‏إظهار الرسائل ذات التسميات التاريخ. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات التاريخ. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 4 أكتوبر 2019

إنهم لا يعرفون كيف يضحكون !



في الطابق الرابع والعشرون وفي نافذة مطلة على شارع يرتاده الهاربون من ملل الحياة ومن قرّ الخريف الماطر تبدو المدينة وكأنها سجادة زاهية مبسطة على مساحة شاسعة من النور والغموض، نوافذ مضيئة وأخرى معتمة وسيارات تنساب كأنهار أفريقيا قوة وتتابعا، وعمال يحملون ملامح مجهدة وغارقة بتفاصيل الأيام، وأبراج سامقة تعلوها أنوار باهرة كالقناديل.

أراقب نبض المدينة ولا أعرف ما يجري في داخلها. حيوية البشر وكفاحهم ضد الفناء، الاستجابة المفرطة لنداء الطبيعة، أنقياء يعبدون الخالق في زاويا معتمة، وحشاشون يستمتعون بنشوة الجرعات، ومراهقون يضاجعون أيديهم ويمارسون الجنس الذاتي، وسرّاق يتحسسون وسط حقول ملغمة ويسيرون على أصابع القدمين خوفا من صحوة متأخرة لعجوز انتابته نوبة سعال في الهزيع الأخير من الليل، ومرضى نفسيون تقتلهم الكآبة في الغرفات. إنها مساحة مثالية وخالية نستطيع أن نسقط عليها ما نشاء من التصورات والإيحاءات. من بعيد تشبه المدن النفوس البشرية التي لا نعرف كنهها وما يعتريها من الألم والسعادة والأمراض في عالم ربع سكانه يعانون من الأمراض النفسية.

مدينة لا تبلى ولا تشيخ ولا تنقضي زحمتها. باردة الإشراق كما عهدنا، دافئة الابتسامة في كل حين، لها ملامح أمومة ورائحة أبوة وتعج بصخب المجون والملاهي، ويرتفع فيها نداء الإسلام ليذكرنا بالمآل كلما جرفتنا الأمواج بعيدا نحو هاوية الملذات، وفيها ملايين من البشر تدفقوا من الفجاج فمنهم من وجد ضالته، ومنهم من أغرقته الحياة، ومنهم من يحاول الوصول دون أن يملك مقومات الصمود، ومنهم المغرد على قمة النجاح. إنها الدنيا وتلك شجونها. مصممة بطريقة بعيدة عن تمنياتنا وتريد منا الكفاح لتحقيق مطالبنا، ومن أجل تجاوز مطباتها نحن بحاجة إلى التفكير والتأمل حول المستقبل والفرص المتاحة والعقبات التي تحيط بنا.

كانت وحدة الليل تضنيني في مدينة أبعدتني ممن قابلتهم في طرقات الحياة، وبما أن الفن السابع يعطينا مساحة من الألفة كنت ضيفا على سينما يرتادها عشاق الأفلام، ولحسن الحظ كان الفيلم المعروض "Knock Knock" من بطولة ممثل أحببته منذ أن شاهدت سلسلة أفلامه الشهيرة المصفوفة (The Matrix) التي يعتبرها النقاد من أنجح الأفلام في تاريخ هوليوود، الفيلم الذي كسر حاجز المألوف وأثار جدلا دينيا وفكريا وفلسفيا واجتماعيا ووطد أركان الخيال العلمي جعل كيانو ريفز (Keanu Reeves) ممثلي المفضل إلى جانب مايكل جاي وايت، وفاندام، ودي كابريو. ورغم المشاهد الجنسية والبذاءة إلا أنه نال إعجابي وأثار بعض التساؤلات والمخاوف، ولمس وتراً حساسا بعد أن بات الموضوع أبرز المنغصات الموجودة في الحياة الزوجية، وحديث الساعة في كثير من الأحيان.

يتناول الفيلم وبطريقة دراماتيكية تحيطها الإثارة ولا تخلو من الرعب ومفاجأة الحياة التي غالبا ما تكشر عن أنيابها، ضعف الرجال - مهما كانوا وفي مختلف أعمارهم وأوضاعهم وأفكارهم ومناصبهم وأيديولوجياتهم - أمام النساء، والرغبة الجامحة في نفوسهم لإشباع غريزتهم الجنسية، وقليل من يقاوم أمام سلاح المرأة الفتاك، فما بالك بجسدها وتضاريسها وهي عارية وتتفنن في الإغواء وإثارة الشهوة والتعذيب في ليل أمريكي مبلل بالغرابة والعواصف.

