصبحت الدولة عاملا تابعا للقبيلة وليس العكس؟ لقد أخذت الدولة في أوطاننا مفهوماً كارثيا بكل المقاييس حيث اختفى التابع (الدولة) وبقي المتبوع ( القبيلة) تتعملق وتسيطر على حياة الشعب مما أدى إلى انهيار تام بالمؤسسات الوطنية واشتعال حرب أنتج شعبا شرساً ومتوحشاً للغاية يعاني من الأمراض النفسية والشحنات السالبة.

الجمعة، 21 سبتمبر 2018

الصومال.. حكايات الحروب والتاريخ 2

السماء تعزف لحن المطر، وتضوعَ الأريجُ عن أحراش خط الإستواء والقرى الناعسة على أحضان المحيط، وتنتشر الإبتسامة الموغلة في التجلد وازدراء الآلام على ربوع الوطن في ظل الحركات الإجرامية والأوضاع المأساوية، وفي عمق الجمال الشاعري تبدوا أحراش الغابات وجوز الهند والحقول الزراعية على خارطة جنوب الجنوب لوحة طبيعية باذخة المعالم.

هنا وجوه صومالية خالية من الكآبة، وشيوخ يتمتعون بروح الدعابة والضحكة الصافية، السعال في الهزيع الأخير من الليل وبريق عيونهم تخبرك حكايات الحروب والتاريخ، المساجد منتشرة في كل ركن وزاية من  تلك القرى المرصعة بجو صومالي بديع حيث ثرثرة النسوان ومرح الأصدقاء على ضفاف الأدب والأمثال تنساب في أزقة التاريخ وشواطيء المعاناة اليومية للبسطاء، الكل يراعي النجوم ويستظل القمر ودولة القوافي، وينام على وقع أنين المظلومين ويصحوا على أصوات الرصاص.

نهر شبيللي وما ورائه من المدن والقرى تعتبر مروج ممتدة نحو الأفق ونهر عابر للأوطان تختلط فيه الأعراق والسياسة والمصالح والتضاريس، وبصمات الدمار بادية على جبين الأنهار والبحار والمدن الغارقة بالشحوب وعلى أرصفة البيوت التي هاجر سكانها بعد أن طردهم الوطن وأستقبلتهم المنافي، قصص الرحيل في المدن والأحياء مؤلمة ومأساوية، وفي عمق الدمار تأتي الأجيال المكافحة من أجل الحرية والمعرفة وانتهاء الصراعات وفواجع الحروب عبر العلم والقراءة والبحث عن الذات وتتبع خيوط الحقيقة رغم ندرتها في وطن تتقاذفه أمواج الصراعات والإنتماءات.

ما أجمل السفر في ربوع وطنك يرافقك كتاب يذكرك بالماضي الجميل، كنت أقرأ وأنا أسير على دروب يطول فيها العبور كتاب (سالي فو حمر وحكايات أخرى من أفريقيا) للدبلوماسي السوداني جمال محمد أحمد، الكتاب يثير كوامن النوستالجيا في أعماق نفوسنا الحزينة، حيث يتناول بطريقة أدبية ماتعة الصومال وحكاياتها وسمرة أهلها وعراقة تاريخها. الفترة التي لحقت الاستقلال كان الوطن مرتعا للكتّاب والأدباء والسياسيين والآن دمر الحرب كل شيء، لقد اختفت معالم الدولة ومظاهر الثقافة ومعهما الكتاب والإبداع. ولكن مع الاستقرار النسبي للأوضاع تحسن وضع الثقافة في الصومال عبر الأندية والملتقيات الأدبية ومعارض الكتب في معظم المدن، وبدأت بوادر المعرفة تلوح في وسط الركام مما ساهم في نشر الوعي بين الشباب الصومالي.

 كنت أحثّ الخطى نحو قاعة في قلب مدينة كسمايو الساحلية يحدوني الشوق إلى ندوة مصغرة لمثقفين يحملون هم الوطن، كانت "الهويات القاتلة" عنوان جلستنا التي تفرعت وتوغلت في جميع الميادين حتى لامست الماضي والحاضر وأضاءت المستقبل، وكان أصل الصومال كعادته لغزا حير الجميع، ومن الغريب أن الصوماليين لم يحسموا أصلهم لحد الآن ومقسمون بين عربي لا يتقن لغة العرب وأفريقي لا يحمل جميع ملامح الأفارقة يرافقهم الحيف في المنظمات حيث يعتبر الصومالي مواطن من الدرجة الثانية عربيا وأفريقيا، وتعتبر موضوع الأرومة من أشرس المواضيع في الساحة الصومالية.

لم يكن بحث الجذور الموضوع الوحيد في تلك الندوة، بل كان مبدأ "الصومال الكبير" الذي هاجمه البعض من الداخل حاضرا في أروقتها، فبعد عقود من التمسك بالنظريات الجامعة يبدوا أن التشظي نال هذه القومية المتجانسة التي كانت موزعة في عدة دول أفريقية يجمعهم حلم "الصومال الكبير" الذي كان يجري في عروقهم قبل تجزأة المجزأ إلى كانتونات قبلية ودويلات متصارعة على أنقاض وطن.

الأشواق الصومالية ومطالبتهم بالوحدة إبان التحرر الأفريقي إصطدمت بسياسة الاستعمار ومصالح الإمبريالية العالمية فقطع أوصال بلادهم وقام بتصفية عقولهم، وحارب ضد الحركات التحررية وفي مقدمتهم حركة الدراويش، ونصر الله، ووحدة الشباب الصومالي، والصومال الغربي، وثورة شيخ حسن برسني، ومقاومة قبيلة بيومال في الجنوب وغيرهم، وقاموا باغتيال أيقونة الوحدة أمثال المناضل محمود حربي الذي أسقطت طائرته في عرض البحر، حَربي رفَع شعار عودة جيبوتي إلى حضن الأم، وكان صوتا للحلم الصومالي القابع وراء الحدود التي صنعها الاستعمار.

