‏إظهار الرسائل ذات التسميات السياسة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات السياسة. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 20 مارس 2025

تنزانيا.. حيث تلتقي أفريقيا (1)



على سلّم طائرة صغيرة تابعة لـ (طيران تنزانيا) وفي أجواء ماطرة اكتحلت الأرض بإثمد الليل كنت ممتلئا بتفاصيل الرحلة، وكيف ستكون زيارتي لدولة تمتد على مساحة شاسعة من التنوع الجغرافي والبشري والتاريخي. على معقد ضيق للغاية سألني المضيف المتباهي بلغته الإنجليزية المشبعة باللكنة الأفريقية: "كيف أساعدك يا سيد حسن؟" لم أعر اهتماما لسؤال لم تكن مفاجئة على أي حال. لم يكن في خلدي سوى البحث عن إجابة مقنعة لتغيير الطائرة من بوينغ 737 إلى طائرة صغيرة لا تتسع لأكثر من عشرين راكباً. أقلعت الطائرة وشقت طريقها عبر سماء ملبدة بالبرودة والغيوم وربما القلق. تحت جنح الظلام كانت روايتي الأخيرة غيلمه (Geylame) التي تتناول قضية الاستبعاد الاجتماعي في الصومال - حاضرة في ذهني. هل ستجد الصدى المناسب؟ هل ستساهم في بناء الوعي وتماسك الهوية وتحقيق السلم المجتمعي؟ ولماذا يهين الإنسان بأخيه الإنسان؟ بعد دقائق وصلت الطائرة إلى الارتفاع المطلوب وأطفأ الطيّار إشارة أحزمة المقاعد وبدأ المضيفون في تقديم الطعام والشراب للمسافرين.

كان منتصف الليل بدقائق حينما حطت الطائرة على مدرج مطار جوليوس نيريري في دار السلام. تفاجأت بهدوء المطار وكأنه مطار لقرية صغيرة وليس بوابة جوية لأكبر مدينة في شرق أفريقيا من حيث عدد السكان، إذ تحتضن حوالي 9 مليون نسمة. وصلت المطار متلبسا بترقب نابع من حكايات الصوماليين الذين مروا بتنزانيا في طريقهم الى جنوب إفريقيا التي كانت في الفترة ما بين 1994-2010م فرصة اقتصادية واعدة، وكانت سجون تنزانيا -كغيرها من دول الممر- مكتظة بصوماليين هربوا من جحيم بلدهم المنهك بالحروب الأهلية إلى الوطن الصاعد الذي تحرر من الفصل العنصري وسطوة البيض سياسياً.

الإجراءات كانت سهلة، ولم يكن الأمر كما توقعت على الاطلاق، بل حفاوة الاستقبال جعلت جلّ ما في جعبتي مجرّد تصورات متخيلة. في كونتر الجوازات استقبلتني سيّدة في أوائل الخمسينات من عمرها بابتسامه لطيفة وتمنيات بإقامة طيبة دون أن تسأل عنّي سوى وضع أصابع اليد على أجهزة التبصيم. ابتسامتها الأمومية كانت مفتتحا بأسبوعين من الصفاء الروحي والاكتشافات المذهلة لدولة تحاول النهوض تحت ركام التحديات. تنهدت بعمق وأفردت ذراعي لمدينة تدون نهضتها بصمت وشعب يعانق الحياة بكل ودّ. تجاوزت كبينة الجوازات ورأيت من بعيد سائق تاكسي الفندق الذي احتجزته مسبقا ينتظرني عند بوابة الوصول حاملا لافتة كتب عليها اسمي. وبعد التحية وتبادل العناق انطلقنا نحو الفندق في رحلة استغرقت قرابة نصف ساعة.

كانت دار السلام تبدوا وراء ظلمة الليل مدينة نابضة بالحياة، ولكن بدت لي عند وصولي وكأنها غانية نامت بعد يوم شاق. كانت الشوارع خالية إلا من عمال وشاحنات ورافعات البناء وهدير الجرافات وصينين لا تخطئها العين في مدن وقرى تنزانيا التي تعتبر أكبر دولة متلقية للمساعدات الصينية في أفريقيا. في الأسابيع اللاحقة علمت أن علاقة البلدين قوية للغاية، وأن الصين ظلت ولعقود أكبر شريك تجاري لتنزانيا. منذ عهد الرئيس التنزاني الأسبق جاكايا كيكويتي (2005-2010م) شهدت العلاقات الصينية التنزانية تطورا ملحوظا في كل المجالات بما في ذلك المشاريع العملاقة والبنية التحتية والسياحة والتبادل الثقافي وصناعة الأفلام، إضافة إلى التدريبات والمناورات العسكرية ومكافحة الإرهاب. والمتتبع يلاحظ أن علاقة الدولتين تجاوزت الأطر الدبلوماسية إلى آفاق أرحب ومحبة بين الشعبين، وتدل كلمة "رفيقي" التي يستخدمها التنزانيون للصينين دون غيرهم من الشعوب مكانة الصينيين لدى المجتمع التنزاني.

الثلاثاء، 25 أبريل 2023

من مقديشو إلى القاهرة.. وإن طال السفر (2-5)


في السادس من كانون الأول ديسمبر2022م استيقظت من النوم وحلكة الليل ما زالت في الأفق. كانت هواجس اللقاءات المرتقبة تتسابق في خيالي وأتساءل: ما جدوى المؤتمر؟ هل سيختلف عن المؤتمرات العبثية السابقة؟ هل كلمتنا ستجد صدى مناسبا؟ وكيف سيبدو مبنى جامعة الدول العربية الذي ضمّ يوما ما بين دفتيه زعماء العرب التاريخيين باختلاف مشاربهم ومبادئهم وفلسفة حكمهم؟ على وقع هذه التصورات ذهبنا إلى مقرّ جامعة الدول العربية التي سئمتْ من الأزمة الصومالية، ومن تسوّل وزراء تخرجوا من أكاديمية التفاهة ولا يحملون ذرة من الكرامة، وسفراء لا يعرفون البروتوكول الدبلوماسي، ومندوبين ليسوا محنكين ولا مؤهلين لتمثيل وطن يمر بمنعرج خطير. وبسببهم اقترنت "الصومال" في المحافل الدولية بالمهانة وعدم الجديّة، وكلها إفرازات طبيعية للقهر وخواء الذات، وسلوك يعكس عمق أزمتنا!

في قاعة متوسطة الجمال وفي وسط حضور عربي وأممي تقرأ على تعابير وجوههم عدم الاكتراث كنت أعاني من حرج شديد لدرجة أنني لم أتجرأ على النظر إلى عيون الحاضرين أو جذب أطراف الحديث معهم! إلى متى نقرع الأبواب ونمد أيدينا للغير نطلب منهم المساعدة؟ كنت أشعر بحمرة الخجل ونحن نعرض مأساتنا على دول أقل منا إمكانية من حيث الموارد الطبيعية والموقع الجغرافي وحيوية الشعب، وأمام هيئات تستفيد من مأساتنا. باستثناء الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط وبعض رؤساء البعثات لم تكن الوفود والممثلون معنيين لوقائع المؤتمر، بل كان الكسل واللامبالاة والاشتغال بالهواتف الذكية والمحادثات الجانبية سيد الموقف، وكأن لسان حالهم يقول: "يتكرر الجفاف ومعه تتكرر المجاعة ومناشدة المجتمع الدولي ولا أمل في الوصول إلى حل جذري لشعب غاص في وحول الحرب ومستنقعات الانقسامات، لذا من الأحسن ألا نصدع رؤوسنا بمعضلتهم". ورغم برودة الجوّ العام إلا أن النقاش اتسم ببعض الجدية ولم يخل مسحة من الامتنان وتضخيم المساعدات التي قُدمت للصومال في العقود الأخيرة، واجتهدت المنظمات الدولية التي تأخذ باسم الصومال ملايين الدولارات وتبذره بأجنحة الفنادق الفاخرة والرحلات السياحية في حلب العرب بعد أن جف ضرع الغرب. أما المبعوث الصومالي فقد أشار الكثير في كلمته ودعا الجميع إلى التحرك السريع وإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.

انتهى المؤتمر بتوصيات لن تنفذ وكلمات لن تصل إلى أذن واعية، وانتهت أيامي في فندق انتركونتيننتال سميراميس وعدتُ إلى الحياة الطبيعية. وقبل أن أنتقل إلى مدينة نصر حيث الطعام الصومالي وصخب الحياة وصديقي زكريا الذي ما زال نديّ الروح صومالي الطابع ذهبت إلى ماسبيرو (الإذاعة والتلفزيون المصري) لمشاركة برنامج «طقوس الإبداع». كانت مقابلتي مع الأستاذ الصحفي خالد منصور تاريخية ذلك أنها كانت الأولى من نوعها في مسيرتي الكتابية بعد سنوات كنت أتحاشى من المقابلة التلفزيونية خشية التلعثم أو التعثر الكلامي. في غيهب الغسق وقفت أمام مبنى ضخم متعدد الأقسام بني في أوج عزّ ثورة ضباط الأحرار (انقلاب 23 يوليو) ولقب باسم العالم الفرنسي جاستون ماسبيرو. كان حديثي مع الصحفي - الذي فاجأني بعد المقابلة بأنه كان يعتقد أنني لا أجيد التحدث باللغة العربية بسبب قلّة كلامي وتحفظي في الحوار والدردشة على الماسنجر- يدور حول كتاب «الصومال.. زوايا غير محكية» الذي أبهر كل من قرأه من المصريين والعرب حتى قالوا عنه: «يحمل مراثي الصومال وملامح كسمايو". وأعتقد أن السبب ليس في قوة محتواه أو أناقة أسلوبه رغم أني بذلت قصارى جهدي بقدر ما هو أن القارئ العربي لا يعرف شيئا يذكر عن الصومال التي ابتعدت عن المسار العربي في العقود الأخيرة، وبالتالي كل ما يتعلق بهذا البلد المنسي يعتبر ثروة لا يمكن التفريط فيها. في البداية كنت متوتراً وكنت أخاف أن أقع ضحية للهلع الذي يعتري الإنسان في مثل هذه المواقف، ولكن مرّ الموقف بسلام، وخرجت الكلمات من فمي بسلاسة وأريحية غير متوقعة. لقد تحدثت عن صومال الأمل والتحدي.. صومال الشعر والأدب والقوافي والنضال والرقصات الجميلة.. الصومال التي ترفض أن تحل الظلامية واللصوصية محل الجمال والإبداع.

