‏إظهار الرسائل ذات التسميات المرأة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات المرأة. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 4 أكتوبر 2019

إنهم لا يعرفون كيف يضحكون !



في الطابق الرابع والعشرون وفي نافذة مطلة على شارع يرتاده الهاربون من ملل الحياة ومن قرّ الخريف الماطر تبدو المدينة وكأنها سجادة زاهية مبسطة على مساحة شاسعة من النور والغموض، نوافذ مضيئة وأخرى معتمة وسيارات تنساب كأنهار أفريقيا قوة وتتابعا، وعمال يحملون ملامح مجهدة وغارقة بتفاصيل الأيام، وأبراج سامقة تعلوها أنوار باهرة كالقناديل.

أراقب نبض المدينة ولا أعرف ما يجري في داخلها. حيوية البشر وكفاحهم ضد الفناء، الاستجابة المفرطة لنداء الطبيعة، أنقياء يعبدون الخالق في زاويا معتمة، وحشاشون يستمتعون بنشوة الجرعات، ومراهقون يضاجعون أيديهم ويمارسون الجنس الذاتي، وسرّاق يتحسسون وسط حقول ملغمة ويسيرون على أصابع القدمين خوفا من صحوة متأخرة لعجوز انتابته نوبة سعال في الهزيع الأخير من الليل، ومرضى نفسيون تقتلهم الكآبة في الغرفات. إنها مساحة مثالية وخالية نستطيع أن نسقط عليها ما نشاء من التصورات والإيحاءات. من بعيد تشبه المدن النفوس البشرية التي لا نعرف كنهها وما يعتريها من الألم والسعادة والأمراض في عالم ربع سكانه يعانون من الأمراض النفسية.

مدينة لا تبلى ولا تشيخ ولا تنقضي زحمتها. باردة الإشراق كما عهدنا، دافئة الابتسامة في كل حين، لها ملامح أمومة ورائحة أبوة وتعج بصخب المجون والملاهي، ويرتفع فيها نداء الإسلام ليذكرنا بالمآل كلما جرفتنا الأمواج بعيدا نحو هاوية الملذات، وفيها ملايين من البشر تدفقوا من الفجاج فمنهم من وجد ضالته، ومنهم من أغرقته الحياة، ومنهم من يحاول الوصول دون أن يملك مقومات الصمود، ومنهم المغرد على قمة النجاح. إنها الدنيا وتلك شجونها. مصممة بطريقة بعيدة عن تمنياتنا وتريد منا الكفاح لتحقيق مطالبنا، ومن أجل تجاوز مطباتها نحن بحاجة إلى التفكير والتأمل حول المستقبل والفرص المتاحة والعقبات التي تحيط بنا.

كانت وحدة الليل تضنيني في مدينة أبعدتني ممن قابلتهم في طرقات الحياة، وبما أن الفن السابع يعطينا مساحة من الألفة كنت ضيفا على سينما يرتادها عشاق الأفلام، ولحسن الحظ كان الفيلم المعروض "Knock Knock" من بطولة ممثل أحببته منذ أن شاهدت سلسلة أفلامه الشهيرة المصفوفة (The Matrix) التي يعتبرها النقاد من أنجح الأفلام في تاريخ هوليوود، الفيلم الذي كسر حاجز المألوف وأثار جدلا دينيا وفكريا وفلسفيا واجتماعيا ووطد أركان الخيال العلمي جعل كيانو ريفز (Keanu Reeves) ممثلي المفضل إلى جانب مايكل جاي وايت، وفاندام، ودي كابريو. ورغم المشاهد الجنسية والبذاءة إلا أنه نال إعجابي وأثار بعض التساؤلات والمخاوف، ولمس وتراً حساسا بعد أن بات الموضوع أبرز المنغصات الموجودة في الحياة الزوجية، وحديث الساعة في كثير من الأحيان.

يتناول الفيلم وبطريقة دراماتيكية تحيطها الإثارة ولا تخلو من الرعب ومفاجأة الحياة التي غالبا ما تكشر عن أنيابها، ضعف الرجال - مهما كانوا وفي مختلف أعمارهم وأوضاعهم وأفكارهم ومناصبهم وأيديولوجياتهم - أمام النساء، والرغبة الجامحة في نفوسهم لإشباع غريزتهم الجنسية، وقليل من يقاوم أمام سلاح المرأة الفتاك، فما بالك بجسدها وتضاريسها وهي عارية وتتفنن في الإغواء وإثارة الشهوة والتعذيب في ليل أمريكي مبلل بالغرابة والعواصف.

لقد مثلت الفنانة الكوبية أنا دي أرماس (Ana de Armas) وكذلك التشيلية لورينزا آيزو (Lorenza Izzo) أدوارهن بتميز شديد يضعن في مصاف النجمات. الأداء المثالي للفتيات إضافة إلى كيانو أضفى على الفيلم مسحة من الجمال والواقعية، وكشف الأفكار الفوضوية والهوس الجنسي وهتك الخصوصيات المنتشر في أوساط "الأجيال الرقمية".

ورغم أن الفيلم يفتقد إلى اللمسة المبتكرة ويعاني من التكرار وروتينية الحبكة والنهاية المفتقدة لهزة فنية مدهشة - مما انعكس على تقييم النقاد للفيلم وإيراداته المالية نظرا لسقف التوقعات – إلا أننا أمام عمل يتناول مشكلة حقيقية اتسعت دائرتها في عصر المغريات و"مواقع التواصل الاجتماعي، الزوج "الخائن" أو الضعيف أمام مغريات النساء وأجسادهن في عالم تقوده نيوليبرالية متوحشة وباتت المرأة سلعة تباع في الطرقات والحانات والفنادق وتقتحم الحياة الشخصية لإغواء الرجال وهدم عرى الأسر المفككة أصلا في عصر الفلسفة المادية.