بعد هذه النكسات لم يستسلم الصوماليون بل قاومو على المحتل فشنوا الحملات وجردوا الجيوش وهم يحملون لواء الإسلام وأحلام مشروعة تقودهم نحو إعادة مجدهم ومدنهم. ومنذ أن اعتنق الصوماليون الإسلام ظل يشكل النبض الأكبر لحروبهم فتوغلوا جنوبا وغربا عبر رحلة برية تستحق عناء البحث والكتابة بعد أن تدثرت بغبار النسيان وأصبحت حكايات ملئية بالشجن والملاحم يرويها الأجداد للأحفاد.

كان الصوماليون يتمددون على المشرق الأفريقي من أجل نشر الإسلام، أو الهرب عن صراع القبائل والأفخاذ الصومالية، أو البحث عن الثراء ومناطق لم يصلها الرعاة الرحل، وقد أفل نجم الممالك والدول التي حكمت أجزاء واسعة من شرق أفريقيا بعد مجيء الاستعمار دون أن يتركوا كتبا تؤرخ لمسيرتهم، لذا ربما لاندرك جل الطرق التي سلكوها والأحداث التي رافق زحفهم، ولكن نستطيع أن ندرك عبر الشعر الذي ظل المتحف الخازن لسجلات الماضي أن الشعوب الساكنة في تلك المناطق لم تستقبل الصوماليين بالورود والزغاريد بل بالحرب والدماء، ولكن بفعل الشجاعة والتفوق التدريبي والرشاقة إضافة إلى التجلد والرغبة الحقيقية لنشر الإسلام على ربوع الوثنيين كانوا ينتصرون في معظم المعارك ويواصلون زحفهم حتى وصلوا إلى تخوم نيروبي جنوباً وأواسط البحر الأحمر شمالاً، فيما تممددوا غربا على أديس أبابا وما ورائها من البحيرات، وكان الصوماليون من الأوائل الذين وصلوا إلى عمق الأمهرا في بداية القرن السادس عشر وتحديدا عهد الجهاد المسلح ضد أباطرة الحبشة التي قادها الغازي أحمد جري ورفاقه الأشاوس.

لقد تعمق الصوماليون في الأدغال الأفريقية وعبروا نهر تانا إلى الجنوب وهم يحملون عقيدتهم وأفكارهم وإبلهم ونمط حياتهم، ورغم التنوع الثقافي والعقدي بين الصوماليين وسكان تلك الأراضي فإن الروايات الشحيحة والميثولوجيا الصومالية تدلنا كيف كان التداخل بين المجموعتين بعد أن وضعت الحرب أوزاره، حيث روى لنا المسنون أن المحاربين بعد أن وصلوا تلك الأراضي واستوطنوا فيها آلت إليهم الأموال والممتلكات وتزوجوا من القبائل الأصلية، وبذلك أصبحت تلك البلاد موطنهم البديل إلى أن جاء الإحتلال الغربي والدول القطرية فانحسروا نحو المحيط بعد أن خسروا آلاف الأميال بسبب قلة عددهم وشساعة أرضهم واختلاف البيئات الماطرة عن تلك التي عاشوها في مرابعهم في القرن الأفريقي، إضافة إلى السياسة الكولونيالية التي نصت على تحجيم دور الصوماليين وتلجيم مطامعهم.

كانت القبائل الوثنية التي تسكن على المستنقعات الجنوبية وما بين نهر جوبا وتانا في الإقليم الصومالي في كينيا شديدي البأس واتسموا بالشجاعة والعدد والتكتيك القتالي، وكان لهم ثقافة مازالت بعض آثارها بادية للعيان، ورغم ذلك مازال أنماط حياتهم وطقوساتهم المعيشية والدينية شحيحة جدا إلا ماكتبه المحتل البريطاني وهي رغم قلتها لاتنصف في كثير من الأحيان، وقد امتدت مسيرة الصوماليين نحو البحيرات العظمى وخاصة تشاد التي يعش فيها اليوم قبائل صومالية كما يعتقدها طيف واسع من الصوماليين رغم أنها إندمجت تماما في المكون الثقافي والعرقي لجمهورية تشاد والبلاد المجاورة.

الاثنين، 16 أبريل 2018

الصومال .. حكايات الحروب والتاريخ (1)



الصومال وطن تلفه التاريخ وتحيطه المحيط والحروب، الأنهار تداعب جبينه، والمناطق الأثرية تستقبل زواره مع لمسات إستوائية مميزة. روائح الثقافة عابقة في أزقات مساجده الشاهدة على الحضارة الإسلامية العريقة، والمدن القديمة تشكل صندوقا مليئا بالأسرار وماضي أمة كانت همزة وصل بين أفريقيا والبلاد العربية وما ورائها من البلدان والشعوب.

وصل العرب إلى الصومال عبر موجات متتالية من البشر منذ انهيار سد مأرب، وبعد بزوغ فجر الإسلام توثقت أواصر العرى بينهم وبين سكان ساحل الصومال فأسسوا الممالك والمدن والمراكز التجارية، وبنو القلاع والموانئ وانسجموا مع القبائل، وانتشرت ثقافتهم وحضارتهم وساد فنونهم، وبذلك أثّروا على اللغة والملامح والتركيبة السكانية، وفي غضون سنوات قليلة ذابوا في المجتمعات المحلية وباتوا عنصرا مكونا من اللوحة الصومالية.

على أطلال حيّ شنغاني في مقديشو تحيطني جروح لاتندمل، وانهزمت أمام أطلال التراث الصامد، قصور السلاطين على كتف المساجد، ومتاحف تقبّل الرمال، وذكريات الرحالة كريستوفر كولومبس، وكتابات ابن بطوطة، وآثار المؤرخين والكتاب الذين مرّوا على بلاد بونت وهم يبحثون مجد الكلمة أو متعة السياحة في أجواء مقديشو "ساحرة شرق أفريقيا" فهربت أداوي جروح الحروب بالكتابة رغم صعوبة نسيان ذكرياته المترسخة في الذاكرة الجمعية للشعب.