في القاهرة لم أكن حبيس العزلة ولا بعيداً عن نبض الشارع وندوات المثقفين وزحمة الأسواق ودهشة التاريخ، بل وطدت علاقتي بكتاب ومثقفين من شتي الأقطار الأفريقية والعربية وانخرطت في الحياة الثقافية. في الندوة الأولى في الصالون الأفريفي بالتعاون مع الاتحاد العام للطبلة الأفارقة بمصر تحدثنا عن حقيقة الهوية الإفريقية والانتماء، ومن هو الأفريقي في زمن السيولة؟ وهل البشرة السوداء مقياسا للأفريقانية؟ إذا كانت الإجابة بنعم فكيف يمكن للبرازيلي الأسمر والجامايكي أو الزنجي الأمريكي أن يكون أفريقيا رغم بعد المسافات واختلاف الثقافات؟ بينما المصري والجزائري والمغربي ليسوا أفارقة وهم يعيشون في أفريقيا؟ هل المعيار هو الجغرافيا والمكان؟ إذا كانت الإجابة بنعم فكيف لمارغوس غارفي ألا يكون أفريقيا؟ وهل التمسك بالهوية الأفريقية تعني عدم مواكبة العالم والتقوقع في محارات الذات؟ وكيف نوازن الهويات المتعددة؟ كان نقاشا مستفيضاً خاصة وأن الحضور كانوا نخبة مثقفة تحمل الهمّ والانتماء، وتدرك أن قارة المستقبل أمام مفترق الطرق، وأنها تفتقر إلى قيادة ذات كاريزما بعد جيل الاستقلال الذي حاول بناء هوية افريقية جامعة وعاش مع حلم التحرير وتوحيد أفريقيا. في القاعة التاريخية التي مرّ عليها عمالقة القارة التقيت بجيل شاب اعتنق البان آفريكانيزم حتى النخاع، ويسعى بعزم وإصرار نحو أفريقيا الموحدة والمحررة من التبعية.

السبت، 15 أبريل 2023

من مقديشو إلى القاهرة .. وإن طال السفر (1-5)




كنتُ منغمسا في القراءة في وسط غرفة مطلة على أطلال الكاتدرائية الكاثوليكية القديمة في حيّ حمرويني في مقديشو عندما اتصل عليّ المبعوث الرئاسي الخاص للشؤن الإنسانية والجفاف عبد الرحمن عبد الشكور يخبرني بأننا سنسافر إلى جمهورية مصر العربية لمشاركة «مؤتمر جامعة الدول العربية والأمم المتحدة حول الجفاف والأمن الغذائي في الصومال». على جناح السرعة جهزت نفسي للسفر ورافقت المبعوث -الذي منذ أن تولى مهمّة لفت انتباه المجتمع الدولي للجفاف الحاد اختارني ضمن فريق عمله- إلى القاهرة؛ جوهرة الشرق وقبلة المفكرين والأدباء. في مكتب المبعوث الذي كان يعج بالحركة والعمل الجاد، كنتُ مسؤولا عن الملف العربي الذي كانت الحكومة الصومالية تعوّل عليه بعد انشغال الجهات الغربية المانحة بالأزمة الأوكرانية وتراجع أداء اقتصاداتهم.
كغيري من الصوماليين كنت أبحث عن مهرب من حياة محاطة بالخوف، ومدينة تفتقر إلى كيمياء الحياة السعيدة، وتتسابق فيها البنايات الشاهقة وركام الحرب والعشوائيات مما جعلها غير متناسقة. وفوق هذا كله سأبتعد ولو مؤقتاً عن المتاريس والطرق المغلقة على الدوام والرعب الناجم عن إطلاق الرصاص العشوائي يوميا في مدخل مقر محافظة بنادر الذي لا يبعد عن شقتي سوى أمتار قليلة. بعد كل إطلاق مكثف للنار كان الألم يجتاح أضلعي فأطلّ بعنقي بطريقة اللاإرادية من النافذة لأقيّم الوضع بعينين حزينتين وقلب يخفق بشدّة. أجول ببصري حول طريق غارق بمليشيات معفرة بالبؤس وتوك توك (Auto rickshaw) تنتظر الركاب، وملامح لا تبالي ولا تكسوها الخوف. الحياة تسير بوتيرتها الاعتيادية، والمارّة تضحك ولا تهتم بهدير البنادق وكأنها تتلذذ بموسيقى البيكا، وأنغام الدوشكا، وألحان آي كي 47، والعزف على وتر المسدسات.
"لا شيء يدعو إلى القلق يا حسن.. مجرّد حراسة أمنية تطلق الرصاص على الهواء لكي تفسح الطريق أمام سيّارة مسؤول عالقة في الزحمة" يقول صاحب الشقة؛ وهو يتابع التفاهات السياسة، ويتصفح غثاء المواقع الالكترونية الصومالية بنهم ستيني عاد لتوّه من الغربة ويمني النفس بحياة مستقرّة في خريف العمر.

في زيارتي الأولى لمصر عام 2017م كنتُ هاربا من العزلة الثقافية، وسائحا يحدوه الشوق إلى زيارة معالم القاهرة وآثارها الفرعونية ولمساتها الرومانية ومعمارها الإسلامي،‬‬ وبعد 5 سنوات ها أنا أسافر إليها من جديد ولكن بمهمة رسمية وآمال عريضة؛ لفت أنظار أشقائنا العرب إلى الصومال التي -إلى جانب الحرب الأهلية- تزخر بالثروات الطبيعية، وإمكانات استثمارية هائلة. ورغم أن العرب لم تغب يوما عن الصومال إلا أننا كنّا نحمل تصوراً جديدا لحل الأزمة الإنسانية المتكرر في بلادنا: "الإغاثة والمساعدات الإنسانية بعد كل موجة جفاف -رغم أهميتها- لا تعزز قدرة الشعب على الصمود أمام الكوارث الطبيعية، بل ستساهم في تعزيز الكسل والاتكالية. والشعب الصومالي في أمسّ الحاجة لمشاريع انمائية واستثمار عربي على القطاعات الاقتصادية الواعدة والخالية من التنافس. الاستثمار العربي للصومال ليس حلاً جذريا لها فحسب، بل سيكون حلاً للوطن العربي - برمته- الذي يواجه تحديات مستقبلية لعل أبرزها «انعدام الأمن الغذائي».

مستسلما لأفكاري ومتاهة الليل وصلت إلى المطار. كان مزاجي مكتئبا وأنا أضع رجلي على سلّم الطائرة بسبب تداعى ذكريات الطائرة المصرية التي تحطمت فوق البحر الأبيض المتوسط عام 2016م. أقلعت طائرة بوينج 737-800التابعة لــ «مصر للطيران» ولساني يلهج بــــ {يا خفي الألطاف نجنا مما نخاف} وحلّقت فوق «مدينة يجد فيها المرء أحلامه» بعتبير كارين بلكسين. في المقاعد الأمامية جاورت مع ممثل مصري صوّر مشاهدا من مسلسله القادم في المحافظة الساحلية الكينية. كان سعيداً بدوره كضابط شرطة يتحاشاه الجميع، ويعاني من رهاب الطائرة، وطيلة الساعات الأولى من الرحلة كنت أبدد مخاوفه بالحديث عن الأحداث العالمية، وعن كرّة القدم ومحمد صلاح، وعن الأفلام والكتب، ومفكرين مصريين صنعوا المجد الثقافي لبلده، ورغم أنه لم يكن متضلعا في الشأن الثقافي إلا أنه استأنس بالحديث معي، وحدثني بدوره عن الاعتبار الذي وجده في الفن ولم يجده في الحياة الحقيقية.

في وسط أجانب يتهامسون ومصريين يبدو على ملامحهم سعادة العودة إلى وطنهم كان صومالي في ميعة الصبا ويتحدث الإنجليزية مثل ريموند ردينغتون (جيمس سبيدر) في مسلسل «القائمة السوداء»، محاطاً بفتيات شقراوات يغنين ويضحكن باستمرار، بينما كنت وحيداً في ركن قصيّ من الطائرة أقرأ الثورة الساندينية ومذكرات الشاعرة النيكاراغوية جيوكوندا بيلي «بلدي تحت جلدي». ورغم الدور البطولي الذي كان يمثله (في نظره) إلا أنني شعرت بالشفقة تجاهه. كان ضحية من ضحايا الحرب الذي دمّر صومالية الصومالي، وشوه شخصيته واغتال قيمه وبنيته الاجتماعية، وهذا ما يريده الغرب الذي فتح أبوابه للصوماليين الهاربين من جحيم الصراعات العبثية؛ صناعة صومالي يتقن نحت أفكار الغرب، ولا يعرف من الإسلام إلا الشعارات. وهنا لا ألوم الشعب الذي عاش وما زال يمارس حياة لا جودة لها بين مطرقة زعماء الحرب وسندان التطرف الذين لم يتركوا لهم أي خيار آخر. في الغرب ليس هذا الشاب الذي يرتدي ويتزين بأقراط الأذن مجرد مهاجر يعاني من أزمة الهوية وعدم قبول المجتمع فحسب، بل هو أسود مسلم وصومالي أيضاً، ومن الممكن أن الهزيمة النفسية ورحلة البحث عن الذات أبعدته عن تقاليده ولم تشفع له أمام أصحاب «تفوق العرق الأبيض». ولولا المرأة الصومالية المسنّة والمحجبة، والملامح التي لا تختفي لما عرفت بسبب مظهره وجسمه المغطى بالوشوم والرسوم والبعيد عن الذائقة الصومالية.