لقد تخطت هذه المشكلة كل الحواجز وطرقت معظم أبواب الأسر بطريقة أو بأخرى، وحولت الحياة الزوجية إلى مطبات مليئة بالشكوك والشجار وربما الطلاق، ولم ينج من المتاهة أحد سواء كان قديسا راهبا، أو عاشقا ولهانا، أو سياسيا محنكا، أو رياضيا مشهورا، أو فنانا عالميا، أو شابا مفتونا بالنساء ومعاشرتهن مما يجعل الموضوع مضحكاً ومأساويا. وقد لخصت جينيسيس (لورينزا) هذا الموقف في نهاية الفيلم بمشهد حزين:

You know what’s funny? They never say no. No matter who they are. No matter how much they love their families. You’re all the same.

لقد أرهقني الفيلم بالخواطر وأبعدتني التساؤلات عن الانخراط في الأجواء الاحتفالية، وبتّ وحيدا يكتنفه الصمت في وسط همسة حانية وضحكة صافية تعلوان في قاعة باردة وخافتة الأنوار، كنت أتساءل لماذا حرمنا من السينما وكم ماتت موهبة فنّية بسبب الكبت؟ ولماذا الجمهور الصومالي كان يتذوق الفن والأدب ويحضر المسرحيات بل ويتفاعل معها تضحكه النكات وتبكيه المشاهد الحزينة، ونحن نحارب الفن والإبداع ومات فينا الحس الجمالي؟ لقد غيّرت الحروب القلوب والأمزجة وحولت الشعوب إلى هياكل حزينة "ولا يعرفون كيف يضحكون"!

في صغرنا لم نشاهد الأفلام الكرتونية ولا مسلسلات الأطفال ولم نقرأ قصص البراعم ولم نستمع كثيرا حكايات الجدات، بل كانت الحروب تلاحقنا ثم تؤذينا وتحشرنا في أضيق الزوايا حتى تركت ترسبات من الخوف، ولم نعرف شارل بير، وجوناثان سويفت، والكساندر بوشكين والأخوان الألمانيان غريم إلا في الكبر وفي نهاية العقد الثاني عندما شرعنا في القراءة الجادة وتذوق الأدب وبذلك ظلت الطفولة المتأخرة تعبث وتثير فينا كوامن الشوق، وإلى يومنا هذا وفي منتصف العقد الرابع ما زلت أحمل تلك الطفولة وأنظر بشوق إلى الأرجوحة المتدلية من الأغصان والأحبال في المتنزهات والحدائق العامة، وتستهويني النوم على وقع السرديات الشعبية وممارسة الطفولة في الفضاء الرحب، كبرت ولم تكبر الطفولة بل هي تلاحقني في كل مكان.

الجمعة، 30 أغسطس 2019

خواطر على جناح طائرة

أمام مضيفة طمس المكياج على ملامحها الأوروبية وعلى جناح طائرة تهتز وتعلو وتهبط كلما اعترتها مطبّة هوائية انتابتني هواجس أشغلتني عن تصحيح كتابي القادم " الصومال.. حكايات الحروب والتاريخ" وتصويب أخطاء الكتب وتعديلها في الرحلات الطويلة عادة اكتسبتها مؤخراً. في عمق الفضاء سألت نفسي لماذا أسافر؟ ولماذا أكتب؟ وما العلاقة بين الكتابة والترحال؟ كانت أسئلة بالغة الإيقاع وأدخلتني بحرا من التساؤلات المتشظية!

أذوب عشقا وأشعر برد الراحة كلما أحجز تذكرة لوجهة جديدة، نحو قرى صارخة الألوان، أو بلدة تاريخية واهية المباني تغفوا باكية على كتف النسيان. إنني أشبه الطيور أفرد جناحي وأغوص في أعماق المكان أتذوق تفاصيله ونكهته المتفردة، ولا أقبل القفص وملازمة العش، فالطيور تموت بدون الحرية، والمياه تكدر بدون حركة، وكذلك الفكرة تتوقف وتتجمد ثم تتعفن وتكون نتنة كالبالوعات إذا لم يحركها الترحال ولم تشذبها التجارب. في السفر أحمل أفكاري وانطباعاتي عن الزمان والمكان وأحولها إلى نص يعبر عن شخصيتي التواقة إلى اكتشاف العالم بعيون قارئ وحس كاتب. ورغم أن "الكتابة الحقيقية عملية مستحيلة" إلا أنني أمارسها لأنسى الهموم وضغوط الحياة وأشباح الحروب التي تكبلنا وتزدرينا ثم تبعدنا عن تحقيق طموحاتنا وما أبسطها في كنف القتل والإرهاب؛ رغيف خبز جاف، وكوب ماء، ونوم عميق لا تقطعه أزيز المدافع ودوي الانفجارات.

الترحال يعطيني هامشا من الحرية ومساحة للتفكير، إنه يخرجني من الفضاء الضيق إلى رحاب المعمورة، ومن القوالب الجاهزة للمدن الرمادية إلى حياة متعددة الألوان مختلفة الأذواق، وكلما أبتعد عن دياري يتسع العالم من حولي وتزداد المسافة وأتوغل في دروبه المختلطة بالثروات والثورات والدماء. أسافر لأداوي جروح الحروب بالكتابة، في بلد يغلب عليه الطابع الشفهي ونقل الأخبار والأحداث بالحكايات والقصص والأشعار، وظل الأدب محمولاً على كاهل الأدباء والمثقفين والشعراء الذين لم تتح لهم كتابة إبداعاتهم. "والأدب المحمول" هو الذي لم يرو ولم يكتب، بل بقي قابعا في أدمغة الأدباء وأفئدتهم حتى رافقهم إلى الأجداث قبل أن يرى النور. وبعد رحيل معظم عمالقة الفن الأدب دون أن يدونوا ما كان يجيش في صدورهم حمل الكاتب الصومالي عبأ ثقيلا وتحديا صعبا يتمثل في إخراج هذا الأدب من براثن النسيان، وهذه مسؤولية تتطلب على قدر كبير من الخبرة والكتابة الجيدة والإلمام لخبايا الثقافة ودقة تقودنا نحو كتابة التاريخ بعيون صومالية، وكلها عوامل تلقي علي وعلى أمثالي من الكتاب ظلالاً من التأمل في ملامح حاضرنا ولمسات ماضينا وخيوط مستقبلنا.