كلما أتوغل أقترب إلى معالم قديمة، وشوارع اختفت، وتراث طمرها النسيان، وملامح مآسي بامتداد مقديشو، وتبدوا المحيط الهندي على صفح الأفق وكأنها تراقب مدينة تنام على وقع الإنفجارات وتصحو على دوامة سحب الثقة من أحدهم، وإذا توغلت في الحس الشاعري والهوية الحضارية المميزة ل"حَمَرْ" سترى طلاً من إبتسامة تبرز بعض مفاتنها وإن علاها غبار ثلاثون سنة كان خنجر الفرقاء مغروسا في جسدها.

نحو العبور إلى  تاريخ طمستها المعارك، وأمام مقر البرلمان الصومالي الذي يعاني من تضاريس الأزمنة تعيدني مقديشو إلى بداية السبعينيات من القرن المنصرم، المبنى الشامخ شهد مؤتمر القمة الإفريقية عام 1974م وضمّ في جدرانه زعماء أفريقيا العظام قبل أن تنال يد الغدر وتحوله إلى أطلال باكية وثكنات للجيوش المتصارعة على المدينة.

في تلك الحقبة كان الصومال مزدهراً ويشهد جهوداً حثيثة من أجل لحاق قطار التقدم والاكتفاء الذاتي، تصدّر العساكر في الجمهورية الثانية وانغمسوا في السياسية بعد دولة مدنية تنخرها الفساد وتقودها الدستور، في الوهلة الأولى بدا الجيش وكأنه يلبي مطالب الكادحين، تضافرت الجهود وتكاتفت جميع فئات الشعب من أجل صومال جديد، فبدأت موجات البناء وإنشاء التعاونيات والمشاريع الوطنية التي مازالت ماثلة إلى يومنا هذا.

حكومة العساكر لمست الوتر الحساس للشعب عندما ركزت الجوانب الثقافية والتوعوية والتاريخية، نفضوا الغبار عن تاريح الأبطال، وألفوا الأغاني، ونظموا الأشعار لدغدغت المشاعر، وبعد قطع أشواط نحو التطور ودولة تواكب العصر وتستطيع استعادة استقلال قرارها حدثت نكسة غيّرت البوصلة! العساكر اختاروا الأيديولوجية الشيوعية ومحاربة الأصالة والهوية الدينية المترسخة في الوجدان، ومن أجل تعميق الماركسية في أوساط الشعب أصدروا قوانين مجحفة بحق الدين فبدأ صراع العلماء والسلطة، ودارت مساجلات فكرية وثقافية تطورت إلى إعدام العلماء وإراقة الدماء!

كانت خطوة جريئة نحو الإنهيار تَعَمّق بعدها الشرخ بين الشعب والحكومة الصومالية الاشتراكية، وتوقفت عجلة الاقتصاد، وضاع الشعب وفقدت الدولة هيبتها على القلوب وسيطرتها على الأرض، وبعد سنوات من إعدام العلماء والهزيمة المؤلمة في جبهة أوغادين عام 1977م بدأت المعارضة المسلحة تشن حروبا على الدولة، وبين انتهاكات الدولة البوليسية وعمالة الجبهات المتمردة ضاع الوطن، لقد دمره الحروب وبقي تاريخه دفينا تحت عباءة القبلية و ركام المعالم وغباء المهووسين بالحكم، وقصص شفهية لشعب تواق إلى السلام ونشر المحبة بعد عقود من الإرهاب والكراهية.

على بعد أمتار قليلة من مجلس الشعب يطل تمثال ثائر الصومال السيد محمد عبدالله حسن بهامته الممشوقة وتقاسيمه الدقيقة، السيد ورفاقه الأشاوس الذين قادوا الجموع نحو الحرية والكفاح المسلح في زمن كان الوعي السياسي الصومالي في أدنى مستوياته واجهتم مصاعب جمّة كتفكك الوطن، وتأليب رأي العام واغتيال المعنويات عبر وكلاء الاحتلال، وعدم الحصول على الأسلحة والذخائر بسبب الحصار الأورروبي المفروض على السواحل الصومالية، ورغم ذلك حاربوا الترويكا المحتلة ( بريطانيا، إيطاليا، فرنسا) إضافة إلى الحبشة، وكابدوهم خسائر جسيمة طيلة عقدين كان نار الجهاد يومض على ربوع القرن الأفريقي.

السبت، 7 أبريل 2018

إفريقيا .. ظلم الجغرافيا



كنت في مدينة صومالية تصافح المحيط عندما انهالت عليّ الذكريات وأنا أتأمل حياة أفريقيا الملتهبة من أقصاها إلى أقصاها، في أعماق الألم حلّقت بعيدًا فوق القارة الغنية بمواردها وبؤسها أراقب أحلام شعوبها وتطلعاتهم في ظل القهر وتكميم الأفواه الذي جعل الشعب كتماثيل حزينة لا إرادة لهم، إضافة إلى العبودية الجديدة المتسترة وراء رداء الهيئات العالمية.

منذ ربع قرن وشعبي الصومالي قابع في أوحال الحروب وفواجع التشريد، وصوَبوا بنادقهم صوب صدورهم بعد أن كانت تدافع المقدسات والمعتقدات عبر سلسلة من النضال الطويل من أجل المبادئ والمقدّرات، فقد حاربوا البرتغال في عمق البحار، واستحوذوا على أجزاء واسعة من أراضي شرق أفريقيا ينشرون الإسلام ويحاربون الجهل، وتوغلوا جنوبًا نحو السافانا والتلال المغطاة بالثلوج والسمرة الغامقة، وفي بداية الحملات الأورروبية قسّم الاستعمار أراضي الصومال إلى خمس أجزاء تجمعهم الأمنيات، وفي سبيل تحقيق مطالبهم سقط الملايين وجرح مثلهم، ولم يكن الطريق مفروشًا غير الدماء ومقارعة نصارى أوروربا وأباطرة أباسينا وسياستهم التوسعية عبر التاريخ.