بعد رحلة استمرّت 5 ساعات إلا قليلاً حلّقت الطائرة فوق النّيل المهيب الذي شكّل هوية مصر ونهضتها عبر التاريخ، وأفردت جناحيها فوق مدينة متوهجة على كتف «النهر الخالد» وأفكاري تتحدث إليّ. هل كلمتنا ستعكس على حدّة الجفاف الذي تركناه وراءنا؟ هل مخرجات المؤتمر سيساهم في إنقاذ شعبي من الانزلاق نحو المجاعة؟ كان رأسي ملئ بالاجتماعات المرتقبة والمآلات الممكنة عندما لامست عجلة الطائرة على مطار القاهرة الدولي. استقبلتني صالة الوصول بآية من الذكر الحكيم: {ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} وقابلتها بذراعي مفردة على اتساعهما. مزهواً بسلامة الوصول ومستغربا بشحوب المطار مقارنة بأقرانه من الدول العربية وحتى الأفريقية وقفت أمام شرطي الجوازات الذي الصق جوازي بشاشته الآلية، وبعد إمعان وقراءة متأنية للاسم والتعمق في تفاصيل الوجه طلب مني أن أنتظر وراء الحاجز الزجاجي ريثما يعود لأن اسمي مدرج على القائمة الحمراء! سألت باستغراب: "لماذا اسمي مدرج في القائمة الحمراء ولم أقترف جرما؟" فردّ عليّ: "مهلاً يا حسن! أما تعرف أن نصف المصريين يحملون اسم حسن، والسلطات القضائية تلاحق الكثير منهم، إضافة إلى أن بلدك يعاني من سطوة التطرف؟" وقفت في ركن قصي من المبنى أنتظر قرار الشرطي الذي لم يعاملني كإرهابي محتمل، بل كبريء حتى تثبت إدانتي، وهذا لو تعلمون عظيم في مثل هذه المواقف. أمرني شرطي آخر بأن أتبع صديقه الذي يحمل على يده اليمنى جوازي واليسرى جهاز اللاسلكي، فذهبت أقتفي أثره حتى وصلنا إلى كابينة فيها ضابط رفيع المستوى -وفي منتصف العقد الخامس من عمره تقريبا- قابلني بوجه سعيد وابتسامة تعكس طيبته. قلّب الضابط صفحات الجواز وسأل صديقه دون أن ينظر إلى ملامحي: "هل هو صومالي؟" فأجاب بنعم. فقال له: "أعط جوازه.. مجرّد تشابه في الأسماء ليس إلّا.. أهلا بك يا حسن.. نوّرت مصر". غادرتُ المبنى ولساني يردد: نوّر الله قلبك بالإيمان يا رئيس.

خرجت من المطار مثقلا بالبحث عن إجابة مقنعة للتوقيف المتكرر. في باحة المطار وفي وسط شتاء أرخي بظلاله على الشارع لمحت صديقي عبد الفتاح طاهر عِلمي يلوح بيديه من بعيد. ذهبتُ مع عبد الفتاح الذي شاركت في حفل زفافه في الأسبوع الأخير من شهر يناير 2023م إلى فندق انتركونتيننتال سميراميس ونحن نتحدث عن أشياء كثيرة.. عن الكتابة والمنافي التي تهدّ نضارة الجسد، وعن تفاهة مواقع التواصل الاجتماعي والوعي الزائف، ولم ننس عن حثالة متطرفة تسيطر على مفاصل الوطن، وشعب يتشبث على الحياة ويبحث عن معناها. وفي خضمّ حديثنا أشدنا بالحملة العسكرية ضد حركة الشباب واتفقنا على أن وحشيتها ورفضها لكافة الحلول أعطى الشعب حافزاً للمقاومة وزرع في نفسه روح التحدّي والتمرد، وأنها (إي الحركة) فقدت جزءا كبيرا من هيبتها وقوتها، ليست لأنها انهارت عسكريا أو أفلست اقتصاديا، بل لأن الشعب تحرر من الكبت، ولم يعد يخاف من بطش حركة تجيد ثقافة الخوف، ونهب الأراضي وفرض الاتاوات. لقد بدأت حناجر لا تصمت تهتف ضد التوحش، وتدعوا إلى الحرية والسلام.

الجمعة، 4 أكتوبر 2019

إنهم لا يعرفون كيف يضحكون !



في الطابق الرابع والعشرون وفي نافذة مطلة على شارع يرتاده الهاربون من ملل الحياة ومن قرّ الخريف الماطر تبدو المدينة وكأنها سجادة زاهية مبسطة على مساحة شاسعة من النور والغموض، نوافذ مضيئة وأخرى معتمة وسيارات تنساب كأنهار أفريقيا قوة وتتابعا، وعمال يحملون ملامح مجهدة وغارقة بتفاصيل الأيام، وأبراج سامقة تعلوها أنوار باهرة كالقناديل.

أراقب نبض المدينة ولا أعرف ما يجري في داخلها. حيوية البشر وكفاحهم ضد الفناء، الاستجابة المفرطة لنداء الطبيعة، أنقياء يعبدون الخالق في زاويا معتمة، وحشاشون يستمتعون بنشوة الجرعات، ومراهقون يضاجعون أيديهم ويمارسون الجنس الذاتي، وسرّاق يتحسسون وسط حقول ملغمة ويسيرون على أصابع القدمين خوفا من صحوة متأخرة لعجوز انتابته نوبة سعال في الهزيع الأخير من الليل، ومرضى نفسيون تقتلهم الكآبة في الغرفات. إنها مساحة مثالية وخالية نستطيع أن نسقط عليها ما نشاء من التصورات والإيحاءات. من بعيد تشبه المدن النفوس البشرية التي لا نعرف كنهها وما يعتريها من الألم والسعادة والأمراض في عالم ربع سكانه يعانون من الأمراض النفسية.

مدينة لا تبلى ولا تشيخ ولا تنقضي زحمتها. باردة الإشراق كما عهدنا، دافئة الابتسامة في كل حين، لها ملامح أمومة ورائحة أبوة وتعج بصخب المجون والملاهي، ويرتفع فيها نداء الإسلام ليذكرنا بالمآل كلما جرفتنا الأمواج بعيدا نحو هاوية الملذات، وفيها ملايين من البشر تدفقوا من الفجاج فمنهم من وجد ضالته، ومنهم من أغرقته الحياة، ومنهم من يحاول الوصول دون أن يملك مقومات الصمود، ومنهم المغرد على قمة النجاح. إنها الدنيا وتلك شجونها. مصممة بطريقة بعيدة عن تمنياتنا وتريد منا الكفاح لتحقيق مطالبنا، ومن أجل تجاوز مطباتها نحن بحاجة إلى التفكير والتأمل حول المستقبل والفرص المتاحة والعقبات التي تحيط بنا.

كانت وحدة الليل تضنيني في مدينة أبعدتني ممن قابلتهم في طرقات الحياة، وبما أن الفن السابع يعطينا مساحة من الألفة كنت ضيفا على سينما يرتادها عشاق الأفلام، ولحسن الحظ كان الفيلم المعروض "Knock Knock" من بطولة ممثل أحببته منذ أن شاهدت سلسلة أفلامه الشهيرة المصفوفة (The Matrix) التي يعتبرها النقاد من أنجح الأفلام في تاريخ هوليوود، الفيلم الذي كسر حاجز المألوف وأثار جدلا دينيا وفكريا وفلسفيا واجتماعيا ووطد أركان الخيال العلمي جعل كيانو ريفز (Keanu Reeves) ممثلي المفضل إلى جانب مايكل جاي وايت، وفاندام، ودي كابريو. ورغم المشاهد الجنسية والبذاءة إلا أنه نال إعجابي وأثار بعض التساؤلات والمخاوف، ولمس وتراً حساسا بعد أن بات الموضوع أبرز المنغصات الموجودة في الحياة الزوجية، وحديث الساعة في كثير من الأحيان.

يتناول الفيلم وبطريقة دراماتيكية تحيطها الإثارة ولا تخلو من الرعب ومفاجأة الحياة التي غالبا ما تكشر عن أنيابها، ضعف الرجال - مهما كانوا وفي مختلف أعمارهم وأوضاعهم وأفكارهم ومناصبهم وأيديولوجياتهم - أمام النساء، والرغبة الجامحة في نفوسهم لإشباع غريزتهم الجنسية، وقليل من يقاوم أمام سلاح المرأة الفتاك، فما بالك بجسدها وتضاريسها وهي عارية وتتفنن في الإغواء وإثارة الشهوة والتعذيب في ليل أمريكي مبلل بالغرابة والعواصف.

لقد مثلت الفنانة الكوبية أنا دي أرماس (Ana de Armas) وكذلك التشيلية لورينزا آيزو (Lorenza Izzo) أدوارهن بتميز شديد يضعن في مصاف النجمات. الأداء المثالي للفتيات إضافة إلى كيانو أضفى على الفيلم مسحة من الجمال والواقعية، وكشف الأفكار الفوضوية والهوس الجنسي وهتك الخصوصيات المنتشر في أوساط "الأجيال الرقمية".

ورغم أن الفيلم يفتقد إلى اللمسة المبتكرة ويعاني من التكرار وروتينية الحبكة والنهاية المفتقدة لهزة فنية مدهشة - مما انعكس على تقييم النقاد للفيلم وإيراداته المالية نظرا لسقف التوقعات – إلا أننا أمام عمل يتناول مشكلة حقيقية اتسعت دائرتها في عصر المغريات و"مواقع التواصل الاجتماعي، الزوج "الخائن" أو الضعيف أمام مغريات النساء وأجسادهن في عالم تقوده نيوليبرالية متوحشة وباتت المرأة سلعة تباع في الطرقات والحانات والفنادق وتقتحم الحياة الشخصية لإغواء الرجال وهدم عرى الأسر المفككة أصلا في عصر الفلسفة المادية.

لقد تخطت هذه المشكلة كل الحواجز وطرقت معظم أبواب الأسر بطريقة أو بأخرى، وحولت الحياة الزوجية إلى مطبات مليئة بالشكوك والشجار وربما الطلاق، ولم ينج من المتاهة أحد سواء كان قديسا راهبا، أو عاشقا ولهانا، أو سياسيا محنكا، أو رياضيا مشهورا، أو فنانا عالميا، أو شابا مفتونا بالنساء ومعاشرتهن مما يجعل الموضوع مضحكاً ومأساويا. وقد لخصت جينيسيس (لورينزا) هذا الموقف في نهاية الفيلم بمشهد حزين:

You know what’s funny? They never say no. No matter who they are. No matter how much they love their families. You’re all the same.

لقد أرهقني الفيلم بالخواطر وأبعدتني التساؤلات عن الانخراط في الأجواء الاحتفالية، وبتّ وحيدا يكتنفه الصمت في وسط همسة حانية وضحكة صافية تعلوان في قاعة باردة وخافتة الأنوار، كنت أتساءل لماذا حرمنا من السينما وكم ماتت موهبة فنّية بسبب الكبت؟ ولماذا الجمهور الصومالي كان يتذوق الفن والأدب ويحضر المسرحيات بل ويتفاعل معها تضحكه النكات وتبكيه المشاهد الحزينة، ونحن نحارب الفن والإبداع ومات فينا الحس الجمالي؟ لقد غيّرت الحروب القلوب والأمزجة وحولت الشعوب إلى هياكل حزينة "ولا يعرفون كيف يضحكون"!