في جميع رحلاتي كانت آهات بلدي المجزأ تصرخ في وجداني وتبحرني في موجات حزن لا ضفاف لها. وطن من إبل وأدب وشرفات مطلة على البحار والمحيطات والحضارات، ومساجد صامدة رغم غزو البرتغال وصدمة الطليان وسطوة الإنجليز وجور الجوار الأفريقي، وشعب حباه الله خصالا حميدة ويتمتع بعقلية جبارة ورغم ذلك يعاني من الحروب الأهلية والتشريد. كانت أسئلة بعينها تلاحقني في الممرات المفضية إلى الغيتوهات، وفي ردهات الفنادق، وبهو الصالات، وعلى ضفاف الأنهار والمدن المكتظة بعتمة الغياب وأطفال ذابهم الحنين، وكنت أحمل  همّ الأطراف (جيبوتي وأنفدي) الذين أخشاهما من الذوبان الثقافي، كما كنت صوتا للصومال الغربي (أوغادين) التي لم تجد اهتماما إفريقيا وعالميا وتأييدا من المنظمات الحقوقية والإنسانية لكون إثيوبيا تعتبر رأس الهرم في الاتحاد الأفريقي سياسيا، ولأن الافارقة لايتصورون دولة محورية أفريقية تحتل إقليميا أفريقيا يطالب استقلاله كانوا يهمشون الصوت القادم من أعماق المحرقة، بل كانوا يرون الحركات التحررية في الإقليم جبهات انفصالية يجب معاقبتها ومحاصرتها. كنت أتتبع خيوط الحكايات، وعيون الأدب والشعر، وقصص بطولية تنتظر من يكتب ويروي، وأحاديث مدن مازالت تمد يديها للكتاب والباحثين من أجل الغوص في جذورها التاريخية. شحوب القلاع الأثرية تبكيني، وشوارع المدن المنكوبة تطبع على مخيلتي قصص حزينة، أين سكانها؟ لماذا ذابت ملامحها وشاخت ابتسامتها؟ هجر السكان ولم يبق فيها سوى بيوت خاوية وطرق لا يسلكها أحد. تبدو البلاد عند هجرة أبنائها كما لو كانت خالية من الحياة منذ الأزل، سكون رهيب يطبق على الأحياء، وفي ظل المليشيات الإرهابية والحكومات الفاشلة باتت الحياة حلما صعب المنال.

أتهرب من غربة تقتلني في عقر داري، وبريق عيون المسافرين وملابسهم الممزوجة بالعرق والسهر تعطيني اكسير الحياة. تؤنسني رومانسيات الأدب، ويسحرني الفضاء بعظمته، والصحراء بصفائه ومتاهاته، وصوت العندليب يدغدغ مشاعري، وأمواج البحار تمنحني شذرات من الجمال، وانسيابية الطبيعة تنسيني بؤس الصراع وقتامة الحروب، أضيع هائما في أحراش القارات. إنني أبحث عظمة الخالق في آياته الكونية، في أفول القمر وبزوغ الشمس وشفق المغيب، وتناثر النجوم في كبد السماء.

أسعى سائحا ومتأملا تداهمني النوم في الطرقات الوعرة، وينتابني الخوف على مشارف المداخل الحدودية، وربما أتضور جوعا وأنا لا أعرف لغة القوم ولا أستسيغ طعامهم، وكثيرا ما أخذ قائمة الطعام أتفحصها على مهل وأختار طبقا لا أعرف مكوناته! وعند إحضاره تباغتني ريحته النتنة، أو طعمه المقرف، وربما يكون كراعاً أو أمعاء أو بطنا محشواً بالفلافل والبهارات وهذا مما لا يأكله صومالي بدوي وإن طبخت بألف نوع ونوع. كثيرا ما تجمعني قاعات المطارات مع مسافرين توحدنا الوجهة ويقسمنا الهدف والانتماء وربما العقيدة وكذلك اللون، ورغم ذلك الطيبة الوادعة في قلوبهم لا تنضب أبداً، وجمالية البشر لا تختفي وإن تمادينا في أتون المدنية الرأسمالية التي حولت الأشخاص إلى أرقام ومجرد سلع في الأسواق، واغتالت القيم النبيلة وكرامة الإنسان. ابتسامة مختنقة لعابرة تهرول نحو طائرة مغادرة، أو غمزة دافئة لسمراء في الكرسي المقابل، أو لمحة صبي غارق بالبراءة وربما البكاء، أو لقاء مع مثقف تمنحني جرعات من الحيوية والنشاط.

في رحلتي الأخيرة كان بجانبي أمريكي أشقر باهت الوجنة دافئ العينين مدور الرأس يبتسم بسعة موغلة في الثقافة الأمريكية المرحة، جاء من ولاية غارقة بالبرودة أطلق عليها الأمريكيون " نجم الشمال" وأطلق عليها الصوماليون "ثلاجة العالم" بعدما أصبحت وطنا بديلا لهم. درس الهندسة المدنية دون أن يكابد عناء البناء ومشقة المقاسات ورسم الشرفات على الأوراق، بل دلف إلى ممارسة هوايته المفضلة وهي الموسيقى بأنواعها، حتى أصبح بارعاً في المقامات الموسيقية، وذاع صيته كملحن ومغني يدير مدارس منتشرة على ربوع العالم تدرس الموسيقى للبراعم.