لقد مثلت الفنانة الكوبية أنا دي أرماس (Ana de Armas) وكذلك التشيلية لورينزا آيزو (Lorenza Izzo) أدوارهن بتميز شديد يضعن في مصاف النجمات. الأداء المثالي للفتيات إضافة إلى كيانو أضفى على الفيلم مسحة من الجمال والواقعية، وكشف الأفكار الفوضوية والهوس الجنسي وهتك الخصوصيات المنتشر في أوساط "الأجيال الرقمية".

ورغم أن الفيلم يفتقد إلى اللمسة المبتكرة ويعاني من التكرار وروتينية الحبكة والنهاية المفتقدة لهزة فنية مدهشة - مما انعكس على تقييم النقاد للفيلم وإيراداته المالية نظرا لسقف التوقعات – إلا أننا أمام عمل يتناول مشكلة حقيقية اتسعت دائرتها في عصر المغريات و"مواقع التواصل الاجتماعي، الزوج "الخائن" أو الضعيف أمام مغريات النساء وأجسادهن في عالم تقوده نيوليبرالية متوحشة وباتت المرأة سلعة تباع في الطرقات والحانات والفنادق وتقتحم الحياة الشخصية لإغواء الرجال وهدم عرى الأسر المفككة أصلا في عصر الفلسفة المادية.

لقد تخطت هذه المشكلة كل الحواجز وطرقت معظم أبواب الأسر بطريقة أو بأخرى، وحولت الحياة الزوجية إلى مطبات مليئة بالشكوك والشجار وربما الطلاق، ولم ينج من المتاهة أحد سواء كان قديسا راهبا، أو عاشقا ولهانا، أو سياسيا محنكا، أو رياضيا مشهورا، أو فنانا عالميا، أو شابا مفتونا بالنساء ومعاشرتهن مما يجعل الموضوع مضحكاً ومأساويا. وقد لخصت جينيسيس (لورينزا) هذا الموقف في نهاية الفيلم بمشهد حزين:

You know what’s funny? They never say no. No matter who they are. No matter how much they love their families. You’re all the same.

لقد أرهقني الفيلم بالخواطر وأبعدتني التساؤلات عن الانخراط في الأجواء الاحتفالية، وبتّ وحيدا يكتنفه الصمت في وسط همسة حانية وضحكة صافية تعلوان في قاعة باردة وخافتة الأنوار، كنت أتساءل لماذا حرمنا من السينما وكم ماتت موهبة فنّية بسبب الكبت؟ ولماذا الجمهور الصومالي كان يتذوق الفن والأدب ويحضر المسرحيات بل ويتفاعل معها تضحكه النكات وتبكيه المشاهد الحزينة، ونحن نحارب الفن والإبداع ومات فينا الحس الجمالي؟ لقد غيّرت الحروب القلوب والأمزجة وحولت الشعوب إلى هياكل حزينة "ولا يعرفون كيف يضحكون"!

في صغرنا لم نشاهد الأفلام الكرتونية ولا مسلسلات الأطفال ولم نقرأ قصص البراعم ولم نستمع كثيرا حكايات الجدات، بل كانت الحروب تلاحقنا ثم تؤذينا وتحشرنا في أضيق الزوايا حتى تركت ترسبات من الخوف، ولم نعرف شارل بير، وجوناثان سويفت، والكساندر بوشكين والأخوان الألمانيان غريم إلا في الكبر وفي نهاية العقد الثاني عندما شرعنا في القراءة الجادة وتذوق الأدب وبذلك ظلت الطفولة المتأخرة تعبث وتثير فينا كوامن الشوق، وإلى يومنا هذا وفي منتصف العقد الرابع ما زلت أحمل تلك الطفولة وأنظر بشوق إلى الأرجوحة المتدلية من الأغصان والأحبال في المتنزهات والحدائق العامة، وتستهويني النوم على وقع السرديات الشعبية وممارسة الطفولة في الفضاء الرحب، كبرت ولم تكبر الطفولة بل هي تلاحقني في كل مكان.

الجمعة، 30 أغسطس 2019

خواطر على جناح طائرة

أمام مضيفة طمس المكياج على ملامحها الأوروبية وعلى جناح طائرة تهتز وتعلو وتهبط كلما اعترتها مطبّة هوائية انتابتني هواجس أشغلتني عن تصحيح كتابي القادم " الصومال.. حكايات الحروب والتاريخ" وتصويب أخطاء الكتب وتعديلها في الرحلات الطويلة عادة اكتسبتها مؤخراً. في عمق الفضاء سألت نفسي لماذا أسافر؟ ولماذا أكتب؟ وما العلاقة بين الكتابة والترحال؟ كانت أسئلة بالغة الإيقاع وأدخلتني بحرا من التساؤلات المتشظية!