في صغرنا لم نشاهد الأفلام الكرتونية ولا مسلسلات الأطفال ولم نقرأ قصص البراعم ولم نستمع كثيرا حكايات الجدات، بل كانت الحروب تلاحقنا ثم تؤذينا وتحشرنا في أضيق الزوايا حتى تركت ترسبات من الخوف، ولم نعرف شارل بير، وجوناثان سويفت، والكساندر بوشكين والأخوان الألمانيان غريم إلا في الكبر وفي نهاية العقد الثاني عندما شرعنا في القراءة الجادة وتذوق الأدب وبذلك ظلت الطفولة المتأخرة تعبث وتثير فينا كوامن الشوق، وإلى يومنا هذا وفي منتصف العقد الرابع ما زلت أحمل تلك الطفولة وأنظر بشوق إلى الأرجوحة المتدلية من الأغصان والأحبال في المتنزهات والحدائق العامة، وتستهويني النوم على وقع السرديات الشعبية وممارسة الطفولة في الفضاء الرحب، كبرت ولم تكبر الطفولة بل هي تلاحقني في كل مكان.

الجمعة، 30 أغسطس 2019

خواطر على جناح طائرة

أمام مضيفة طمس المكياج على ملامحها الأوروبية وعلى جناح طائرة تهتز وتعلو وتهبط كلما اعترتها مطبّة هوائية انتابتني هواجس أشغلتني عن تصحيح كتابي القادم " الصومال.. حكايات الحروب والتاريخ" وتصويب أخطاء الكتب وتعديلها في الرحلات الطويلة عادة اكتسبتها مؤخراً. في عمق الفضاء سألت نفسي لماذا أسافر؟ ولماذا أكتب؟ وما العلاقة بين الكتابة والترحال؟ كانت أسئلة بالغة الإيقاع وأدخلتني بحرا من التساؤلات المتشظية!

أذوب عشقا وأشعر برد الراحة كلما أحجز تذكرة لوجهة جديدة، نحو قرى صارخة الألوان، أو بلدة تاريخية واهية المباني تغفوا باكية على كتف النسيان. إنني أشبه الطيور أفرد جناحي وأغوص في أعماق المكان أتذوق تفاصيله ونكهته المتفردة، ولا أقبل القفص وملازمة العش، فالطيور تموت بدون الحرية، والمياه تكدر بدون حركة، وكذلك الفكرة تتوقف وتتجمد ثم تتعفن وتكون نتنة كالبالوعات إذا لم يحركها الترحال ولم تشذبها التجارب. في السفر أحمل أفكاري وانطباعاتي عن الزمان والمكان وأحولها إلى نص يعبر عن شخصيتي التواقة إلى اكتشاف العالم بعيون قارئ وحس كاتب. ورغم أن "الكتابة الحقيقية عملية مستحيلة" إلا أنني أمارسها لأنسى الهموم وضغوط الحياة وأشباح الحروب التي تكبلنا وتزدرينا ثم تبعدنا عن تحقيق طموحاتنا وما أبسطها في كنف القتل والإرهاب؛ رغيف خبز جاف، وكوب ماء، ونوم عميق لا تقطعه أزيز المدافع ودوي الانفجارات.

الترحال يعطيني هامشا من الحرية ومساحة للتفكير، إنه يخرجني من الفضاء الضيق إلى رحاب المعمورة، ومن القوالب الجاهزة للمدن الرمادية إلى حياة متعددة الألوان مختلفة الأذواق، وكلما أبتعد عن دياري يتسع العالم من حولي وتزداد المسافة وأتوغل في دروبه المختلطة بالثروات والثورات والدماء. أسافر لأداوي جروح الحروب بالكتابة، في بلد يغلب عليه الطابع الشفهي ونقل الأخبار والأحداث بالحكايات والقصص والأشعار، وظل الأدب محمولاً على كاهل الأدباء والمثقفين والشعراء الذين لم تتح لهم كتابة إبداعاتهم. "والأدب المحمول" هو الذي لم يرو ولم يكتب، بل بقي قابعا في أدمغة الأدباء وأفئدتهم حتى رافقهم إلى الأجداث قبل أن يرى النور. وبعد رحيل معظم عمالقة الفن الأدب دون أن يدونوا ما كان يجيش في صدورهم حمل الكاتب الصومالي عبأ ثقيلا وتحديا صعبا يتمثل في إخراج هذا الأدب من براثن النسيان، وهذه مسؤولية تتطلب على قدر كبير من الخبرة والكتابة الجيدة والإلمام لخبايا الثقافة ودقة تقودنا نحو كتابة التاريخ بعيون صومالية، وكلها عوامل تلقي علي وعلى أمثالي من الكتاب ظلالاً من التأمل في ملامح حاضرنا ولمسات ماضينا وخيوط مستقبلنا.

في جميع رحلاتي كانت آهات بلدي المجزأ تصرخ في وجداني وتبحرني في موجات حزن لا ضفاف لها. وطن من إبل وأدب وشرفات مطلة على البحار والمحيطات والحضارات، ومساجد صامدة رغم غزو البرتغال وصدمة الطليان وسطوة الإنجليز وجور الجوار الأفريقي، وشعب حباه الله خصالا حميدة ويتمتع بعقلية جبارة ورغم ذلك يعاني من الحروب الأهلية والتشريد. كانت أسئلة بعينها تلاحقني في الممرات المفضية إلى الغيتوهات، وفي ردهات الفنادق، وبهو الصالات، وعلى ضفاف الأنهار والمدن المكتظة بعتمة الغياب وأطفال ذابهم الحنين، وكنت أحمل  همّ الأطراف (جيبوتي وأنفدي) الذين أخشاهما من الذوبان الثقافي، كما كنت صوتا للصومال الغربي (أوغادين) التي لم تجد اهتماما إفريقيا وعالميا وتأييدا من المنظمات الحقوقية والإنسانية لكون إثيوبيا تعتبر رأس الهرم في الاتحاد الأفريقي سياسيا، ولأن الافارقة لايتصورون دولة محورية أفريقية تحتل إقليميا أفريقيا يطالب استقلاله كانوا يهمشون الصوت القادم من أعماق المحرقة، بل كانوا يرون الحركات التحررية في الإقليم جبهات انفصالية يجب معاقبتها ومحاصرتها. كنت أتتبع خيوط الحكايات، وعيون الأدب والشعر، وقصص بطولية تنتظر من يكتب ويروي، وأحاديث مدن مازالت تمد يديها للكتاب والباحثين من أجل الغوص في جذورها التاريخية. شحوب القلاع الأثرية تبكيني، وشوارع المدن المنكوبة تطبع على مخيلتي قصص حزينة، أين سكانها؟ لماذا ذابت ملامحها وشاخت ابتسامتها؟ هجر السكان ولم يبق فيها سوى بيوت خاوية وطرق لا يسلكها أحد. تبدو البلاد عند هجرة أبنائها كما لو كانت خالية من الحياة منذ الأزل، سكون رهيب يطبق على الأحياء، وفي ظل المليشيات الإرهابية والحكومات الفاشلة باتت الحياة حلما صعب المنال.

أتهرب من غربة تقتلني في عقر داري، وبريق عيون المسافرين وملابسهم الممزوجة بالعرق والسهر تعطيني اكسير الحياة. تؤنسني رومانسيات الأدب، ويسحرني الفضاء بعظمته، والصحراء بصفائه ومتاهاته، وصوت العندليب يدغدغ مشاعري، وأمواج البحار تمنحني شذرات من الجمال، وانسيابية الطبيعة تنسيني بؤس الصراع وقتامة الحروب، أضيع هائما في أحراش القارات. إنني أبحث عظمة الخالق في آياته الكونية، في أفول القمر وبزوغ الشمس وشفق المغيب، وتناثر النجوم في كبد السماء.

أسعى سائحا ومتأملا تداهمني النوم في الطرقات الوعرة، وينتابني الخوف على مشارف المداخل الحدودية، وربما أتضور جوعا وأنا لا أعرف لغة القوم ولا أستسيغ طعامهم، وكثيرا ما أخذ قائمة الطعام أتفحصها على مهل وأختار طبقا لا أعرف مكوناته! وعند إحضاره تباغتني ريحته النتنة، أو طعمه المقرف، وربما يكون كراعاً أو أمعاء أو بطنا محشواً بالفلافل والبهارات وهذا مما لا يأكله صومالي بدوي وإن طبخت بألف نوع ونوع. كثيرا ما تجمعني قاعات المطارات مع مسافرين توحدنا الوجهة ويقسمنا الهدف والانتماء وربما العقيدة وكذلك اللون، ورغم ذلك الطيبة الوادعة في قلوبهم لا تنضب أبداً، وجمالية البشر لا تختفي وإن تمادينا في أتون المدنية الرأسمالية التي حولت الأشخاص إلى أرقام ومجرد سلع في الأسواق، واغتالت القيم النبيلة وكرامة الإنسان. ابتسامة مختنقة لعابرة تهرول نحو طائرة مغادرة، أو غمزة دافئة لسمراء في الكرسي المقابل، أو لمحة صبي غارق بالبراءة وربما البكاء، أو لقاء مع مثقف تمنحني جرعات من الحيوية والنشاط.

في رحلتي الأخيرة كان بجانبي أمريكي أشقر باهت الوجنة دافئ العينين مدور الرأس يبتسم بسعة موغلة في الثقافة الأمريكية المرحة، جاء من ولاية غارقة بالبرودة أطلق عليها الأمريكيون " نجم الشمال" وأطلق عليها الصوماليون "ثلاجة العالم" بعدما أصبحت وطنا بديلا لهم. درس الهندسة المدنية دون أن يكابد عناء البناء ومشقة المقاسات ورسم الشرفات على الأوراق، بل دلف إلى ممارسة هوايته المفضلة وهي الموسيقى بأنواعها، حتى أصبح بارعاً في المقامات الموسيقية، وذاع صيته كملحن ومغني يدير مدارس منتشرة على ربوع العالم تدرس الموسيقى للبراعم.

لمسات الفن كانت واضحة على كلامه وأفكاره. تحدثنا عن الفن والموسيقى التي أحبها ولا أتقنها وسألني ومرارة السؤال تقطر على كلماته لماذا العالم ملئ بالصراعات والدماء ولغة القوة؟ ولماذا لا يتذوقون الموسيقى التي تستطيع أن توحدهم وتضمد جراحهم؟ وبعد حديث دام ساعة أخبرته أن زوجتي تعيش في ولاية مينيسوتا الأمريكية. فغر فاهه بدهشة! وقال وقد اتسعت عيونه وكادت أن تخرج من محاجرها إذن لماذا لا تزور أمريكا؟ ستعجبك أقوى وأغنى دولة في العالم. قلت وذكر الشريكة أثارت شجوني لعنة الأوراق يا ريتشارد! فالأوراق التي تسمونها "جواز السفر" ونسميها نحن أوراق العبودية في القرن الحادي والعشرين أغلقت المنافذ وحشرتنا في أضيق الزوايا!  ولكن يا ريتشارد لماذا تكبلنا الأوراق وتحدد حرياتنا؟ لماذا تعطي مجموعة من الأوراق شخصا حرية مطلقة يتجاوز الحدود وتقف له الجنود وتستقبله المطارات بالابتسامة والترحاب؟ بينما البعض يعاني من الحرمان والمضايقات والتمييز العنصري؟ ألسنا بشراً متساوون في الخلقة والكرامة؟ قطعتْ المضيفة كلامي حول الجنسية والأوطان بابتسامة باهتة، وبعد برهة أغمض عينيه بامتنان وأخلد إلى الكرى غير آبه بثرثرتي!