لمسات الفن كانت واضحة على كلامه وأفكاره. تحدثنا عن الفن والموسيقى التي أحبها ولا أتقنها وسألني ومرارة السؤال تقطر على كلماته لماذا العالم ملئ بالصراعات والدماء ولغة القوة؟ ولماذا لا يتذوقون الموسيقى التي تستطيع أن توحدهم وتضمد جراحهم؟ وبعد حديث دام ساعة أخبرته أن زوجتي تعيش في ولاية مينيسوتا الأمريكية. فغر فاهه بدهشة! وقال وقد اتسعت عيونه وكادت أن تخرج من محاجرها إذن لماذا لا تزور أمريكا؟ ستعجبك أقوى وأغنى دولة في العالم. قلت وذكر الشريكة أثارت شجوني لعنة الأوراق يا ريتشارد! فالأوراق التي تسمونها "جواز السفر" ونسميها نحن أوراق العبودية في القرن الحادي والعشرين أغلقت المنافذ وحشرتنا في أضيق الزوايا!  ولكن يا ريتشارد لماذا تكبلنا الأوراق وتحدد حرياتنا؟ لماذا تعطي مجموعة من الأوراق شخصا حرية مطلقة يتجاوز الحدود وتقف له الجنود وتستقبله المطارات بالابتسامة والترحاب؟ بينما البعض يعاني من الحرمان والمضايقات والتمييز العنصري؟ ألسنا بشراً متساوون في الخلقة والكرامة؟ قطعتْ المضيفة كلامي حول الجنسية والأوطان بابتسامة باهتة، وبعد برهة أغمض عينيه بامتنان وأخلد إلى الكرى غير آبه بثرثرتي!

الاثنين، 16 أبريل 2018

الصومال .. حكايات الحروب والتاريخ (1)



الصومال وطن تلفه التاريخ وتحيطه المحيط والحروب، الأنهار تداعب جبينه، والمناطق الأثرية تستقبل زواره مع لمسات إستوائية مميزة. روائح الثقافة عابقة في أزقات مساجده الشاهدة على الحضارة الإسلامية العريقة، والمدن القديمة تشكل صندوقا مليئا بالأسرار وماضي أمة كانت همزة وصل بين أفريقيا والبلاد العربية وما ورائها من البلدان والشعوب.

وصل العرب إلى الصومال عبر موجات متتالية من البشر منذ انهيار سد مأرب، وبعد بزوغ فجر الإسلام توثقت أواصر العرى بينهم وبين سكان ساحل الصومال فأسسوا الممالك والمدن والمراكز التجارية، وبنو القلاع والموانئ وانسجموا مع القبائل، وانتشرت ثقافتهم وحضارتهم وساد فنونهم، وبذلك أثّروا على اللغة والملامح والتركيبة السكانية، وفي غضون سنوات قليلة ذابوا في المجتمعات المحلية وباتوا عنصرا مكونا من اللوحة الصومالية.

على أطلال حيّ شنغاني في مقديشو تحيطني جروح لاتندمل، وانهزمت أمام أطلال التراث الصامد، قصور السلاطين على كتف المساجد، ومتاحف تقبّل الرمال، وذكريات الرحالة كريستوفر كولومبس، وكتابات ابن بطوطة، وآثار المؤرخين والكتاب الذين مرّوا على بلاد بونت وهم يبحثون مجد الكلمة أو متعة السياحة في أجواء مقديشو "ساحرة شرق أفريقيا" فهربت أداوي جروح الحروب بالكتابة رغم صعوبة نسيان ذكرياته المترسخة في الذاكرة الجمعية للشعب.

كلما أتوغل أقترب إلى معالم قديمة، وشوارع اختفت، وتراث طمرها النسيان، وملامح مآسي بامتداد مقديشو، وتبدوا المحيط الهندي على صفح الأفق وكأنها تراقب مدينة تنام على وقع الإنفجارات وتصحو على دوامة سحب الثقة من أحدهم، وإذا توغلت في الحس الشاعري والهوية الحضارية المميزة ل"حَمَرْ" سترى طلاً من إبتسامة تبرز بعض مفاتنها وإن علاها غبار ثلاثون سنة كان خنجر الفرقاء مغروسا في جسدها.

نحو العبور إلى  تاريخ طمستها المعارك، وأمام مقر البرلمان الصومالي الذي يعاني من تضاريس الأزمنة تعيدني مقديشو إلى بداية السبعينيات من القرن المنصرم، المبنى الشامخ شهد مؤتمر القمة الإفريقية عام 1974م وضمّ في جدرانه زعماء أفريقيا العظام قبل أن تنال يد الغدر وتحوله إلى أطلال باكية وثكنات للجيوش المتصارعة على المدينة.

في تلك الحقبة كان الصومال مزدهراً ويشهد جهوداً حثيثة من أجل لحاق قطار التقدم والاكتفاء الذاتي، تصدّر العساكر في الجمهورية الثانية وانغمسوا في السياسية بعد دولة مدنية تنخرها الفساد وتقودها الدستور، في الوهلة الأولى بدا الجيش وكأنه يلبي مطالب الكادحين، تضافرت الجهود وتكاتفت جميع فئات الشعب من أجل صومال جديد، فبدأت موجات البناء وإنشاء التعاونيات والمشاريع الوطنية التي مازالت ماثلة إلى يومنا هذا.