أذوب عشقا وأشعر برد الراحة كلما أحجز تذكرة لوجهة جديدة، نحو قرى صارخة الألوان، أو بلدة تاريخية واهية المباني تغفوا باكية على كتف النسيان. إنني أشبه الطيور أفرد جناحي وأغوص في أعماق المكان أتذوق تفاصيله ونكهته المتفردة، ولا أقبل القفص وملازمة العش، فالطيور تموت بدون الحرية، والمياه تكدر بدون حركة، وكذلك الفكرة تتوقف وتتجمد ثم تتعفن وتكون نتنة كالبالوعات إذا لم يحركها الترحال ولم تشذبها التجارب. في السفر أحمل أفكاري وانطباعاتي عن الزمان والمكان وأحولها إلى نص يعبر عن شخصيتي التواقة إلى اكتشاف العالم بعيون قارئ وحس كاتب. ورغم أن "الكتابة الحقيقية عملية مستحيلة" إلا أنني أمارسها لأنسى الهموم وضغوط الحياة وأشباح الحروب التي تكبلنا وتزدرينا ثم تبعدنا عن تحقيق طموحاتنا وما أبسطها في كنف القتل والإرهاب؛ رغيف خبز جاف، وكوب ماء، ونوم عميق لا تقطعه أزيز المدافع ودوي الانفجارات.

الترحال يعطيني هامشا من الحرية ومساحة للتفكير، إنه يخرجني من الفضاء الضيق إلى رحاب المعمورة، ومن القوالب الجاهزة للمدن الرمادية إلى حياة متعددة الألوان مختلفة الأذواق، وكلما أبتعد عن دياري يتسع العالم من حولي وتزداد المسافة وأتوغل في دروبه المختلطة بالثروات والثورات والدماء. أسافر لأداوي جروح الحروب بالكتابة، في بلد يغلب عليه الطابع الشفهي ونقل الأخبار والأحداث بالحكايات والقصص والأشعار، وظل الأدب محمولاً على كاهل الأدباء والمثقفين والشعراء الذين لم تتح لهم كتابة إبداعاتهم. "والأدب المحمول" هو الذي لم يرو ولم يكتب، بل بقي قابعا في أدمغة الأدباء وأفئدتهم حتى رافقهم إلى الأجداث قبل أن يرى النور. وبعد رحيل معظم عمالقة الفن الأدب دون أن يدونوا ما كان يجيش في صدورهم حمل الكاتب الصومالي عبأ ثقيلا وتحديا صعبا يتمثل في إخراج هذا الأدب من براثن النسيان، وهذه مسؤولية تتطلب على قدر كبير من الخبرة والكتابة الجيدة والإلمام لخبايا الثقافة ودقة تقودنا نحو كتابة التاريخ بعيون صومالية، وكلها عوامل تلقي علي وعلى أمثالي من الكتاب ظلالاً من التأمل في ملامح حاضرنا ولمسات ماضينا وخيوط مستقبلنا.

في جميع رحلاتي كانت آهات بلدي المجزأ تصرخ في وجداني وتبحرني في موجات حزن لا ضفاف لها. وطن من إبل وأدب وشرفات مطلة على البحار والمحيطات والحضارات، ومساجد صامدة رغم غزو البرتغال وصدمة الطليان وسطوة الإنجليز وجور الجوار الأفريقي، وشعب حباه الله خصالا حميدة ويتمتع بعقلية جبارة ورغم ذلك يعاني من الحروب الأهلية والتشريد. كانت أسئلة بعينها تلاحقني في الممرات المفضية إلى الغيتوهات، وفي ردهات الفنادق، وبهو الصالات، وعلى ضفاف الأنهار والمدن المكتظة بعتمة الغياب وأطفال ذابهم الحنين، وكنت أحمل  همّ الأطراف (جيبوتي وأنفدي) الذين أخشاهما من الذوبان الثقافي، كما كنت صوتا للصومال الغربي (أوغادين) التي لم تجد اهتماما إفريقيا وعالميا وتأييدا من المنظمات الحقوقية والإنسانية لكون إثيوبيا تعتبر رأس الهرم في الاتحاد الأفريقي سياسيا، ولأن الافارقة لايتصورون دولة محورية أفريقية تحتل إقليميا أفريقيا يطالب استقلاله كانوا يهمشون الصوت القادم من أعماق المحرقة، بل كانوا يرون الحركات التحررية في الإقليم جبهات انفصالية يجب معاقبتها ومحاصرتها. كنت أتتبع خيوط الحكايات، وعيون الأدب والشعر، وقصص بطولية تنتظر من يكتب ويروي، وأحاديث مدن مازالت تمد يديها للكتاب والباحثين من أجل الغوص في جذورها التاريخية. شحوب القلاع الأثرية تبكيني، وشوارع المدن المنكوبة تطبع على مخيلتي قصص حزينة، أين سكانها؟ لماذا ذابت ملامحها وشاخت ابتسامتها؟ هجر السكان ولم يبق فيها سوى بيوت خاوية وطرق لا يسلكها أحد. تبدو البلاد عند هجرة أبنائها كما لو كانت خالية من الحياة منذ الأزل، سكون رهيب يطبق على الأحياء، وفي ظل المليشيات الإرهابية والحكومات الفاشلة باتت الحياة حلما صعب المنال.