الاثنين، 1 يوليو 2019

تحولات الأدب الصومالي .. من المقاومة إلى الماركسية .


لقد احتل الأدب مكانة بارزة عند المجتمع الصومالي في مختلف مراحله وأجياله، فكان خزينة حكاياتهم وقيمهم وسجلات تاريخهم وتراثهم ومتاحف بطولاتهم وحِكمهم والمحرك الأول لشعب عشق الأدب ودولة القوافي، وظل شفهيا ينقل الأخبار ويحفظ الأيام والماضي بالأشعار والحكم والأدب والفنون. وقد قرن الأدب صومالياً بالنضال ودفاع المقدرات والثوابت الوطنية حيث لايوجد – عبر التاريخ - كفاحاً وطنياً خالياً عن "أدب المقاومة" وشعراء بارزين حوّلو الأدب إلى أسلحة فتاكة واستطاعوا تخليد قضيتهم عبر قصائدهم، بل كانت المقاومة تأخذ طابعا وطنيا ودينيا قويا في مشاعر المجتمع بضمها عظماء يتقنون الأدب ومخاطبة الشعب بأشعار يحرك وجدانهم. ومن الأمثلة الشهيرة في هذا المضمار السيد محمد عبدالله حسن الأب الروحي للحرية الصومالية الذي كان شاعرا فحلا أتقن أبواب الشعر وأغراضه واستخدم لصالح قضيته.

السيد ورفاقه الأشاوس استخدموا كافة أنواع الأدب وخاصة الشعر لإلهاب العواطف وبث الحماسة ونشر فضائل المقاومة ومدح أبطالها وذم المتخلفين عنها، والحث على محاربة المحتلين، وهجو أذيال الاحتلال والمتقاعسين حتى باتت أشعاره أحاديث السمار  وحكايات الركبان وحقلا خصبا ساعد الكتاب والمؤرخين لفهم الدراويش وأيديولوجيتهم. وبعد مئآت السنين من بدأ شرارة جهادهم ضد الطغيان الأوروأفريقي مازال الصوماليون يحفظون أيامهم ويعرفون تاريخهم ويصونون تراثهم ويتبادلون حكاياتهم ويعشقون بطولاتهم ويسردون تفاصيلهم، وما ذاك إلا لقوة الشعر وجزالته وجذوة الأدب الموقدة في نفوسهم حتى تعلقوا بأبطال الدراويش ومآثرهم، وصار  إسماعيل مري وحسين طقلي وآخرون أيقونات وطنية وقامات أدبية وقيادية بارزة، ولولم تكن الأمة تتذوق الشعر وتمتلك حسا جمعيا يحب الأدب لكان ماضي الصومال يختفي وراء تتابع طبقات التاريخ وطيات النسيان.

لقد اهتم الصوماليون في تاريخهم الشعر  وجعلوه ذروة إنتاجهم الأدبي وحظي مكانة لايصل إليها جميع أنواع الأدب، فالشعر ديوان حاضرهم وماضيهم وسجلا أخلد الأحداث ونقل إلينا جانبا من سلوك الأجداد ويومياتهم المترعة بالتنقل ومقارعة النصارى في المشرق الأفريقي. وبما أن للأدب سطوته كانت القبائل تهادن وتتصالح وتتصارع وتغير  بعضها بعضا خشية الهجاء وأن يخلد ذلك في الذاكرة الأدبية لمجتمع لاينسى الأدب ويحفظ الشعر مهما تقادم عهده، وهكذا صار الأدب بشتى صنوفه العنوان الأبرز للمجتمع حتى لقب الصوماليون بأمة الشعر. وحافظ الشعر هويتهم وخصائصهم وحمل قصائد مشبعة بالوطنية والولاء والاعتزاز بالموروثات والذات. ولم تكن من السهل ترميم الهوية الصومالية التي هدمها المحتل بعد أن قسم الأرض إلى خمس أقاليم تخضع للاحتلال إلا بوجود أدب مترع بأشعار وأغاني ومسرحيات عابرة للحدود الوهمية وترسخ على الوجدان وحدة الأمة وإن تقاسمت الآلام والمرارة واغتيال الأمل وراء قضبان الحدود ومخرجات مؤتمر برلين.

ورغم المحاولة الكولونيالية الجادة لتضييق الخناق على الأدب الثائر  وإغراق الشعب بالدوجما الفكرية إلا أن الأدب الصومالي كان جامحاً بعيدا عن المحتل ومزاجه الغثائي فكان الأدب سلاحا فتاكا واجه الصوماليون على الترويكا الأورروبية (فرنسا، بريطانيا، إيطاليا) وأجبروهم على الرحيل. وبعد الاستقلال بدأ الأدب ينتعش ويحرك الجموع الصومالية الظامئة إلى الحرية، ومن الشعراء الذين برزوا في تلك الحقبة الشاعر عبدالله سلطان تمعدي الذي ظل معلما من معالم الحرية في ربوع "الصومال الكبير".

وبعد ثورة أكتوبر (الإنقلاب العسكري) وجد الأدب اهتماما خاصا من الحكومة الصومالية فبنت المسارح وشكّلت الفرق الموسيقية وشجعت الكتابة باللغة الصومالية واعتمدت بذلك الحرف اللاتيني، وانغمس الناس في الفن الغنائي فأخذ دور الشعر يتضاءل فيما كانت المسرحيات والأغاني تسيطران على المشهد الأدبي ويعزى هذه إلى جغرافية الدولة الوليدة التي لم تستطع ضم أقاليم يعتبر منبع الأدب الصومالي، إضافة الى الحكومة التي كانت تشجع على الأغنية والمسرح على حساب الأدب التقليدي، ولا ننسى الدور التحفيزي والامتيازات التي كان يناله من يكتب أو يلقي قصيدة عن تمجيد الثورة و "الجيش الأحمر" والاشتراكية العلمية، ومن هنا ابتعد شعراء بارزون عن الساحة خشية من "الرقيب الأحمر" وصوناً لقدسية الشعر ومسؤلية الكلمة.  وعموما كان الأدب في تلك الفترة يخدم ثورة أكتوبر لذا كان يبعد عن النصوص الخالية عن الرموز الماركسية والإيحاءات الاشتراكية وتمجيد الشيوعية عن الأثير والمجالس الثقافية والمعاهد العلمية والجامعات والمدارس، أما النص الذي يدعوا إلى اعتناق الاشتراكية العلمية التي تحرر العباد من طغيان النيوليبرلية والرأسمالية المتوحشة - حسب سرديات الشيوعية - فكان يجد رعاية الدولة.

لقد حاول عرّابو الاشتراكية الصومالية على تدجين الشعب وتوجيهه على نحو يقرب المجتمع إلى الثقافة الشيوعية وبقوالب محلية وأسلوب يدغدغ مشاعر البسطاء، فكانت خطب الرفيق " سياد برّي" في بداية حكمه رنانة وذات نغمات وطنية وقومية حالمة يجملها صوت جهوري وحبال صوتية عميقة وأبيات شعرية مفعمة بروح الثورة والكفاح وتحقيق أحلام طالما لامست عقول الصوماليين وقلوبهم دون أن تتحق على أرض الواقع. كانوا يرونه مجدد مآثرهم وموحد وطنهم، ولكن لم تدم هذه التوقعات وانكشفت زيف الماركسية عندما مارس الاستبداد وحاول إبعاد الدين عن المسرح السياسي وتطبيق المادية التاريخية وتفسير النصوص الدينية حسب مزاج الدولة.  وبما أن الدين تشكل هوية جامعة في القُطر الصومالي كانت المساجد أكثر  تاثيرا من المسارح والإعلام الحكومي، وكانت تغسل "أدران الاشتراكية" المستبدة وتدعوا عبر أساليب تقليدية إلى تطبيق الشريعة والعودة إلى الوحيين لرسم طريق جديد يصلنا إلى سعادة الدارين بعد أن جربنا الديمقراطية الرأسمالية والشيوعية الإلحادية. وكان الشعر الديني والطرق الصوفية وبعدها الحركات الإسلامية  تسهم في بناء وعي جمعي يقاوم ضد الأفكار الوافدة " النفايات الأيديولوجية" ويرسخ على المفاهيم الإسلامية.

وبعد سنوات من جهد الدولة ظهر على الساحة أدباء وشعراء تأثروا بنظريات جدانوف الثقافية وتشبعوا على المبادئ الماركسية بعد أن درسوا الفن والأدب والمسارح في الصين والاتحاد السوفيتي وكوبا وغيرهم من الدول اليسارية، وكانت الفترة الذهبية لهذا الجيل السنوات العشر التي تفصل بين وصول العسكر إلى الحكم وحرب أوغادين 1977م الذي أدى إلى هوة لم تستطع الأطراف – الصومال، والدول الشيوعية - ردمها أبداً، وأخيرا ابتعد اليسار وترك الصومال يواجه مسيره، وبعد أن جرف تيار الحاجة الصومال نحو الرأسمالية لم يصمد "أدب الأحمر" أمام الأدب الرأسمالي المتدفق على الوطن بأفلامه ورواياته المكتوبة وأغانية ومسرحياته المدعومة بالمؤثرات إلى أن انحسر   واختفى سحره نهائيا عن الخارطة الثقافية. ورغم ذلك كانت الفلسفة الماركسية تأثيرها الواضح على مثقفي وأدباء الصومال وأفريقيا عموما في سبعينات وثمانينات القرن العشرين، وكان الأدباء الصوماليون ضمن آلاف من كتاب وأدباء أفريقيا ناصروا الفكر الماركسي ورأوا أنه يناصر القضايا العادلة ويناهض التمييز العنصري والطبقي ويرفض العبودية ويوزع الثروة بطريقة عادلة. لذا تغلغل في جميع المستويات وبات البلد مشبعا بالمفاهيم والمظاهر الاشتراكية على نحو جعل مقديشو موسكو صغيرة.