حكومة العساكر لمست الوتر الحساس للشعب عندما ركزت الجوانب الثقافية والتوعوية والتاريخية، نفضوا الغبار عن تاريح الأبطال، وألفوا الأغاني، ونظموا الأشعار لدغدغت المشاعر، وبعد قطع أشواط نحو التطور ودولة تواكب العصر وتستطيع استعادة استقلال قرارها حدثت نكسة غيّرت البوصلة! العساكر اختاروا الأيديولوجية الشيوعية ومحاربة الأصالة والهوية الدينية المترسخة في الوجدان، ومن أجل تعميق الماركسية في أوساط الشعب أصدروا قوانين مجحفة بحق الدين فبدأ صراع العلماء والسلطة، ودارت مساجلات فكرية وثقافية تطورت إلى إعدام العلماء وإراقة الدماء!

كانت خطوة جريئة نحو الإنهيار تَعَمّق بعدها الشرخ بين الشعب والحكومة الصومالية الاشتراكية، وتوقفت عجلة الاقتصاد، وضاع الشعب وفقدت الدولة هيبتها على القلوب وسيطرتها على الأرض، وبعد سنوات من إعدام العلماء والهزيمة المؤلمة في جبهة أوغادين عام 1977م بدأت المعارضة المسلحة تشن حروبا على الدولة، وبين انتهاكات الدولة البوليسية وعمالة الجبهات المتمردة ضاع الوطن، لقد دمره الحروب وبقي تاريخه دفينا تحت عباءة القبلية و ركام المعالم وغباء المهووسين بالحكم، وقصص شفهية لشعب تواق إلى السلام ونشر المحبة بعد عقود من الإرهاب والكراهية.

على بعد أمتار قليلة من مجلس الشعب يطل تمثال ثائر الصومال السيد محمد عبدالله حسن بهامته الممشوقة وتقاسيمه الدقيقة، السيد ورفاقه الأشاوس الذين قادوا الجموع نحو الحرية والكفاح المسلح في زمن كان الوعي السياسي الصومالي في أدنى مستوياته واجهتم مصاعب جمّة كتفكك الوطن، وتأليب رأي العام واغتيال المعنويات عبر وكلاء الاحتلال، وعدم الحصول على الأسلحة والذخائر بسبب الحصار الأورروبي المفروض على السواحل الصومالية، ورغم ذلك حاربوا الترويكا المحتلة ( بريطانيا، إيطاليا، فرنسا) إضافة إلى الحبشة، وكابدوهم خسائر جسيمة طيلة عقدين كان نار الجهاد يومض على ربوع القرن الأفريقي.

الثلاثاء، 20 يونيو 2017

أمي .. ذكريات الرحيل والألم


ولا ينبيك عن خلق الليالي .. كمن فقد الأحبة والصحابا
من الصعب أن نكتب شئيا عن الأحبة الذين رحلوا من الفانية إلى الخلود، ومن ضجيج الكون إلى صمت المراقد وسكون القبور.

في هذه المقدمة أحفز نفسي وأنا أقف على أعتاب الذكرى 9 لوفاة والدتي الحبيبة فاطمة أحمد طاهر، وأحاول أن أكتب عنها شئيا للذكرى، وكوفاء لحبها السرمدي وتجديدا للأمومة التي فقدتها، وأسعى جاهدا أن أخفف بركان الحب الذي يغلي في داخلي ويثير كوامن الحسرة في نفسي الضعيفة التي لا تقوى أمام ضربات الحنين، وأن أتنفس ولو عبر المداد وأبوح ما يجيش في صدري من الحب والألم والصدمات التي تركها الرحيل المفاجئ لأمي التي كانت كل شيء بالنسبة لي ولأشقائي الأفاضل بنينا وبنات.

ولكن وعلى امتداد تلك السنوات العجاف أبدو عاجزا ولا أستطيع أن أجد سطورا تواسي نفسي المكلومة قبل شعوري النازف دما ودموعا، وكلمات تضمد الجرح النازف وتطبب الأحاسيس المختنقة في داخلي، وأحرفا تليق بوصف الأم وحنانها الكبير، وخاصة أمي التي كانت عصامية من الطراز الأول، ومناضلة من طينة المكافحات اللاتي يربين الأولاد بعرق جبينهن ويقمن بتضحيات جسام ستكتب التاريخ في زمن كانت مواصلة الحياة صعبة للغاية للشعب الصومالي على الأقل.

تجرعتّ مرارة اليتم صبيا، وفي صدر حياتي المترعة بالفقر والتنقلات والرحلات والتقلبات الكثيرة فقدت أبي وقبل أن أميز الأشياء وأتعرف على الوجوه المتواجدة في محيطي البيئي، وبتّ لا أعرف عنه شيئا لا عن حكمته ومركزيته للعشيرة، ولا عن سمرته الفاتحة وأناقته الكبيرة، ولا عن مرحه وشخصيته المحبوبة، ولا عن قامته الطويلة ولا كرمه الحاتمي حسب ما وصفه ندماؤه وأترابه الذين عاشوا بعده وقطعنا معهم شوط الحياة بعيدا، ولا أدري كيف كانت حياته المليئة بالبطولات المطلقة في مرابع أهله في البوادي والقرى والفلوات والمدن، ولكن سمعت نزرا قليلا عنه وحكايات تمجده وترفع قدره وكانت مصدرا للسعادة، رغم أني كنت لا أبالي كثيرا في تلك الحكاوي لأن الجهل بالأشياء أو الأشخاص نعمة في بعض الأوقات.