من مقديشو اتجهت غربًا نحو بلاد الشعر (أوغادين) وكأني ألاحق الشمس وهي تعزف لحن الغروب خلف روابي إقليمٍ جرى فيه صراع عالمي مصغر منذ أن منحته بريطانيا الإقليم الغني بالثروات لإثيوبيا نكاية على الشعب الصومالي الذي أبى أن يعيش الإنجليزُ بسلام في أرضهم، كنت أحث الخطا نحو تاريخ أمتي وأمجادها الضاربة في عمق التاريخ، الألحان الشجية، وأريج اللبان، ورائحة الإبل الممزوجة بالأدب، وتكايا السلاطين والمدن التي تحاور الثروات تثير في وجداني مشاعر عتيقة وتشكل «زوايا غير محكية» تنتظر حكّاء ماهرًا يقدمها للعالم.

الصومال العريق بتاريخه منذ مملكة بونت وما تلاها من الممالك والحضارات اشتهر في السنوات الأخيرة بأزمته الإنسانية المتكررة! ولكن ما لا يعرفه العالم أن هذا البلد يعني قرابة مليون كم مربع من الإبل والمحيط والملاحم. والجريمة الوحيدة التي اقترفناها أننا أردنا أن نعيش أحرارًا يحملون لواء الإسلام وأنفة ورثناها عن أسلافنا، وأرادت الكولونيالية أن نعيش بلا وطن ولا هوية ولا انتماء، وأن نكون موزعين على البلدان المجاورة لكسر شوكتنا وتمزيق وحدتنا!

توغلت في أفريقيا وتجاوزت الحدود المصطنعة بعد نكسة برلين 1884-1885، وتعمقت الجرح الأفريقي النازف منذ قرون، في صغري كنت أحمل همّ قارة المستقبل، أعجبني لحن المناطق المرتفعة، وأبهرني قوة ساكني الأحراش، وسحر الحلم القابع وراء الحناجر التي تهتف بالحرية ولو بصوت متهدج خلف ضجيج الجغرافيا ومونولوجيا الذات، كنت أكتب قصصهم وأحكي عن أشواقهم عبر مداد قلمي الحامل بفيض من اللذة والألم ومحاربة الركود الثقافي للمجتمعات.

في قلب حيّ كابيرا الكارتوني في نيروبي وعلى جدار مقابل للبيوت المطلة على المزابل التقيت شابًا في مقتبل العمر، كان يتحدث عن مأساتنا وهو ينفث دخان سيجارته: «لقد حوّلت الأدمغة العفنة أفريقيا إلى أوكار للفاقة والجريمة، الاستعمار لم يذهب بل بقي في بلادنا يجثم على صدرنا، ويقتل أبناءنا تارة عبر وكلائه الذين أوصلهم إلى رأس الهرم، وتارة بالتدخلات، ومرات عبر السيطرة المطلقة على الإنتاج وتحديد أسعار الخامات، ليأخذ الغرب الأموال ونحن لعنة الثروة.

في المعابر والمطارات لا صوت يعلو فوق الترقب وهاجس الجنود والأسلاك والجدران الفاصلة بين الأفريقيين. المؤسسات المدنية الفاعلة والتحول الديمقراطي باتا ضربًا من الخيال في ظل جيوش ذابت في السياسة وتحمي عرش الطغاة، القوات المسلحة في أقطارنا هي اليد الباطشة للأنظمة المستبدة، فبدلا من ابتعادها عن السياسة وانغماسها في المهام الرسمية انخرطت  فيما لا تتقنه فتاهت في مسالك القمع والإرهاب، وبامتزاج رغبة العساكر مع أطماع المؤسسات المدنية المأزومة تكونت دولة المافيا، وأجهزة بلا كفاءات تغرق في الشبر الأولى من مشاكل الوطن بعد أن هربت الأدمغة المثقفة إلى الخارج خوفًا من السجن أو القتل.

الأربعاء، 13 ديسمبر 2017

Lagaan.. عندما تحدد لعبة مصير أمة


منذ أن سيطرت البرتغال على أجزاء من الهند بعد اكتشافها رأس رجاء الصالح الذي قصّر المسافة وحوّل مسار التجارة والملاحة البحرية العالمية كانت الهند بما فيها من الثروات والسكان والثقافات محل اهتمام أوروبي متزايد، وبعد أن دخلت القارة العجوز عصر الصناعة والتقانة وتطلعت إلى ما وراء البحار بغية السيطرة عليها واستنزاف الطاقات والموارد الطبيعية للشعوب الغارقة في الضعف والإنقسام زاد الإهتمام ودخل كل من فرنسا وإسبانيا وألمانيا وبلجيكا وهولندا السباق المحموم نحو خيرات المشرق ونهب تراثه وحضارته الضاربة في جذور التاريخ من أجل توفير المواد الخام لمصانعهم وإيجاد أسواق عالمية لبضائعهم وأفكارهم.

وفي منتصف القرن التاسع عشر الميلادي وصل الراج الإنجليزي إلى الشبه الجزيرة الهندية التي كانت قبائل وكيانات وإمارات متفرقة ومتناحرة يجمعها الجغرافيا ويفرقها المصالح والمبادئ وحب السيطرة على الآخر فحكمها الإنجليز بموجب معاهدات أبرمها مع الأمراء والملوك وزعماء القبائل الذين كان همهم التقوّي بالكولونيالية وتمكينها للأرض من جانب، ونكاية ا لمحتل الأوروبي الآخر كإسبانيا والبرتغال وهولندا الذين كانوا يمارسون العنف والاضطهاد البشع على المواطنين الكادحين من جانب آخر.