أتهرب من غربة تقتلني في عقر داري، وبريق عيون المسافرين وملابسهم الممزوجة بالعرق والسهر تعطيني اكسير الحياة. تؤنسني رومانسيات الأدب، ويسحرني الفضاء بعظمته، والصحراء بصفائه ومتاهاته، وصوت العندليب يدغدغ مشاعري، وأمواج البحار تمنحني شذرات من الجمال، وانسيابية الطبيعة تنسيني بؤس الصراع وقتامة الحروب، أضيع هائما في أحراش القارات. إنني أبحث عظمة الخالق في آياته الكونية، في أفول القمر وبزوغ الشمس وشفق المغيب، وتناثر النجوم في كبد السماء.

أسعى سائحا ومتأملا تداهمني النوم في الطرقات الوعرة، وينتابني الخوف على مشارف المداخل الحدودية، وربما أتضور جوعا وأنا لا أعرف لغة القوم ولا أستسيغ طعامهم، وكثيرا ما أخذ قائمة الطعام أتفحصها على مهل وأختار طبقا لا أعرف مكوناته! وعند إحضاره تباغتني ريحته النتنة، أو طعمه المقرف، وربما يكون كراعاً أو أمعاء أو بطنا محشواً بالفلافل والبهارات وهذا مما لا يأكله صومالي بدوي وإن طبخت بألف نوع ونوع. كثيرا ما تجمعني قاعات المطارات مع مسافرين توحدنا الوجهة ويقسمنا الهدف والانتماء وربما العقيدة وكذلك اللون، ورغم ذلك الطيبة الوادعة في قلوبهم لا تنضب أبداً، وجمالية البشر لا تختفي وإن تمادينا في أتون المدنية الرأسمالية التي حولت الأشخاص إلى أرقام ومجرد سلع في الأسواق، واغتالت القيم النبيلة وكرامة الإنسان. ابتسامة مختنقة لعابرة تهرول نحو طائرة مغادرة، أو غمزة دافئة لسمراء في الكرسي المقابل، أو لمحة صبي غارق بالبراءة وربما البكاء، أو لقاء مع مثقف تمنحني جرعات من الحيوية والنشاط.

في رحلتي الأخيرة كان بجانبي أمريكي أشقر باهت الوجنة دافئ العينين مدور الرأس يبتسم بسعة موغلة في الثقافة الأمريكية المرحة، جاء من ولاية غارقة بالبرودة أطلق عليها الأمريكيون " نجم الشمال" وأطلق عليها الصوماليون "ثلاجة العالم" بعدما أصبحت وطنا بديلا لهم. درس الهندسة المدنية دون أن يكابد عناء البناء ومشقة المقاسات ورسم الشرفات على الأوراق، بل دلف إلى ممارسة هوايته المفضلة وهي الموسيقى بأنواعها، حتى أصبح بارعاً في المقامات الموسيقية، وذاع صيته كملحن ومغني يدير مدارس منتشرة على ربوع العالم تدرس الموسيقى للبراعم.

لمسات الفن كانت واضحة على كلامه وأفكاره. تحدثنا عن الفن والموسيقى التي أحبها ولا أتقنها وسألني ومرارة السؤال تقطر على كلماته لماذا العالم ملئ بالصراعات والدماء ولغة القوة؟ ولماذا لا يتذوقون الموسيقى التي تستطيع أن توحدهم وتضمد جراحهم؟ وبعد حديث دام ساعة أخبرته أن زوجتي تعيش في ولاية مينيسوتا الأمريكية. فغر فاهه بدهشة! وقال وقد اتسعت عيونه وكادت أن تخرج من محاجرها إذن لماذا لا تزور أمريكا؟ ستعجبك أقوى وأغنى دولة في العالم. قلت وذكر الشريكة أثارت شجوني لعنة الأوراق يا ريتشارد! فالأوراق التي تسمونها "جواز السفر" ونسميها نحن أوراق العبودية في القرن الحادي والعشرين أغلقت المنافذ وحشرتنا في أضيق الزوايا!  ولكن يا ريتشارد لماذا تكبلنا الأوراق وتحدد حرياتنا؟ لماذا تعطي مجموعة من الأوراق شخصا حرية مطلقة يتجاوز الحدود وتقف له الجنود وتستقبله المطارات بالابتسامة والترحاب؟ بينما البعض يعاني من الحرمان والمضايقات والتمييز العنصري؟ ألسنا بشراً متساوون في الخلقة والكرامة؟ قطعتْ المضيفة كلامي حول الجنسية والأوطان بابتسامة باهتة، وبعد برهة أغمض عينيه بامتنان وأخلد إلى الكرى غير آبه بثرثرتي!