وبعد رحيل والدي المبكر أصبحتْ أمي هي الوحيدة في حياتي، تشفق عليّ وتهدهدني في الليل وتطلب في النهار رزقي، وعشت في كنفها أحبو وأركض وأنمو وأكبر، وأرمي إلى حضنها عندما تتعبني لعبة الطفولة وشجارها المستمر مع الأتراب والخلان، وأجد بجوارها أنس الأم ودفئها عندما أتحير في متاهات الحياة القاتلة في الكبر، وقامت مقام الأب والأم معا، وأدت واجبها الديني والأخلاقي تجاهنا بأكمل الوجه، بل تركت من أجلنا حقوقها الطبيعية وحاجاتها الإنسانية.

وفي هذه الحياة التي تدور في فلك الأم من الطبيعي أن يكون رحيلها قبل تسعة سنوات صدمة كبيرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى وزلزالا قويا تعرضت له أسرتي! فكان يوما أسودا غابت عنه الشمس التي كانت تنير حياتنا وتبث الأمل في نفوسنا وتشد سواعدنا الناعمة لنستطيع مقاومة صعاب الكون، وفقدنا الأم المثالية التي منحتنا كل شيء من الممكن أن يقدمه الإنسان للإنسان في حياته ولو كانت هذه التضحيات على حساب صحتها وراحتها.

يوم مأساوي بكل المقاييس، ولم أكن أتصوره لهوله، لا عن إنكاري لمصيبة الموت الحتمية لكل الخلائق ولا عن الرحيل المرّ لأمي، ولكن بفرط تعلقي وحبي لأمي كنت أتصور أن أمي ستعيش سنوات قادمة وأياما آتية مديدة حتى ترى أحفادها يلعبون أمامها بعفوية الأطفال وجمالهم وبرآتهم، وحتى تقدم لهم الهدايا الملفوفة بالدعاء الصادق في جنح الليل وفي هدأت الأسحار حين تفتح أبوب السماء للمتضرعين.

لا أنسى ذلك الصباح الصيفي في العاصمة الكينية نيروبي وفي الحي المعروف بسوث سي south c كان البرد قاسيا جدا، وكانت الغيوم السوداء تحجب السماء، وكان الصقيع يؤلم أطراف الجسم ويمنح الأرض وشاحا من الضباب الناعم وكان كل شيء مختلف ومتغير! في الساعة العاشرة ونصف تقريبا من صباح يوم السبت 23.8.2008 فاضت روح والدتي الطاهرة إلى بارئها، فخيل إلى أن الحياة لا تستمر أبدا بناموسها المعتاد بعد هذا اليوم، وعم الظلام على حياتي وكأن الدنيا توقفت عن الدوران وامتنعت المجرات عن الحركات وتجمدت النجوم والكواكب في جوف الفضاء، وذابت الشمس وذبل رحيقها، وأفل القمر وضعف نوره!

مصيبة المؤت لغز مخيف وحقيقة مؤلمة لم يرتقي إليه البشر إدراكه ومعرفة كنهه، لذا لم أستطع أن أستوعب بسرعة ما يجرى في حولي وما يدور أمامي، أنياب الموت تنهش جسم أمي ومن عشت في رحمها قبل أن أرى النور وكبرت في كنفها بعد الولادة وسنوات اليتم المؤلمة، بكاء صامت وعويل يقطع أوتار القلوب، وذرفات من دموع الحزن تسيل على خدي، لم يتجرأ حد أن يقول ماتت من سهرتْ كثيرا لإسعادك وطوى صفحة أمك إلى الأبد، وأنقسم الناس بين مشفق لحالي وبين من خنقته العبرات واسكتته الفاجعة، وبين من يربت على كتفي ويحثني علي الصبر والتجلد.

ورغم أن جثة أمي الهامدة ممدودة أمامي دون حجاب أو حاجز أو حتى قطعة من القماش الناعم الذي يغطي عادة على الموتى، كنت أعتقد أن أمي في غيبوبة وأنها حتما ستعيد وعيها قريبا، وهذا ليس من صنع الخيال ولا نظرية مستوحاة من الأفلام، بل حقيقة عشتها في ذاك الصباح، وكانت مجرد أمنيات بسيطة لمتيم يعشق أمه حد الجنون، ربما كانت أحلاما سرابية كنت أهربها عن الحقيقة الصادمة والفاجعة التي حلت بنا في هذا اليوم!

الجمعة، 10 فبراير 2017

ذكريات على ضفاف النيل


تمر بنا الأيام والليالي دون أن نشعر، وتقربنا السنون إلى أجلنا المحتوم ويومنا الموعود، وتحمل لنا الأعوام والساعات أخبارا سارة وأخرى ضارة ،كما يحمل العام في طياته الأتراح والأفراح والبشائر والأنذار المبكرة للأشياء الجميلة في حياتنا.

أنظرُ إلى السنوات الخمسة التي عشت في السودان فأتذكر لحظات الغربة القاتلة، كما أتذكر لحظاتها الجميلة وساعاتها القاتمة، سواء كنت في المقاعد الدراسية، أو في الحدائق العامة وعلى ضفاف النيل والمكتبات التي تعج بأصناف العلوم والمعرفة، فأتعجب كيف مرت الأعوام هكذا سريعة وكلمح البصر!، وفي خضم تيهي على وادي الإستفهامات أتساءل: هل هرولت بنا السنون؟ أم أسرعت ومرت كالبرق وكالموجات السريعة؟ أم أننا لا نحس مرور الأيام والليالي (بانغماسنا) في ملذات الدنيا وشهواتها وجمالها الفاني؟

خمسة سنوات عشتها على أكتاف الجمال ومدينة الخرطوم، وتحملت مشقات كثيرة بسبب العلم وتحصيل المعرفة، ورقصت على أهداب الزمان بخيلاء وشموخ، وعزفت العود وبنغمات رقيقة على كورنش النيل وواحات التسوق المتناثرة على شاطئه وفي أعتاب المنافي المتعبة بالأغاني المشحونة بالوجع والألم، كما أحببت الحدائق الخضراء المنسقة بالزهور عند ملتقى النيلين في المقرن الثملة بسكرة الإيحاءت الرومانسية الصادحة من أعماق الأجساد وفي صميم الأبدان، واجتاحتني وأنا متلفع برداء الغربة لطمة حياتية موجعة في دروب الحب الطويلة.