ظن البسطاء الهنود أن بريطانيا التي تظهر دآئما في بداية الاحتلال المرونة والتفاهم وكسب ود الأعيان والقبائل والسلاطين وإبرام المواثيق المجحفة تحت جنح المال والإمتيازات والتفرقة أقلّ وطأة من الأوروبين فسلموا البلاد والعباد إليها، وحقيقة القول كانت تمهيدا للكولونيالية الغربية في أسيا وافريقيا وأقطار كثيرة من أمريكا اللاتينية، ولم تمكث بريطانيا كثيرا حتى تغلغلت في أوساط الشعب وربوع الأرض وأصبحت الهند دولة مركزية لإمبراطوريتها التي لاتغيب عنها الشمس التي تمتد من أستراليا إلى أمريكا ومن هونغ كونغ إلى غانا، وكان حكم البريطاني للهند يشمل في بعض المرات عدن والشمال الصومالي وجزر المحيط الهندى.

كانت بريطانيا ـ رغم تفوقها العسكري والمعرفي وتماسكها الداخلي ـ الدولة الثالثة أوروبيا التي وصلت إلى الهند، ولكن جاءت بفترة كانت في غاية الأهمية حيث ضعف الحكم الأوروبي في آسيا مما جعلها الوريث الشرعي الوحيد في أملاك البرتغال وهولندا، وبعد وصولها أولت اهتماما خاصا للهند لما لها من ثقل سياسي واقتصادي واستعماري بالنسبة لبريطانيا، لأن احتلال الهند كانت بمثابة إثبات الذات وهزيمة الأنداد الأوروبين في ميدان الاستعمار واستحواذ إرث الممالك القديمة الذين حكموا على العالم طيلة القرنين السابع عشر والسادس عشر بفعل القرصنة البحرية وازدهار تجارة الرقيق ومزارع قصب السكر والقطن والتبغ والبهارات في الكاريبي والبرازيل والسيطرة المطلقة على الطرق التجارية الرئيسة.

كانت الشركة الهند الشرقية East India Company التي أسسها جون واتس في القرن 17م بتفويض ملكي مباشر لتكون وجها تجاريا للتاج البريطاني ترمي إلى إبعاد المنافسين المباشرين من المنطقة الحساسة والإنفراد التام لتلك الأراضي الغنية بمواردها الاقتصادية وموقعها الجغرافي الحيوي وكثافتها السكانية، إضافة إلى إيجاد بديل للتوابل والطرقات القديمة للتجارة العالمية، وفي خضم بحثهم للتجارة البديلة وجدت الشركة أن المنسوجات الهندية قد تكون بديلا مناسبا فبدأت السيطرة على الهند إنطلاقا من هذه النظرية الاقتصادية.

استقر الانجليز على ربوع الهند ومنذ صدور قانون التنظيم وتعيين وارن هاستنجز الحاكم الفعلي العام للهند البريطانية بدأ العهد الفيكتوري في الهند التي لم تكن لقمة سهلة، بل كاد الحلم أن يتبخر  بعض المرات حيث واجه الحاكم البريطاني تحديات جمة ومظاهرات عمت البلاد وحروب شرسة قادها الأمراء الذين ناضلوا ضد التمدد البريطاني، ولكن بفعل السياسة الاستعمارية القديمة الجديدة (فرق تسد) إستطاع أن يفرق الشعب الهندي على أساس الدين والعرق والمصالح مما أضعف النسيج الاجتماعي وضرب الوحدة الهندية في مقتل.

ورغم التغلغل الإنجليزي وسيطرته التامة على مفاصل الوطن إلا أن الاحتلال الرسمي والفعلي لشبه الجزيرة الهندية بدأ فعليا عام 1875م عندما بسط نفوذه على شبه الجزيرة الهندية وسريلانكا وميانمار ونيبال، وبين ليلة وضحاها فقد الهنود أنفسهم ووطنهم وذاقوا الويلات وتجرعوا مرارة الانقسام والحروب الداخلية ونهب الممتلكات والثروات باسم الحضارة والتفوق العرقي والمعرفي، وتحولت القرى والمدن والمزارع والإنسان إلى ممتلكات للرجل الأبيض الذي جاء بحثا عن موطئ قدم وزعامة العالم الذي رسمته أورروبا وقسمته من جديد حسب مصالحها الاقتصادية والسياسية والدينية.

وقد أخلد الهنود هذا التنكيل والتهجير القسري والسادية في بطون كتبهم وأفلامهم وأشعارهم وتراثهم الفني والفلكوري، ومازالت تلك الحقبة المظلمة تشكل ندبة سوداء على جبين الحضارة الغربية التي حاولت إذلال الجموع الهندية وطمس حضارتهم وتغيير معالمهم ونهب إنتاجهم وقتل ماضيهم وتشويه حاضرهم ومستقبلهم.

ومنذ أن بدأت السينما الهندية إنتاج الأفلام الناطقة عام 1931م كان النضال من أجل الحرية وتخليد أسماء أبطال الاستقلال في صفحات التاريخ والذاكرة الجمعية للهنود والعالم الفكرة المحورية والمحرك الرئيس لمئات الأفلام والمسلسلات والمسرحيات، ومن الأفلام التي تناولت قضية الكولونيالية الأوروبية وتعسفها طيلة عقود Lagaan الذي يؤرخ جور الاحتلال البريطاني ومضايقته للسكان المحليين، الفيلم من إخراج أشوتوش جواريكر وبطولة عامر خان وجراسي سينج وراشيل شيلي وبول بلاكثورن، ورُشح لجائزة الأوسكار كأفضل فيلم بلغة أجنبية، وكان الفيلم الهندي الثالث الذي يرشح لهذه الجائزة في حينه بعد Mother India 1957  و Salaam Bombay 1988 وحصل على جائزة فيلم فير لأفضل فيلم وأفضل ممثل عام صدوره 2001م.