الاثنين، 1 يوليو 2019

تحولات الأدب الصومالي .. من المقاومة إلى الماركسية .


لقد احتل الأدب مكانة بارزة عند المجتمع الصومالي في مختلف مراحله وأجياله، فكان خزينة حكاياتهم وقيمهم وسجلات تاريخهم وتراثهم ومتاحف بطولاتهم وحِكمهم والمحرك الأول لشعب عشق الأدب ودولة القوافي، وظل شفهيا ينقل الأخبار ويحفظ الأيام والماضي بالأشعار والحكم والأدب والفنون. وقد قرن الأدب صومالياً بالنضال ودفاع المقدرات والثوابت الوطنية حيث لايوجد – عبر التاريخ - كفاحاً وطنياً خالياً عن "أدب المقاومة" وشعراء بارزين حوّلو الأدب إلى أسلحة فتاكة واستطاعوا تخليد قضيتهم عبر قصائدهم، بل كانت المقاومة تأخذ طابعا وطنيا ودينيا قويا في مشاعر المجتمع بضمها عظماء يتقنون الأدب ومخاطبة الشعب بأشعار يحرك وجدانهم. ومن الأمثلة الشهيرة في هذا المضمار السيد محمد عبدالله حسن الأب الروحي للحرية الصومالية الذي كان شاعرا فحلا أتقن أبواب الشعر وأغراضه واستخدم لصالح قضيته.

السيد ورفاقه الأشاوس استخدموا كافة أنواع الأدب وخاصة الشعر لإلهاب العواطف وبث الحماسة ونشر فضائل المقاومة ومدح أبطالها وذم المتخلفين عنها، والحث على محاربة المحتلين، وهجو أذيال الاحتلال والمتقاعسين حتى باتت أشعاره أحاديث السمار  وحكايات الركبان وحقلا خصبا ساعد الكتاب والمؤرخين لفهم الدراويش وأيديولوجيتهم. وبعد مئآت السنين من بدأ شرارة جهادهم ضد الطغيان الأوروأفريقي مازال الصوماليون يحفظون أيامهم ويعرفون تاريخهم ويصونون تراثهم ويتبادلون حكاياتهم ويعشقون بطولاتهم ويسردون تفاصيلهم، وما ذاك إلا لقوة الشعر وجزالته وجذوة الأدب الموقدة في نفوسهم حتى تعلقوا بأبطال الدراويش ومآثرهم، وصار  إسماعيل مري وحسين طقلي وآخرون أيقونات وطنية وقامات أدبية وقيادية بارزة، ولولم تكن الأمة تتذوق الشعر وتمتلك حسا جمعيا يحب الأدب لكان ماضي الصومال يختفي وراء تتابع طبقات التاريخ وطيات النسيان.

لقد اهتم الصوماليون في تاريخهم الشعر  وجعلوه ذروة إنتاجهم الأدبي وحظي مكانة لايصل إليها جميع أنواع الأدب، فالشعر ديوان حاضرهم وماضيهم وسجلا أخلد الأحداث ونقل إلينا جانبا من سلوك الأجداد ويومياتهم المترعة بالتنقل ومقارعة النصارى في المشرق الأفريقي. وبما أن للأدب سطوته كانت القبائل تهادن وتتصالح وتتصارع وتغير  بعضها بعضا خشية الهجاء وأن يخلد ذلك في الذاكرة الأدبية لمجتمع لاينسى الأدب ويحفظ الشعر مهما تقادم عهده، وهكذا صار الأدب بشتى صنوفه العنوان الأبرز للمجتمع حتى لقب الصوماليون بأمة الشعر. وحافظ الشعر هويتهم وخصائصهم وحمل قصائد مشبعة بالوطنية والولاء والاعتزاز بالموروثات والذات. ولم تكن من السهل ترميم الهوية الصومالية التي هدمها المحتل بعد أن قسم الأرض إلى خمس أقاليم تخضع للاحتلال إلا بوجود أدب مترع بأشعار وأغاني ومسرحيات عابرة للحدود الوهمية وترسخ على الوجدان وحدة الأمة وإن تقاسمت الآلام والمرارة واغتيال الأمل وراء قضبان الحدود ومخرجات مؤتمر برلين.