في غربتي الأنيقة قطفت ثمارا يانعة من بساتين الذاكرة، وتعللت آمالا أيقونية ساطعة، وسامرت أطياف الجمال، وتنعمت في حضن الخرطوم الدافئ أحيانا واللافح أحيانا أخرى في عز الغربة والشوق وفي منتصف الصيف الخرطومي الساخن، وكانت الدراسة مجرد أنسي الذي يقطع لوعة الغربة في الليالي الباردة، وعندما يجتاحني لهيب الشوق كنت أردد في غربتي بإستمرار أغنيات كلاسيكية مختارة، ذات أوتار خماسية أمثال:
Tacliintaan usoo dhoofayeen uga imid dhulkaygii
Dhayal iguma aha oo waan dhowrayaayeey
"التعليم الذي سافرت وتركت وطني من أجله ليس هيّناً عليّ وسأحافظ عليه وأعتني به دوما".

خمسة سنوات كانت الكتب رفيقي في الحل والترحال والأقلام أصدقائي في كل حين، وكانت ملتحفة بتناقضات الحياة والمسالك التي يطول فيها العبور، أخبار مظلمة، وأجواء صحراوية جرداء وطقوس رطبة شتائية، وتدافع الأفكار وتنمية العقل والإدراك، وتنقلات عجيبة من نيروبي لندن أفريقيا إلى عطبرا بلد الحديد والنار، ومن جِكْجِكَا عاصمة الثقافة الصومالية الأصيلة والرقصات الشعبية الموغلة في الوجدان الصومالي إلي بحردار وموضع الجمال في العمق الأمهري وأعالي هضاب الحبشة.

عشت في الغربة والأحشاء تحترق! وعكفت فوق ربى الترقب أطالع صفحات وطني وحب شعبي المليئ بين قصبات الضلوع كأنه مرسوم على لوحة فنية تربطني بأفراد شعبي وتاريخ بلدي، فتزيدني شوقا ولذة خاصة تسكن بين العيون والرموش.

2009،2010،2011،2012،2013 خمسة أعوام مشحونة بالشوق والضنى، ومفعمة بالألم والشجن، خمسة سنوات متناقضةإبتسمتكغرة الربيع وبكت كالثكالى، ولم تكن سوى سنوات غائمة وأرقاما سديمية تائهة المعالمإضافة إلى وميض القلم وليالي المذاكرة على وقع أصوات البعوض وعصافير البطن، وأياما تئن وتتوجع ولا تؤنس وحشة الفراق وقيوده التي لا تلين، كما كانت سنوات لا تخلو عن ساعات أحسست بفرحة الفرج بعد الضيق وأياما متألقات تشع عنها الدفء والنور، ولحظات تتآلف القلوب وتندمج النفوس فيها.

هنا الزمن يمشي سريعا وكأنه يلاحق موعدا، ويمتزج التاريخ بالجغرافيا وجمال النيل الذي أصبح نهرا يرتبط في السودان بموروثات الهوية والحضارة والوجدان، في السنة الأولى من سنوات الغربة والضياع كنت كورقة متعاكسة تدور حول نفسها! كنت أناجي أشجار التمر الباسقات التي يتدلى منها الرطب كضفائر الغواني في عطبرة مع رفقة أجلاء وأصدقاء أوفياء عاشوا في "دار جعل" برفقة الكرم والشهامة، ولم تكن السودان حينها في نظرة مراهق أبعدته الحروب والصراعات العبثية عن وطنه سوى بلد غريب عنوانه النيل، وشعاره التحدي، ولسانه دارجي، وتكاليفه باهظة وصعبة.

وقُطر كثير القوانين واللوائح يصعب لمراهق مثلي جاء من أقصى الشرق للقارة يحمل تمردا على كل القوانين في جيناته وقلبا ناصعا لم تغتلْه أيادي الحقد، وتعويذة جدتي، وبقايا سبحة ويقين أستعين بها في نوائب الدهر، وحبا جارفا للعلم والمعرفة أجبره ليحط به الرحال في وسط الصحراء وفي تلك السنة وفي جناب البرلوم كنت أتذكر ملاعب الطفولة ومدارج الصبا ورمال الشواطئ الذي يشكل النبض الأكبر في بلادي.

أما العام الثاني الذي حملني طيف الغربة إلى عمق السودان والعاصمة المثلثة فقد كان عاما مترعا بالبهجة والجمال رغم الغربة! تعودت أكل الفول محبوب الجماهير وصديق البسطاء وزميل الكادحين وحديث السمار، وأصبحت ماهرا في تحضير الفتة والطعمية والجبنة والشاي وبطريقة أهلي في أقصي الجنوب من الوطن، وكونت علاقة رومانسية غريبة أرسلتني من سكون الغربة إلى دفء العشق وتربة الوطن.
إرتبطت بإنسانة لطيفة وفتاة لامعة في أوساط الطلبة الصوماليين في تلك الفترة، أنسها كان يهوّن علي كثيرا من السآمة والملل ورهبة الغربة، أحسسنا كثيرا  تدفق التعلق في أوصالنا على وقع موسيقى الجاز والألعاب التقليدية السودانية التي تصدح في حناجر السمراوات داخل  السينما والقنوات الثقافية والمسارح  المطلة على النيل العظيم، وضحكنا كثيرا من أجل الأمسيات المبللة بالحب والصباحات المتألقات في الحرم الجامعي وفوق الكراسي الدراسية، وبكينا كثيرا من أجل أحبة رحلوا عن دنيانا الفانية إلى دار البقاء، وآخرين قلبت لهم الدنيا ظهر المجن وشربوا كؤوس الحور بعد الكور أصنافا!.