الجمعة، 10 فبراير 2017

من سكون الغربة إلى راحة الوطن 



عشت في الغربة أطيافا متعددة، أتعلم أقرأ وأكتب، وأحتضن زاوية المقاهي والقصص الجميلة، أشتاق لشذا الأهل وحناجر السمراوات وهنَّ يغنين على وقع الرقصات الشعبية والألعاب الفلكورية، وكنت أراقب وضع الوطن وهيستريا الشعب وتقلبات السياسة عن كثب، أسير على درب التعليم أتعثر فأنهض ولا أجد من يساعدني أو يواسيني أو يشارك معي إيقاعات الحياة والمتاهات الكثيرة للغربة والضياع سوى الأصدقاء.
وفي كل مغيب على أعتاب الغربة وعلى امتداد السنين والمعاناة، كنت أتذكر الأمسيات الوادعة على أكتاف الوطن برسمه السماوي وتشابكه الجميل ووصفه البديع، أتذكر ضفائر الشمس الخجولة التي تتستر وتختفي وراء الظلام، وخلف الجبال الملصقة بشفق المغيب كعذارى يسقين الحيّ أويسرحن شعرهن بليل صومالي مترع بالشعر والميثولوجيا والأمثال الشعبية وأحاديث الغزوات والفروسية.
كنت أغني كما يغني الشعراء الحالمون بمجد بلدي الذي اشتهر بينابيع الحب والجمال قبل أن تحل عليه نكبات الحروب وعبثية الصراعات ولعنة الكانتونات والتقسيمات الجائرة، وأردد وأنا أعزف ألحان التوجع "غنّي بذكري يابلادي" وكـأني زهرة حمراء في حقول الوطن تدركها العيون بلا عناء، وفي قمة النوستالجيا كنت أخاطب ملعب طفولتي ومسرح حداثتي والشبح ذات الجسد الممشوق والبشرة السمراء الجميلة الذي كان يعتريني في جنح الظلام.
كان قطار الزمن المعكوس يأخذني إلى الرمال الحريرية، والزوارق التي تتمايل على عباب الأمواج، وكنت أحسّ بفرجة الفرحة كلما استحضرت الأيام الخوالي والحكايات المثيرة، وفضول الأعراب، وعيون الشيوخ الغائرة في وسط التجاعيد، والنظرات الشاحبة للوطن. وكانت الرائحة الزكية للتاريخ تفوح كروضة محاطة بسياج الجمال على ضفاف نهر شبيللي التليد.
جمالية الماضي وسريالية الليالي المتألقات كانت ترخي حبال الرحمة للنفس التي تعيش منطقة رمادية، وتدخل السرور في القلوب التي أنهكها التعب، وفي وسط سكون الغربة كانت مخيلتي المخدرة بحب الوطن والتآئهة بعشق أمتي، وملامح أمي التي تذكرني بطيبة أهلي في الوطن الكبير ووُد أمهاتنا اللاتي يحرقن أجسادهن ونفوسهن ليضئن الشموع وينرن الدروب تتعلق بالماضي بكل تفاصيله الدقيقة وألوانه الصارخة وتناقضاته الكبيرة.
معزوفة المشاعر العتيقة كانت تجعل أيامي ساعات طاؤوسية نثر الحب فيها أنغامه الشرقية الهادئة على أحاسيسي البلورية، ونسيم الصّبا المنعش يبلل عطر الشوق في جسدي، وتمر أمامي كلوحة زجاجية شفافة هوس الطفولة للساحرة المستديرة، وشجارنا الصبياني القاتل عند كل هدف يمزق عذرية الشباك، أو كل تمريرة بينية متقنة تفك شفرات المدافعين المتكتلة في المنطقة المحظورة، وكل ركلة طائشة ترسل الكرة إلى المدرجات كسبا للوقت، أوكل مراوغة مبهرة لفنان داخل المستطيل الأخضر يعزف الإبداع الكروي على الضفة الغربية للمحيط الهندي.
لم أنفصم عن تراثي وتقاليدي العريقة، ولم يترك الزمن طابع الحداثة في نفسي، لأني عشت في صغري في بئية محافظة ذات أثر روحي كانت الدين نبضها الأكبر، فكانت نفسي تندمج مع المسجد العتيق في حيّنا والصوت الشجي للمؤذن الموقر الذي تراجيع صوته تشبه صوت مؤذن الحي في مدينتنا، جدران المسجد، والأوراد بعد الصلوات المكتوبة بطريقة جماعية تفيض جمالا، والسبحة في أيدي المسنين، وحتى دورات المياه للمسجد كانت ترسلني إلي سحيق الذكريات في مسجد سوق ويني(Suuq weyne) الشامخ في كسمايو، ولم يكن صوت المؤذن هو الشيء الوحيد الذي تشترك مدينتنا العريقة مع العاصمة العملاقة، بل طريقة الأعراس، وزغردة الحرائر،واللوراي القادمة من أدغال خط الاستواء محملة البضائع والخضروات، وعشوائية المدن، وزحمة الطرقات، تحركت في وجداني ذكريات أبت أن تتصالح مع نفسي الكلاسيكية أو أن يمحوها دجى النسيان في عالم الغربة.
وبين الخيال الفانتازي والليالي الصامتة من حولي والغربة التي تقيدك على رصيفها، كنت أقطع الزمن مع أصدقائي في الدراسة وزملائي في رحلات الحياة، وممن عاشو معي على بساط التعليم وفي صروح المعرفة، وكنت أنفث الأحلام في كنف الحكايات والأساطير الموغلة في التراث الشعبي، والليالي الملاح والأحاديث الشبابية الساذجة وعلى وقع النبرات الصوتية التي تعاني من المنطق المعاكس للحياة والألحان الحزينة للترحال والنوى.
كنا شبابا يحتضن ذكريات الحب المليئة بالتراجيديا، لأن الحب لا يتماسك أمام عاصفة الفراق والجفاف العاطفي الذي غالبا ما يكون الإبن الشرعي للفراق، بل يتساقط الحب في أغلب الأحوال كأوراق الأشجار التي عصفت بها زوابع الخريف.
وللأصدقاء والأحبة دوما مكانة خاصة في قلبي، وأنا منذ أن تورطت حسن النية والطيبة أوقل إن شئت (السذاجة والحب في عالم تقوده المصلحة ويسوقه الجشع)، اخترت أطيب وأحسن مكان في ردهات قلبي ليكون عنوانه "للأصدقاء فقط"، وممنوع الإقتراب إليه ومخصص للزملاء، سواء كانو ممن عرفتهم عن كثب وعن طريق العالم الواقعي أو جمعتنا الحياة صدفة وبدون مقدمات وتفرقنا ونحن نذرف الدموع ونتسارع مع الزمن، ونحاول أن لا ينسي أحدنا على الآخر، أو جمعتنا التكنولوجيا والعالم الإفتراضي في بحوره وفي وسطه المشحون بالشعور المتناقضة والأقنعة المزيفة.
أخص بالذكر أصدقائي الذين اقتسمنا تكاليف المعيشة وسامرنا كثيرا في ردهة البيت الذي كنا نسكنه بجو من الألفة والتناغم، وحياة قوامها الإخاء والوفاء، نجلس تحت الفضاء في سطح العمارة نستمتع بكل ما للحظات الصداقة من المزاح والتسلية، وكبابي الشاي الممزوجة بالقهقهات تدور كحلقة متصلة بيننا.
أجواء السمر المشحون بالأحاديث الجذابة وذكر النساء وحديث النساء له شجون ووقع خاص يثير الشعور ويلهب الخواطر هنا في الغربة، وهناك وفي المنافي البعيدة لابد للمشتاق أن يتذكر النظرات القاتلة والتغنج المميت والدلال الأنثوي التقليدي. ولاشيء يعادل لذة التعامل مع عطر ذكر الأنيقات سوى القراءة الماتعة حين تلاطفك نفحات الفجر الفواحة.
أصدقائي أثروا في حياتي وكانوا مصدرا لإلهامي، وكانت حياتنا ملتصقة ومتصلة طيلة السنوات التي عشنا معا، وكان تشجيعهم يذكي في نفسي جذوة الكتابة والمثابرة، وأمثال عبد الرزاق محمد عمر الذي أصبحت حياتنا مرتبطة منذ نهاية القرن المنصرم عندما كنا أطفالا يغدون إلي مدارسهم، كان شعلة مضئية في حياتي، دمث الخلق رقيق المشاعر كريم السجايا أمهرنا في المراوغة داخل المستطيل الأخضر وأكثرنا حماسة في جميع الميادين، ولا أنسى آدم حسين عثمان(حمرى) مشجع من الطراز الأول للبلوغرانا(برشلونة)  والصديق الحميم لمجلة سوكر الرياضية، شخصية مهذبة ما لم تخرج عن النص، حياته المرتبة وشخيره المزعج ومزحته القاتلة التي تحول المجلس إلى صخب ولغظ وضحكة مجلجلة طالما خففت عنا ألم السهر.