ورغم إبتعاد الصومال عن التيار السوفيتي بعد هزيمة الصومال الغربي، ونهضة الفن الغنائي والمسرحي الذي فاز أفريقيا في مهرجانات ثقافية بارزة كلاغوس والخرطوم، وظهور كتّاب تجاوزت شهرت أعمالهم الأدبية حدود الوطن إلى العالمية مثل نورالدين فارح  إلا أن وكغيره من الأدب والفنون الأفريقية كان ضحية للحروب الثقافية مما جعل أدباً هامشياً لم يجد إنصافا من الدوائر الثقافية العالمية التي يهيمن عليها الغرب الغارق بالتنميط.
النقد الشكلاني البعيد عن المهنية للأدب الأفريقي مازال يسيطر على الغرب الذي يرى أنه المركز والأخرون هوامش وديكورات ليس لهم أدوار حقيقية في الحقول الإبداعية ولايستطيعون إنتاج أدبي راقي يرضي ذوق القارئ الناضج (الغربي) لذا يرون الأدب الأفريقي ساذجا وغارقا بالتفاهة والسطحية ولا يحمل أي بصمة إبداعية أو دهشة أدبية، ولاينفك أبدا عن المعتقدات الدينية والصدمات الاجتماعية العنيفة، إضافة إلى السياسة الأفريقية التي تعاني من التبعية والمراهقة والإبتذال.

الثلاثاء، 28 مايو 2019

أركيولوجيا الموت !

على امتداد طريق قديم ومليء بالقاذروات والأشواك كانت مشاعر محمود ممزقة، وأهدافه ضائعة، ومبادؤه مهتزة مثل معظم شريحة الشباب الهائمة في متاهات مجتمع يعيش تحت وطأة حياة متناقضة وثقافة أبت أن تواجه تساؤلات المراهقين بثبات ومنطقية.

كان رقيق المشاعر، رومانسي التفكير تجرحه الابتسامة العذبة في الأمسيات المترعة بمثاليات الشباب والأنا المضخمة التي تستبدّ به قبل أن يدمن المخدرات التي باتت ملجأ لمشردين عاندتهم الحياة على ضفاف مفاهيم تمثل تابو غير محكي في مجتمعاتنا الشرقية. والمخدرات مثل الإرهاب والتطرف تنتجها البيئة المغرقة بالبطالة والعنف والفقر والفوارق الطبقية، وتطاردها البيئات المحصنة من الأمراض المجتمعية.

البيوت القريبة للملعب الكبير كانت مقراً للحشيش وأصحاب الهلوسات والأمزجة الفانتازية. في المساء وقبل انطلاق مباريات كرة القدم كانت الطرقات تتحول إلى ساحات مفتوحة للسكر وشجار العصابات، وتتحول الأزقات الجانبية إلى ميادين للعراك ومشهد مقزز من معارض تقدم للمراهقين لفافات الحشيش، وأقراص من المخدرات الثقيلة، وكوكايين رديئ، وأنواعاً من الكحوليات القادمة من الحدود الجنوبية عبر الطرق البرية أو المحيط الهندي، وجرعات من خمر محلي.

في ليلة خانقة بالبرد وتحت كوابيس الحقن كان يجر خيالاً مغرقاً بأماني التحرر من المخدرات وهو على سطح بيت مطل على أطلال قاعدة عسكرية عتيقة في مدينة تتوسد ثروات خامة وموقع حيوي وتصحو على وقع الفاقة والتشريد. 

المدينة لاتقدم سوى الحروب وحياة مغمسة بالفقر والسطو المسلح، ولا يجد المرأة فيها سوى أكواخ عائمة فوق بحار من الدموع الصامتة، وقناعة تشكل نواة صامدة ومذهلة لفقراء يحلمون بغد أفضل بعيدا عن الألم وجرح الذات.

كان أصغر من أن يقيّم الوضع، ويحطم قيود الواقع، ويفهم المنطق المعكوس للصراعات دون أن يرتكب حماقات قاتلة. عن كثب كان يراقب أطلال دولة هدمها معول القبلية وصواريخ المليشيات الثائرة على الاستبداد العسكري رغم ما تحملها من الأجندات الخارجية، والمفاهيم السطحية، والخطاب ذات الطابع الإقصائي والجهوي في وطن ظل قابعا تحت بطون متشاكسة وقبائل متصارعة وريفيون تقودهم الأناركية البدايئة إلى محاربة الأنظمة وتعليق الدساتير وتقويض الدول والتنقل عبر الحدود بكبرياء البدويين وجسارة حملها الصوماليون في جيناتهم بامتداد الأجيال والأزمان.

النياشين العسكرية تومض وراء بقايا مباني جرفها الزمن بعيداً نحو النسيان، والجبال الرسوبية المحاذية للثكنة العسكرية تواجه المغيب بثبات مشرقي مهيب وتضفي على المشهد رونقا استوائياً متفردا قبل أن تتوغل في عمق مياه تتكسر على أهداب المحيط، وتلامس مقابر الهنود، وأطلال العرب، ولوحات رسمها الحرب بإتقان موغل في مأساة شكّلت الذوات والإنسان وغيّرت المفاهيم والطباع، وأصابت الأوتار الحساسة للمجتمع حتى جعلت الحياة سلسلة من الخيبات والمخاوف والهجرات المتعاقبة نحو الدول المجاورة والمنافي الباردة.

من الصعب أن نعبر عن مأساة الحروب ودمويتها الموحشة في الأوطان والأشخاص والقيم الحميدة للمجتمعات المنكوبة، إنها تحمل ثيمات قاتمة تغيّر الأفكار وتشوّه الطفولة البريئة وتغذي الفقر وتنهك الاقتصاد، وفي ظل جحيمها يستخدم الزعماء أموال الشعب، وممتلكات الدولة، لشراء الأسلحة، والذمم، والتحالفات، وتدمير المدن، والتاريخ، واغتيال كل الفروق والاختلافات التي كانت تثري حياتنا وتمنحنا ألواناً من الاتساق والانسجام، وبعد سنوات من عبث الصراعات الصفرية يهدرون الأموال بعقد مؤتمرات عقيمة، ومصالحات وهمية هدفها إطالة أمد الحروب، ودغدغة مشاعر المجتمع، والاستثمار بخيباته.

المصالحة والمؤتمرات الخارجية والداخلية لا تستطيع ــ رغم كثرتها ــ أن تصل بنا إلى بر الأمان، بل في ظلها تتكاثر المليشيات، وتتفرع الصراعات، وتتوالد المأساة هندسيا، ويتأزم الوضع، ومن رحم مأساة مهلكة تنشأ أخرى أكثر فظاعة وأعمق إيلاما من سابقتها لأن المفاهيم الأساسية التي نستمد منها مفهومي "الحرب والسلم" قد غيب تماما وأبعد عن المسرح السياسي والاجتماعي فتبحرنا في عالم من الدموع وآهات ممتدة بلا نهاية.

من الغريب أن يصر البعض على استنساخ التجارب وتوريد الحلول الجاهزة، والتمادي في البلاهة بحيث يهمشون نقاط قوتهم ويروجون لمصالحة غامضة وبمفاهيم طوباوية لاتبحث الحلول، ولاتحقق المطلوب، ولاتردم الهوة بين الفرقاء، ولاتمت للمفاهيم المحلية ولا الأعراف القبلية بأي صلة. فبينما نستمد تعاليم الدين والتقاليد القبلية مفهوم السلم والحرب والمصالحة، يستمد رعاة المؤتمرات العبثية أفكارهم من الفكر الغربي الذي يموّل مسار السلام في الدول الفاشلة، وعلى ضوئه استوردوا مصالحة بمقاييس غربية تكرس الانقسام الداخلي ولا نعرف عنها شيئا مما ساهم في إطالة أمد الصراع وتقديم الوطن بتاريخه وإرثه الحضاري والثقافي على الآخر بشكل قاتم يصعب مسحه عن الذاكرة الجمعية لسكان المعمورة الذين لايعرفون عنا سوى الجوع والقرصنة.

وأخشى أن تترسخ هذه المفاهيم في المخيلة العالمية حتى وإن وجدت الإرادة الحقيقية والكوادر الوطنية الموهوبة التي تحاول حسب قدرتها تغيير القالب النمطي الذي يروجه الإعلام الغربي والعربي عن وطن لم يجد من ينصفه أو ينبري لدحض تلك الصورة المشوه بعد أن انخرط كثير من شعرائه وكتابه ومفكريه وأدبائه الكبار "المسرح العبثي" ووحل الإنقسامات الحادة في المفاهيم والجغرافيا، ومجّدوا الحروب الأهلية ودول الكانتونات بأقلامهم وأشعارهم وآدابهم وإنتاجهم الثقافي.

في عمق المباني الأثرية كان يبحث كعادته شيئا يدفئ معدته الخاوية قبل أن يمتلكه الحنين وتجتاحه "النوستالجيا". قلاع الدراويش ومسرح جهادهم البطولي، وآثار ممالك الطراز الإسلامي الذين نشروا الإسلام حتى في الأعماق العبيدة للقارة السمراء، ومقار المستعمر الأورروبي وبعثاته الاستكشافية، ورحلات المستشرقين عبر القرون، ومسجد القبلتين في زيلع المنسية، ومنابر هرر الخاوية، ومدن الحضارمة، وممالك العمانيين في المشرق الأفريقي منتشرة على طول الساحل وأعماق مناجم حضارته الخامة التي لم تجد حظها من الأبحاث والدراسات.

ذهب محمود بعيداً وتجاوز المناظر المحيطة به إلى سحيق التاريخ قبل أن تقطع النشرة المسايئة ل"هيئة الإذاعة البريطانية" تفكيره. كان يخطط وهو يصغى السمع إلى الراديو الذي يتحدث عن مآسي العبودية الجديدة في ليبيا كيف يهرب عن وطن غارق بالدموية والفوضى الإدارية حتى أصبح مسرحاً مفتوحا للقوى العالمية؟ لقد سئم مراقبة شروق الشمس وغروبها، والأيام الخالية من الإنتاج والإنجاز والإثارة، وكان يمني النفس الهجرة إلى أوروبا دون أن ينسى طول المسار، ووحشية تجار البشر، ومتاهة الرمال المتشابهة.