ورغم المحاولة الكولونيالية الجادة لتضييق الخناق على الأدب الثائر  وإغراق الشعب بالدوجما الفكرية إلا أن الأدب الصومالي كان جامحاً بعيدا عن المحتل ومزاجه الغثائي فكان الأدب سلاحا فتاكا واجه الصوماليون على الترويكا الأورروبية (فرنسا، بريطانيا، إيطاليا) وأجبروهم على الرحيل. وبعد الاستقلال بدأ الأدب ينتعش ويحرك الجموع الصومالية الظامئة إلى الحرية، ومن الشعراء الذين برزوا في تلك الحقبة الشاعر عبدالله سلطان تمعدي الذي ظل معلما من معالم الحرية في ربوع "الصومال الكبير".

وبعد ثورة أكتوبر (الإنقلاب العسكري) وجد الأدب اهتماما خاصا من الحكومة الصومالية فبنت المسارح وشكّلت الفرق الموسيقية وشجعت الكتابة باللغة الصومالية واعتمدت بذلك الحرف اللاتيني، وانغمس الناس في الفن الغنائي فأخذ دور الشعر يتضاءل فيما كانت المسرحيات والأغاني تسيطران على المشهد الأدبي ويعزى هذه إلى جغرافية الدولة الوليدة التي لم تستطع ضم أقاليم يعتبر منبع الأدب الصومالي، إضافة الى الحكومة التي كانت تشجع على الأغنية والمسرح على حساب الأدب التقليدي، ولا ننسى الدور التحفيزي والامتيازات التي كان يناله من يكتب أو يلقي قصيدة عن تمجيد الثورة و "الجيش الأحمر" والاشتراكية العلمية، ومن هنا ابتعد شعراء بارزون عن الساحة خشية من "الرقيب الأحمر" وصوناً لقدسية الشعر ومسؤلية الكلمة.  وعموما كان الأدب في تلك الفترة يخدم ثورة أكتوبر لذا كان يبعد عن النصوص الخالية عن الرموز الماركسية والإيحاءات الاشتراكية وتمجيد الشيوعية عن الأثير والمجالس الثقافية والمعاهد العلمية والجامعات والمدارس، أما النص الذي يدعوا إلى اعتناق الاشتراكية العلمية التي تحرر العباد من طغيان النيوليبرلية والرأسمالية المتوحشة - حسب سرديات الشيوعية - فكان يجد رعاية الدولة.

لقد حاول عرّابو الاشتراكية الصومالية على تدجين الشعب وتوجيهه على نحو يقرب المجتمع إلى الثقافة الشيوعية وبقوالب محلية وأسلوب يدغدغ مشاعر البسطاء، فكانت خطب الرفيق " سياد برّي" في بداية حكمه رنانة وذات نغمات وطنية وقومية حالمة يجملها صوت جهوري وحبال صوتية عميقة وأبيات شعرية مفعمة بروح الثورة والكفاح وتحقيق أحلام طالما لامست عقول الصوماليين وقلوبهم دون أن تتحق على أرض الواقع. كانوا يرونه مجدد مآثرهم وموحد وطنهم، ولكن لم تدم هذه التوقعات وانكشفت زيف الماركسية عندما مارس الاستبداد وحاول إبعاد الدين عن المسرح السياسي وتطبيق المادية التاريخية وتفسير النصوص الدينية حسب مزاج الدولة.  وبما أن الدين تشكل هوية جامعة في القُطر الصومالي كانت المساجد أكثر  تاثيرا من المسارح والإعلام الحكومي، وكانت تغسل "أدران الاشتراكية" المستبدة وتدعوا عبر أساليب تقليدية إلى تطبيق الشريعة والعودة إلى الوحيين لرسم طريق جديد يصلنا إلى سعادة الدارين بعد أن جربنا الديمقراطية الرأسمالية والشيوعية الإلحادية. وكان الشعر الديني والطرق الصوفية وبعدها الحركات الإسلامية  تسهم في بناء وعي جمعي يقاوم ضد الأفكار الوافدة " النفايات الأيديولوجية" ويرسخ على المفاهيم الإسلامية.