الاثنين، 22 ديسمبر 2014

إطلالة من السينما الهندية

الحسناء الهندية مانطوري ديكست نيني (Mandhuri Dixit Nene) هي واحدة من أكثر الممثلات الهنديات نجاحا وتألقا وجمالا، حيث حصدت في مسيرتها الفنية التي إمتدت قرابة 30عاما جوائزا فردية وجماعية متعددة، منها 6 مرات فازت فيلم فاير وهي أعلى جائزة في الأفلام الهندية، وأربعة مرات في أفضل ممثلة، وفازت مرة واحدة في أفضل ممثلة مساعدة. ونالت جائزة خاصة لإستكمالها عامها الـــ25 في المهنة السينمائية وهي تحمل الرقم القياسي في الترشيح لأفضل ممثلة، حيث رشحها النقاد والجمهور أكثر من 13 مرة لأفضل ممثلة هندية، كما حصلت جائزة بادما شري وهي الجائزة المدنية الرابعة الأعلي في الهند، ونالت هذه الجائزة تكريما لها، وتخليدا لدورها الريادي في الثقافة الهندية، ومساهمتها الفعالة لصناعة السينما الهندية.
مانطوري هي واحدة من أهم الممثلات اللآئي نافسن الرجال في الشهرة وتجسيد المشاعر والنجاح، وفاقت أقرانها بجمالها الباهر وعفويتها الطيبية وملامحها الصبيانية البرئية، وباتت صاحبة التأثير الكبير في أوساط البوليود والسينما الهندية وردهات التمثيل والمسارح، مفخرة صناعة اﻷفلام ليس في بلدها فحسب بل صناعة اﻷفلام في العالم أجمعقصصها المترعة بالحب واﻷلم، ولوعة الفراق وعذاب الهجر وجمال الوصال وألق التلاقي، وأدوارها البطولية، وكفاحها المرير ونضالها المتواصل عبر أفلامها للتغلب من الظلم الاجتماعي والعبودية، وتعذيب الإنسانية، والطبقات المجحفة، واﻹقطاعية البغيضة، وأدوارها المبكية، ولمساتها اﻹنسانية في جل أفلامها التي اختارت معظمهم بدقة متناهية، والكارزما الخاص التي تمتلكها، إضافة إلى رغبتها الكبيرة في النجاح جعلتها ايقونة البوليود وشمسها التي لاتغيب.
كم أعجبتنا بأدائها الراقي، ورقصاتها المبهرة، وصدق مشاعرها في اﻷفلام وفوق المسارح وامام الكاميرات، وتمثيلها اﻹعجازي، ونظراتها القاتلة، وتغنجها الذي يحير القلوب، وأنوثتها التي تذهل اللب وتثير مكامن الشوق وأحاسيس العشق، وكم أسحرتنا برقصاتها الشعبية على وقع اﻷلعاب الفلكورية الهندية والغربية علي السواء، وكم منحتنا سعادة غامرة بإبتسامتها الساحرة وسلاستها الجسدية في الرقص، حتى أطلق عليها الجماهير الهندية Dag Dag girl نسبة لرقصتها الإعجازية في فليمها بيتا 1992 مع أنيل كابور، ونالت في هذه الفلم أحسن ممثلة.

الثلاثاء، 24 سبتمبر 2013

المرأة الصومالية إكسير الحياة

في وسط المروج الطبيعية وأثناء تناولي فنجوان القهوة الصباحي مع نسائم الصباح الندية في زاوية هادئة من المقهي حيث لا أسمع إلا دبدبة الناس المسرعين إلي العمل وأزيز السيارات في الشارع المجاور والكلمات الصادحة من هنا وهناك، وفي لحظة تأمل عميق ونظرة ثافبة لحياتنا وما آلت إليه الأوضاع في بلدي الحبيب، وكيف يجهض الآثمون جنين الأمل في رحم المعاناة، وكيف يسرق الجناة البسمة علي وجوه البسطاء، وكيف يغرق بلدي كل مرة بالشبر الأولي من الماء ويتيه شعبي لأبسط العقبات، وفي لحظة شارفت ان لا أري إلا القتامة والتشوهات في حياتنا، لاح بصيص أمل من بين الركام وشعاع مضئي إرتفعت معه ترمومتر السعادة في جوانحي.

وهتف هاتف في أعماق قلبي : لماذا لا تري الوجه المشرق في حياة الأمة ؟ ولماذا ذاكرتك الوطنية تحجب الضياء المنبعث في وسط الدمار؟ كأنك من فضائيات أشقائنا العرب والمسلمين التي تري الدمار والدموع ولا تري التنمية والتطور رغم قلته، ويعجبها تفاصيل القتل ويستهويها رعب الإنفجار ، ولا يسرها إعادة الأمل والأمان ولا تلقي بالا بالأسواق التي تعج بالحياة وأطيب الفواكه وأشهاها، ولا الجامعات وردهاتها الجميلة بين حفيف الأوراق وصرير الأقلام، ولماذا تستنكر الجميل وتبعد الزوايا الرائعة من الصورة كما يفعله المربحون علي شقاوتنا أصحاب الضمير الميت؟ حينها رجعت شريط الذاكرة وتماديت دخول التاريخ والبحث عن نضارة الحياة ووسامة الوجه الخفي والوقوف أمام الجندي المجهول في حياتنا.

Gorfeynta buugga "Geylame"

  Buugga “Geylame” ee uu qoray Xassan Maxamuud Qorane, waxa uu nuqul ka mid ah gacatayda soo galay Habeenkii la soo bandhigayey oo ku beegna...