عبر فلم وثائقي لقناة عربية مرموقة كان الموت يطل أنيابه من كل مكان، والمسافرون يتساقطون عبر طرق سحقتْ أحلامهم، ولاحت أجسادهم فوق حرارة الصحراء هشيما تذروه الرياح. الشجيرات المتناثرة على المنطقة شاهدة على بؤس المكان المفروش بالهياكل، والجماجم، واغتيال الآمال. هزّته جثّة إمرأة لم تتحلل، الملامح الصومالية كانت واضحة على جبينها الذي بدأته البكتيريا في تفتيت ما تبقى من سمرته، ربما كانت إثيوبية أو إرترية أو سودانية أو حتى تشادية من يدري، ولكن آلمه المشهد وترك في وجدانه جرحاً لايندمل.

وسط مزيج من الأعراق المختلفة كان "الصحراء الكبرى" صامتا بعظمته، وكانت الرياح تلعب بقايا عظام الكادحين، وتبدد آثار الحكايات، والذكريات، والملامح، وربما الآهات التي تركها الراحلون قبل أن تنهشهم أنياب المنية، ويذيبهم هجير الشمس أثناء عبورهم صحراء إفريقيا نحو أوروبا وتحقيق الأحلام الوردية الراسخة في مخيلتهم.

في غمضة عين تشكّل الرمال تلالاً متفردة، وجبالاً ذهبية مترامية الأطراف، وهضاباً راسخة على خارطة الصحراء، وفي غضون دقائق تتلاشي التلال، وتختفي المعالم، وتذوب الجبال وتتوارى عن الأنظار، وتبدأ تضاريس الصحراء تتشكل من جديد، إنه شبح في عمق الطبيعة الجافة وأركيولوجيا قاتمة لبسطاء طردهم استبداد تحكم على مصيرهم وماتوا وهم ينشدون حياة كريمة تليق بهم.

الجمعة، 14 ديسمبر 2018

كيف شكّلت الحروب أجيالاً من الصوماليين وسحقت أحلامهم؟

"لا أحد يعود من الحرب كما كان" مقولة شهيرة ظلت راسخة في أفواه المقهورين بعد كل حرب عبثي كنا نستطيع الابتعاد عنه، وكذلك المدن لا تبتسم كعادتها ولا يلتئم جرح الأوطان بعد الحرب، إنه أسوأ ما عرفته البشرية، يدمّر الشعوب ويشوّه التاريخ والحضارة، ولاينجز سوى دموع الأمهات وانتشار الفقر والدماء، وتغيير الملامح والهوية والوعي.

الكتابة عن الحروب تعيدني إلى ذكريات الطفولة الضائعة في مرابع عشيرتي الممتدة بامتداد السمرة والإبل، ومعها أمرّ عبر الخيال الذي يتسع كلما أتوغل في مأساتها ثورات اللاتين، وانقلابات أفريقيا، وهمجية الحضارة الغربية المدمرة، وتخمة العرب من الصراعات الصفرية، والصومال المزدحمة بالإختلافات وحروب أفقدتها نعمة الأمن ومواكبة العالم ومحاربة الفقر الذي قال رئيسها ذات يوم وهو في قلب مقديشو: إن عام 2000م سيكون آخر عام سيوجد على وجه الأرض صومالي جائع لايجد لقمة شريفة تسد رمقه، كانت وعودا فارغة أطلقها آخر المستبدين الوطنيين كما أطلق مدافعه على المدن الصومالية، وطلقات المدافع أسرع من وعود السياسين الذين أخفقوا في إيجاد الحلول الناجعة لأزمات بلادهم.

لم تتحقق تلك الأمنية العابرة لرئيس ظل رمزا وطنيا قبل أن يجرفه الاستبداد بعيدا عن أحلام الشعب ومبادئه، بل توغلنا في عقود كريهة كان صوت الرصاص هو الفصل الحتمي لأتفه الأسباب من شجار الأطفال إلى تلاسن الأصدقاء وحكايات الجدات الطاعنات وصراع الجبابرة، وكان الفرقاء الصوماليون يبتسمون في العلن وأمام الكاميرات في العواصم العربية والأفريقية وفي مؤتمراتهم المتعددة ويوزعون الموت في الخفاء، مما أذهل العالم وجعله حيارى حيال هذه الأزمة المتجددة.

عشنا بين الأمم مطأطئ الرؤوس، والتهمتنا الجوع ونحن نعيش في بلد يعدّ من أخصب البلاد الأفريقية والعربية، وساقنا الظمأ إلي توابيت الموت ونحن على ضفاف الأنهار وبحيرات من المياه الجوفية، ولاغرو في ذلك فالعقول القاحلة حوّلت السهول والمدن المطلّة على الأنهار الى صحراء، بينما العقول المنتجه جعلت الصحراء مروجاً وأنهاراً!

لقد ترك الحرب جرحا عميقا في البئية والحياة والسلوك، فبدأ الجيمع يسأل ويبحث عن زاوية غير تقليدية لإكتشاف ذواتهم ومعرفة ماهية الحرب مما ألهم الشعراء والأدباء والكتاب، وصنع جيلا جديا أبدع بعضهم في وصف الحروب بالقصائد والأشعار والمسرحيات والنكت وقليل من التدوين والكتابة، وبرزت النكسات المتتالية كتاباً ورسامين ومواهب إستطاعت تعبير الحروب بكثير من الإبداع والمعاناة، وحولوا التشرذم إلى سرديات موجعة، ورسوم ملهمة، وحكايات شفهية تغوص في أعماق المأساة، وألحان تعبر عن مشاعر المقهورين ونبضات المحبين وملامح المهاجرين من ديارهم إلى المنافي البعيدة، وقصص تؤرخ للحروب وتخرج الحقيقة الكامنة وراء ركام الأوطان والقلوب الخانقة إلى صدارة الجرائد وشاشات التلفزة. والحقيقة في زمن الصراعات تختفي على وقع هدير الرصاص وتضيع الأشياء في عمق الجروح الغائرة.

وأخفق بعضهم كالفن الصوتي ــ الأغنية ــ حيث توارى في محراب الحب وألوان الصبا ومفاتن المرأة والرومانسية المفرطة، وكان في معظمه غريبا هابطا لايمتّ بماضي وأحاسيس وثقافة الشعب بأي صلة، ولا يحاول تخفيف الألم عن كاهيل الكادحين إلا ما ندر، وبدا الفنان وكأنه يغنّي لمجتمع مثالي تعمه السلام وتحفه الطمأنينة، ومن الغريب أنهم يحييون ليالي الحمراء في المنافي في حين كان الدم يسيل في الطرقات، وبعضهم شاركوا في فصول الحرب وأسقطوا عن عيون الشعب إلى الأبد، وقصارى القول كان الفن والأغاني "الإيروتيكية" في واد والواقع في واد آخر.

وكذلك أخفق المثقفون سياسيا ودفنوا رؤوسهم في رمال الصومال المتحرك واتصفوا بالانطوائية والشوفينية لأفكارهم بعيدا عن المجتمع ومشاكله الحقيقية، وطفقوا يحللون الواقع ويلعنون الحاضر وقد احتفظوا بأماكنهم البعيدة عن معترك السياسة بكل برودة. كانوا ينشرون نظرياتهم عن الوطن وعن الحروب وعن الإسلام والثقافة والسياسة والدولة والقبيلة دون أن يقدموا مقترحات حقيقية لإنتشال الوطن، بل كانوا يتهربون من مسؤلياتهم ويتذرعون بأسباب واهية دون أدنى شعور بالذنب، وقد انتهز هذه الفرصة زعماء القبائل ومجرمي الحرب فتصدروا على المشهد السياسي والاقتصادي مما أبعد الحلول.

لقد تمرّد المثقفون عن الواقع القبلي العفن وابتعدوا عن قيادة الدولة وتأثير القبيلة ــ حسب أدبياتهم ــ ولكنهم أبدعوا في حقول التعليم وإنتاج المعرفة فأسّسوا المدارس والمعاهد والجامعات، وساهموا في نشر ثقافة التدوين والكتابة، ووثقوا المجازر والانتهاكات ضد الإنسانية واغتصاب براءة الأطفال وزجهم في الحروب الأهلية، وساهموا في إبراز الزوايا الأكثر إيلاما من زوايا الحروب، وتصوير المشهد ومساعدة الآخرين على فهم الأحداث كما كانت وكيف حدثت بدون تهويل أو تزييف أو تضليل أو تجزئة.

ورغم أن الكتابة لاتستطيع برومانسيتها ورفاهيتها في خيال المجتمعات ذات الثقافة الشفهية بناء مستقبل مشرق وسلام داخلي ما لم تتكاتفه جهود القوى الفاعلة في الساحة بكل أنواعها وايديولوجياتها، إلا أنها تظل النافذة الأهم التي نشهد من خلالها سوداوية الحروب وتعليق القوانين، وعبرها نستطيع نشر ثقافة التسامح والسلام والتعايش السلمي بين أطياف المجتمع، وفي هذا السياق يجدر بنا أن نذكر أن الكتابة عن الحرب تبدوا في خيال البعض مهنة لاتقل بشاعة عن الحرب نفسه! حيث تُنقل اللحظات الأكثر بؤسا وعنفا في تاريخ البشرية إلى الأجيال القادمة لنكدر عليهم حياتهم بأحداث لم عاصروها وأهوال كانوا في غنى عنها.

ولكن الجانب الأكثر وحشية للحروب هو أنه سينتهي وإن تمدد، وتتصالح الدول والشعوب والقبائل، وسيظهر على السطح مجرمون برتبة زعماء، وسيمنح على الجنرالات أوسمة ونياشين وجوائز تقديرية لإباداتهم المروعة ضد الأبرياء، وسيجني أثرياء الحروب وصناع البؤس ملايين الدولارات من دماء الكادحين! ووحدهم البسطاء يعانون ويموتون من أجل مبادئ ظالمة وحروب خاسرة في كل الأحوال، يزهقون أرواحهم، ويفقدون أحبابهم، ويخسرون أعضائهم، وتصيبهم التشوهات من أجل مستبد همّه الكرسي وإن مات الملايين من أجله، ويستميتون في الدفاع عن ناهبي أوطانهم في حرب لايعرفون أساسه ولايدركون أهميته القانونية والأخلاقية والإنسانية! فقط سمعوا عبر أبواق المجرمين أنه الدفاع عن وطن لم يقدم لهم شئيا سوى الفاقة والأمراض والجهل، وأنه حرب جيد يستحق الموت علما بأنه لايوجد حروب جيدة وأخرى سيئة. ويتساءلون بحسرة: لماذا السلم رغم جماله مفقود والحرب رغم بشاعته موجود؟

كيف نموت من أجل دولة يملكها طاغية وتحلبها عائلة وتبدأ من حيث تنتهي القبيلة أو المصلحة أو الطائفة؟، وظلت عاملا هامشيا في حياتنا، ولم نعطها يوما ولاء حقيقيا بعد أن ترسبت الموروثات الثقافية والاجتماعية وتأثير القبيلة وقدسيتها في مخيلتنا، وارتبط ولاؤنا الأول للقبيلة أكثر من الدولة، وبالتالي أصبحت الدولة عاملا تابعا للقبيلة وليس العكس؟ لقد أخذت الدولة في أوطاننا مفهوماً كارثيا بكل المقاييس حيث اختفى التابع (الدولة) وبقي المتبوع ( القبيلة) تتعملق وتسيطر على حياة الشعب مما أدى إلى انهيار تام بالمؤسسات الوطنية واشتعال حرب أنتج شعبا شرساً ومتوحشاً للغاية يعاني من الأمراض النفسية والشحنات السالبة.