وبعد سنوات من جهد الدولة ظهر على الساحة أدباء وشعراء تأثروا بنظريات جدانوف الثقافية وتشبعوا على المبادئ الماركسية بعد أن درسوا الفن والأدب والمسارح في الصين والاتحاد السوفيتي وكوبا وغيرهم من الدول اليسارية، وكانت الفترة الذهبية لهذا الجيل السنوات العشر التي تفصل بين وصول العسكر إلى الحكم وحرب أوغادين 1977م الذي أدى إلى هوة لم تستطع الأطراف – الصومال، والدول الشيوعية - ردمها أبداً، وأخيرا ابتعد اليسار وترك الصومال يواجه مسيره، وبعد أن جرف تيار الحاجة الصومال نحو الرأسمالية لم يصمد "أدب الأحمر" أمام الأدب الرأسمالي المتدفق على الوطن بأفلامه ورواياته المكتوبة وأغانية ومسرحياته المدعومة بالمؤثرات إلى أن انحسر   واختفى سحره نهائيا عن الخارطة الثقافية. ورغم ذلك كانت الفلسفة الماركسية تأثيرها الواضح على مثقفي وأدباء الصومال وأفريقيا عموما في سبعينات وثمانينات القرن العشرين، وكان الأدباء الصوماليون ضمن آلاف من كتاب وأدباء أفريقيا ناصروا الفكر الماركسي ورأوا أنه يناصر القضايا العادلة ويناهض التمييز العنصري والطبقي ويرفض العبودية ويوزع الثروة بطريقة عادلة. لذا تغلغل في جميع المستويات وبات البلد مشبعا بالمفاهيم والمظاهر الاشتراكية على نحو جعل مقديشو موسكو صغيرة.

ورغم إبتعاد الصومال عن التيار السوفيتي بعد هزيمة الصومال الغربي، ونهضة الفن الغنائي والمسرحي الذي فاز أفريقيا في مهرجانات ثقافية بارزة كلاغوس والخرطوم، وظهور كتّاب تجاوزت شهرت أعمالهم الأدبية حدود الوطن إلى العالمية مثل نورالدين فارح  إلا أن وكغيره من الأدب والفنون الأفريقية كان ضحية للحروب الثقافية مما جعل أدباً هامشياً لم يجد إنصافا من الدوائر الثقافية العالمية التي يهيمن عليها الغرب الغارق بالتنميط.
النقد الشكلاني البعيد عن المهنية للأدب الأفريقي مازال يسيطر على الغرب الذي يرى أنه المركز والأخرون هوامش وديكورات ليس لهم أدوار حقيقية في الحقول الإبداعية ولايستطيعون إنتاج أدبي راقي يرضي ذوق القارئ الناضج (الغربي) لذا يرون الأدب الأفريقي ساذجا وغارقا بالتفاهة والسطحية ولا يحمل أي بصمة إبداعية أو دهشة أدبية، ولاينفك أبدا عن المعتقدات الدينية والصدمات الاجتماعية العنيفة، إضافة إلى السياسة الأفريقية التي تعاني من التبعية والمراهقة والإبتذال.

الجمعة، 14 ديسمبر 2018

كيف شكّلت الحروب أجيالاً من الصوماليين وسحقت أحلامهم؟

"لا أحد يعود من الحرب كما كان" مقولة شهيرة ظلت راسخة في أفواه المقهورين بعد كل حرب عبثي كنا نستطيع الابتعاد عنه، وكذلك المدن لا تبتسم كعادتها ولا يلتئم جرح الأوطان بعد الحرب، إنه أسوأ ما عرفته البشرية، يدمّر الشعوب ويشوّه التاريخ والحضارة، ولاينجز سوى دموع الأمهات وانتشار الفقر والدماء، وتغيير الملامح والهوية والوعي.

الكتابة عن الحروب تعيدني إلى ذكريات الطفولة الضائعة في مرابع عشيرتي الممتدة بامتداد السمرة والإبل، ومعها أمرّ عبر الخيال الذي يتسع كلما أتوغل في مأساتها ثورات اللاتين، وانقلابات أفريقيا، وهمجية الحضارة الغربية المدمرة، وتخمة العرب من الصراعات الصفرية، والصومال المزدحمة بالإختلافات وحروب أفقدتها نعمة الأمن ومواكبة العالم ومحاربة الفقر الذي قال رئيسها ذات يوم وهو في قلب مقديشو: إن عام 2000م سيكون آخر عام سيوجد على وجه الأرض صومالي جائع لايجد لقمة شريفة تسد رمقه، كانت وعودا فارغة أطلقها آخر المستبدين الوطنيين كما أطلق مدافعه على المدن الصومالية، وطلقات المدافع أسرع من وعود السياسين الذين أخفقوا في إيجاد الحلول الناجعة لأزمات بلادهم.