أفجوي والطبيعة الباذخة


أفجوي مدينة الجمال والبساتين والحكاوي والتراث الصومالية حيث اشتهرت المدينة بطبيعتها الخلابة وألعابها الشعبية وطابعها التاريخي والثقافي التي احتفظت به المدينة رغم سنوات الحروب والتهجير التي حولت لوحة الصومال الجميلة إلى لوحة كالحة وكئيبة، كما تعتبر أنها من إحدى أهم المدن في الجنوب الصومالي بكونها سلة الغذاء والجمال وموطن الفلاحين الذين هم عصب الحياة في وطن يعتمد على الرعي والزراعة.

موقعها المتميز ولمساتها الخاصة إضافة إلى التخطيط الجيد والمباني القديمة جعل أفجوي مدينة لها تأثير خاص في الوجدان الصومالي لذا نجد اسمها يتردد في الأمثال والقصص والفن الصومالي بكافة أنواعه. قبل الإستعمار الإيطالي الذي سيطر على المدينةفي بداية القرن العشرين كانت قبلة السياح لكونها تتمتع بكافة المرافق السياحية والحيوية ما جعلها مدينة يقصدها الجميع في العطلات الرسمية والأعياد الدينية والوطنية.

تركت المدينة انطباعا جيدا على مشاعري وتعلقت بجمالها وبساطة الحياة في أحيائها العتيقة منذ زيارتي الأولى عام 1998م، أحببت إبتسامة الأطفال وهم يلعبون أسفل الجسر وتمنيت أن أتمدد في داخل الأكواخ الحالمة على ضفاف نهر شبيلي، وركضت وحيدا صوب الحقول والحدائق المنتشرة على طول أفجوي الموغلة في جمال الجغرافيا والمترعة بنشوة الرقصات الشرقية الهادئة.

في الزيارة الأولى كانت المدينة تشبه قرية إستوائية تكاسلت الشمس في أفقها، وتغفو على ضفاف الجمال والغابات الكثيفة لذا كانت زيارتها من إهتماماتي الخاصة منذ أمد بعيد، وبعد عقدين من الزمن تقريبا قصدت صوب معبد الجمال والمدينة الفاتنة بحماسنها وغنائها وتفردها الشعبي حيث تحتضن المدينة القبائل الصومالية والعربية إضافة الى الجاليات الأخرى التي كانت المدينة تضمهم منذ أن إستقرت هذه الشعوب في التربة الصومالية.