الجمعة، 21 سبتمبر 2018

الصومال.. حكايات الحروب والتاريخ 2

السماء تعزف لحن المطر، وتضوعَ الأريجُ عن أحراش خط الإستواء والقرى الناعسة على أحضان المحيط، وتنتشر الإبتسامة الموغلة في التجلد وازدراء الآلام على ربوع الوطن في ظل الحركات الإجرامية والأوضاع المأساوية، وفي عمق الجمال الشاعري تبدوا أحراش الغابات وجوز الهند والحقول الزراعية على خارطة جنوب الجنوب لوحة طبيعية باذخة المعالم.

هنا وجوه صومالية خالية من الكآبة، وشيوخ يتمتعون بروح الدعابة والضحكة الصافية، السعال في الهزيع الأخير من الليل وبريق عيونهم تخبرك حكايات الحروب والتاريخ، المساجد منتشرة في كل ركن وزاية من  تلك القرى المرصعة بجو صومالي بديع حيث ثرثرة النسوان ومرح الأصدقاء على ضفاف الأدب والأمثال تنساب في أزقة التاريخ وشواطيء المعاناة اليومية للبسطاء، الكل يراعي النجوم ويستظل القمر ودولة القوافي، وينام على وقع أنين المظلومين ويصحوا على أصوات الرصاص.

نهر شبيللي وما ورائه من المدن والقرى تعتبر مروج ممتدة نحو الأفق ونهر عابر للأوطان تختلط فيه الأعراق والسياسة والمصالح والتضاريس، وبصمات الدمار بادية على جبين الأنهار والبحار والمدن الغارقة بالشحوب وعلى أرصفة البيوت التي هاجر سكانها بعد أن طردهم الوطن وأستقبلتهم المنافي، قصص الرحيل في المدن والأحياء مؤلمة ومأساوية، وفي عمق الدمار تأتي الأجيال المكافحة من أجل الحرية والمعرفة وانتهاء الصراعات وفواجع الحروب عبر العلم والقراءة والبحث عن الذات وتتبع خيوط الحقيقة رغم ندرتها في وطن تتقاذفه أمواج الصراعات والإنتماءات.

ما أجمل السفر في ربوع وطنك يرافقك كتاب يذكرك بالماضي الجميل، كنت أقرأ وأنا أسير على دروب يطول فيها العبور كتاب (سالي فو حمر وحكايات أخرى من أفريقيا) للدبلوماسي السوداني جمال محمد أحمد، الكتاب يثير كوامن النوستالجيا في أعماق نفوسنا الحزينة، حيث يتناول بطريقة أدبية ماتعة الصومال وحكاياتها وسمرة أهلها وعراقة تاريخها. الفترة التي لحقت الاستقلال كان الوطن مرتعا للكتّاب والأدباء والسياسيين والآن دمر الحرب كل شيء، لقد اختفت معالم الدولة ومظاهر الثقافة ومعهما الكتاب والإبداع. ولكن مع الاستقرار النسبي للأوضاع تحسن وضع الثقافة في الصومال عبر الأندية والملتقيات الأدبية ومعارض الكتب في معظم المدن، وبدأت بوادر المعرفة تلوح في وسط الركام مما ساهم في نشر الوعي بين الشباب الصومالي.

 كنت أحثّ الخطى نحو قاعة في قلب مدينة كسمايو الساحلية يحدوني الشوق إلى ندوة مصغرة لمثقفين يحملون هم الوطن، كانت "الهويات القاتلة" عنوان جلستنا التي تفرعت وتوغلت في جميع الميادين حتى لامست الماضي والحاضر وأضاءت المستقبل، وكان أصل الصومال كعادته لغزا حير الجميع، ومن الغريب أن الصوماليين لم يحسموا أصلهم لحد الآن ومقسمون بين عربي لا يتقن لغة العرب وأفريقي لا يحمل جميع ملامح الأفارقة يرافقهم الحيف في المنظمات حيث يعتبر الصومالي مواطن من الدرجة الثانية عربيا وأفريقيا، وتعتبر موضوع الأرومة من أشرس المواضيع في الساحة الصومالية.

لم يكن بحث الجذور الموضوع الوحيد في تلك الندوة، بل كان مبدأ "الصومال الكبير" الذي هاجمه البعض من الداخل حاضرا في أروقتها، فبعد عقود من التمسك بالنظريات الجامعة يبدوا أن التشظي نال هذه القومية المتجانسة التي كانت موزعة في عدة دول أفريقية يجمعهم حلم "الصومال الكبير" الذي كان يجري في عروقهم قبل تجزأة المجزأ إلى كانتونات قبلية ودويلات متصارعة على أنقاض وطن.

الأشواق الصومالية ومطالبتهم بالوحدة إبان التحرر الأفريقي إصطدمت بسياسة الاستعمار ومصالح الإمبريالية العالمية فقطع أوصال بلادهم وقام بتصفية عقولهم، وحارب ضد الحركات التحررية وفي مقدمتهم حركة الدراويش، ونصر الله، ووحدة الشباب الصومالي، والصومال الغربي، وثورة شيخ حسن برسني، ومقاومة قبيلة بيومال في الجنوب وغيرهم، وقاموا باغتيال أيقونة الوحدة أمثال المناضل محمود حربي الذي أسقطت طائرته في عرض البحر، حَربي رفَع شعار عودة جيبوتي إلى حضن الأم، وكان صوتا للحلم الصومالي القابع وراء الحدود التي صنعها الاستعمار.

بعد هذه النكسات لم يستسلم الصوماليون بل قاومو على المحتل فشنوا الحملات وجردوا الجيوش وهم يحملون لواء الإسلام وأحلام مشروعة تقودهم نحو إعادة مجدهم ومدنهم. ومنذ أن اعتنق الصوماليون الإسلام ظل يشكل النبض الأكبر لحروبهم فتوغلوا جنوبا وغربا عبر رحلة برية تستحق عناء البحث والكتابة بعد أن تدثرت بغبار النسيان وأصبحت حكايات ملئية بالشجن والملاحم يرويها الأجداد للأحفاد.

كان الصوماليون يتمددون على المشرق الأفريقي من أجل نشر الإسلام، أو الهرب عن صراع القبائل والأفخاذ الصومالية، أو البحث عن الثراء ومناطق لم يصلها الرعاة الرحل، وقد أفل نجم الممالك والدول التي حكمت أجزاء واسعة من شرق أفريقيا بعد مجيء الاستعمار دون أن يتركوا كتبا تؤرخ لمسيرتهم، لذا ربما لاندرك جل الطرق التي سلكوها والأحداث التي رافق زحفهم، ولكن نستطيع أن ندرك عبر الشعر الذي ظل المتحف الخازن لسجلات الماضي أن الشعوب الساكنة في تلك المناطق لم تستقبل الصوماليين بالورود والزغاريد بل بالحرب والدماء، ولكن بفعل الشجاعة والتفوق التدريبي والرشاقة إضافة إلى التجلد والرغبة الحقيقية لنشر الإسلام على ربوع الوثنيين كانوا ينتصرون في معظم المعارك ويواصلون زحفهم حتى وصلوا إلى تخوم نيروبي جنوباً وأواسط البحر الأحمر شمالاً، فيما تممددوا غربا على أديس أبابا وما ورائها من البحيرات، وكان الصوماليون من الأوائل الذين وصلوا إلى عمق الأمهرا في بداية القرن السادس عشر وتحديدا عهد الجهاد المسلح ضد أباطرة الحبشة التي قادها الغازي أحمد جري ورفاقه الأشاوس.

لقد تعمق الصوماليون في الأدغال الأفريقية وعبروا نهر تانا إلى الجنوب وهم يحملون عقيدتهم وأفكارهم وإبلهم ونمط حياتهم، ورغم التنوع الثقافي والعقدي بين الصوماليين وسكان تلك الأراضي فإن الروايات الشحيحة والميثولوجيا الصومالية تدلنا كيف كان التداخل بين المجموعتين بعد أن وضعت الحرب أوزاره، حيث روى لنا المسنون أن المحاربين بعد أن وصلوا تلك الأراضي واستوطنوا فيها آلت إليهم الأموال والممتلكات وتزوجوا من القبائل الأصلية، وبذلك أصبحت تلك البلاد موطنهم البديل إلى أن جاء الإحتلال الغربي والدول القطرية فانحسروا نحو المحيط بعد أن خسروا آلاف الأميال بسبب قلة عددهم وشساعة أرضهم واختلاف البيئات الماطرة عن تلك التي عاشوها في مرابعهم في القرن الأفريقي، إضافة إلى السياسة الكولونيالية التي نصت على تحجيم دور الصوماليين وتلجيم مطامعهم.

كانت القبائل الوثنية التي تسكن على المستنقعات الجنوبية وما بين نهر جوبا وتانا في الإقليم الصومالي في كينيا شديدي البأس واتسموا بالشجاعة والعدد والتكتيك القتالي، وكان لهم ثقافة مازالت بعض آثارها بادية للعيان، ورغم ذلك مازال أنماط حياتهم وطقوساتهم المعيشية والدينية شحيحة جدا إلا ماكتبه المحتل البريطاني وهي رغم قلتها لاتنصف في كثير من الأحيان، وقد امتدت مسيرة الصوماليين نحو البحيرات العظمى وخاصة تشاد التي يعش فيها اليوم قبائل صومالية كما يعتقدها طيف واسع من الصوماليين رغم أنها إندمجت تماما في المكون الثقافي والعرقي لجمهورية تشاد والبلاد المجاورة.

Gorfeynta buugga "Geylame"

  Buugga “Geylame” ee uu qoray Xassan Maxamuud Qorane, waxa uu nuqul ka mid ah gacatayda soo galay Habeenkii la soo bandhigayey oo ku beegna...