ذهبت مع رفاقي إلى أفجوي المدينة الآسرة التي إستمدت تاريخيا حيويتها وإستراتيجيتها من موقعها المتميز لكونها البوابة الجنوبية الغربية للعاصمة مقديشو التي تبعدها حوالي 30كم، وتزود أفغوي مقديشو بمعظم إحتياجاتها من الخضروات والفواكهة لذا تشكل نبض مقديشو ورئة مهمة تتنفس منها العاصمة.

كانت الأجواء صيفية ساخنة وأرتفعت الرطوبة في الجنوب الصومالي إلى أعلى مستوياتها، لأن الشمس كانت تجري تلك الأيام على خط الإستواء الذي يمر بالنصف الجنوبي من الصومال، كان الحر يشتد والرطوبة تزداد والعرق يتصبب كلما توغلنا في السفر الذي تحول أخيرا وعندما وصلنا إلى عين الجمال وإبتسامات جميلة مارسناها على وقع رقصات الأغصان وصوت الأوراق التي تعزف أجمل الألحان.
في وسط مروج أفجوي الخضراء وعلى حافة أحد الحقول الزراعية التي كان العمال منهمكون بحرثها، إلتقيت بمزارع مسن يبدو على جسمه بقايا قوة وعضلات كانت مفتولة في زمن الصبا والشباب، جاء من أقصى الجنوب الصومالي حيث المدن التي أعرفها جيدا وقضيت فيها سنوات الطفولة وأنضر أيام عمري، تحدثنا كثيرا عن القرى الناعسة على ضفاف نهر جوبا العريق بدءا من جلبJilib زهرة المدائن الواقعة على سهول نهر جوبا التي أسرتني منذ أول زيارة بجمالها قبل 15 عاما، مرورا بكمسوما Kamsuma سرة المدن وهمزة الوصل بين الإقليمين التوأمين جوبا السفلي وجوبا الوسطى، مرورا بكلانجيKalanje ومريري Marereyمصنع السكر الذي كان أكبر مصنع سكر في الصومال وثاني أكبر مصنع في القارة السمراء، وتطرقنا على مزارات المتصوفة عن بلد الكريم BaladAlkarim، ومانموفو Manamofa، وبارسنجوني Barsanguni، هذه القرية السياحة التي ينصفها خط الإستواء، وبإمكان الإنسان أن يعيش فيها لحظة تاريخية نادرة الحدوث، حيث يستطيع أن يضع رجله اليسرى على النصف الشمالي من الكرة الأرضية ورجله اليمنى على النصف الجنوبي من الكرة الأرضية.

لم أكن أتوقع أن أجد على ضواحي أفغوي الرائعة وفي وسط أناقة الأزهار التي تكاد أن تتكلم وتبوح بكل مالديها لمرهفي الإحساس وأصحاب القلوب النقية من أتحدّث معه عن القرى النائية، والمدن الصومالية العريقة، والأرياف التي أعرفها كثيرا وبعضها كنت أتردد عليها في صغري وأيام المراهقة الجميلة.

حاول العم إبراهيم رغم قصر يده والبساطة التي تظهر عليه أن نكون ضيفا على أسرته وأن نذهب معه إلى البيت، ولاغرو فالأرياف الصومالية التقليدية التي تحمل طابع العراقة والأصالة التليدة التي لم تتلون باللون الأحمر بسبب نافورة الدماء التي سالت، ولم يتغير طباع ساكنيها بفعل الحروب العبثية والصراعات العقيمة التي تاه الشعب في دروبها الطويلة ومتاهاتها القاتلة أكثر من نصف قرن من الزمان، تبقي وفيّة لتقاليد الصومال العريقة وأصالة شعبها الكريم المتسامح الذي يرى عدم إكرام الضيف من أقبح العادات التي يفعلها الإنسان على مر العصور.

وجدنا في الأماكن النائية وفي العمق الزراعي لأفغوي شعبا متسامحا كريما، ورياحا لطيفة تلامس وجه النهر الهادئ، وسهولا نهرية ملئية بالأسرار والخيرات، وإبتسامات برئية لأطفال يسرحون البقر على المراعي الخضراء، وأزهارا متعددة الأنواع والأشكال والألوان، وجداول رقراقة تناجي عناقيد المانجو، وأغصانا تحن وتشتاق لبعضها، وحقول السنابل التي تلاطف أوراق الموز برقة ولين كأنه فنان أوبرالي مترف بالأحاسيس العتيقة، وترعات تحيط بأشجار الباباي التي تئنبالحمل الثقيل.

هناك وفي جزيرة مزدانة بالخضرة الداكنة وقفنا نخلد ذكريات الأيام ونوثق صدى الساعات الطوال التي قضيناها مع صحبة الأماجد والرفاق الكرام، وهناك وعلى ذرى الطبيعة ووقع صوت العصافير التي تترنم كمعزوفة شرقية حالمة، وزقزقة الحمائم المزهوة بالخضرة، والبطاريق المتبخترة، والدروب الخضراء المتقاطعة، والمروج التي تتزاحم على جنبات الطريق، والأزقةالضيقة التي يعبرها القرويون بدراجاتهم وتقودنا نحن إلى قرية هرر التي تبعد قرابة 15كم شمال أفغوي، كانت الوجوه تتلألئ، والأفواه مبتسمة، وفوق الأغصان الملتفة التي إتحدت وتعانقت كأنها تحس بدفئ الحب ومرارة الفراق وفي وسط زحمة الأعشاب الملتصقة بالنهر كان تغريد القمرية يطرب العقول، وكأنها تردد أغنية الشوق والهوى لصاحبة الصوت الطري هبة نورا وحنجرتها الذهبية تردد رائعتها المشهورة:
(Doob qalanjadiisi gabay)
"عازب خيب آمال حبيبته"

Gorfeynta buugga "Geylame"

  Buugga “Geylame” ee uu qoray Xassan Maxamuud Qorane, waxa uu nuqul ka mid ah gacatayda soo galay Habeenkii la soo bandhigayey oo ku beegna...