لم تتحقق تلك الأمنية العابرة لرئيس ظل رمزا وطنيا قبل أن يجرفه الاستبداد بعيدا عن أحلام الشعب ومبادئه، بل توغلنا في عقود كريهة كان صوت الرصاص هو الفصل الحتمي لأتفه الأسباب من شجار الأطفال إلى تلاسن الأصدقاء وحكايات الجدات الطاعنات وصراع الجبابرة، وكان الفرقاء الصوماليون يبتسمون في العلن وأمام الكاميرات في العواصم العربية والأفريقية وفي مؤتمراتهم المتعددة ويوزعون الموت في الخفاء، مما أذهل العالم وجعله حيارى حيال هذه الأزمة المتجددة.

عشنا بين الأمم مطأطئ الرؤوس، والتهمتنا الجوع ونحن نعيش في بلد يعدّ من أخصب البلاد الأفريقية والعربية، وساقنا الظمأ إلي توابيت الموت ونحن على ضفاف الأنهار وبحيرات من المياه الجوفية، ولاغرو في ذلك فالعقول القاحلة حوّلت السهول والمدن المطلّة على الأنهار الى صحراء، بينما العقول المنتجه جعلت الصحراء مروجاً وأنهاراً!

لقد ترك الحرب جرحا عميقا في البئية والحياة والسلوك، فبدأ الجيمع يسأل ويبحث عن زاوية غير تقليدية لإكتشاف ذواتهم ومعرفة ماهية الحرب مما ألهم الشعراء والأدباء والكتاب، وصنع جيلا جديا أبدع بعضهم في وصف الحروب بالقصائد والأشعار والمسرحيات والنكت وقليل من التدوين والكتابة، وبرزت النكسات المتتالية كتاباً ورسامين ومواهب إستطاعت تعبير الحروب بكثير من الإبداع والمعاناة، وحولوا التشرذم إلى سرديات موجعة، ورسوم ملهمة، وحكايات شفهية تغوص في أعماق المأساة، وألحان تعبر عن مشاعر المقهورين ونبضات المحبين وملامح المهاجرين من ديارهم إلى المنافي البعيدة، وقصص تؤرخ للحروب وتخرج الحقيقة الكامنة وراء ركام الأوطان والقلوب الخانقة إلى صدارة الجرائد وشاشات التلفزة. والحقيقة في زمن الصراعات تختفي على وقع هدير الرصاص وتضيع الأشياء في عمق الجروح الغائرة.

وأخفق بعضهم كالفن الصوتي ــ الأغنية ــ حيث توارى في محراب الحب وألوان الصبا ومفاتن المرأة والرومانسية المفرطة، وكان في معظمه غريبا هابطا لايمتّ بماضي وأحاسيس وثقافة الشعب بأي صلة، ولا يحاول تخفيف الألم عن كاهيل الكادحين إلا ما ندر، وبدا الفنان وكأنه يغنّي لمجتمع مثالي تعمه السلام وتحفه الطمأنينة، ومن الغريب أنهم يحييون ليالي الحمراء في المنافي في حين كان الدم يسيل في الطرقات، وبعضهم شاركوا في فصول الحرب وأسقطوا عن عيون الشعب إلى الأبد، وقصارى القول كان الفن والأغاني "الإيروتيكية" في واد والواقع في واد آخر.

وكذلك أخفق المثقفون سياسيا ودفنوا رؤوسهم في رمال الصومال المتحرك واتصفوا بالانطوائية والشوفينية لأفكارهم بعيدا عن المجتمع ومشاكله الحقيقية، وطفقوا يحللون الواقع ويلعنون الحاضر وقد احتفظوا بأماكنهم البعيدة عن معترك السياسة بكل برودة. كانوا ينشرون نظرياتهم عن الوطن وعن الحروب وعن الإسلام والثقافة والسياسة والدولة والقبيلة دون أن يقدموا مقترحات حقيقية لإنتشال الوطن، بل كانوا يتهربون من مسؤلياتهم ويتذرعون بأسباب واهية دون أدنى شعور بالذنب، وقد انتهز هذه الفرصة زعماء القبائل ومجرمي الحرب فتصدروا على المشهد السياسي والاقتصادي مما أبعد الحلول.

لقد تمرّد المثقفون عن الواقع القبلي العفن وابتعدوا عن قيادة الدولة وتأثير القبيلة ــ حسب أدبياتهم ــ ولكنهم أبدعوا في حقول التعليم وإنتاج المعرفة فأسّسوا المدارس والمعاهد والجامعات، وساهموا في نشر ثقافة التدوين والكتابة، ووثقوا المجازر والانتهاكات ضد الإنسانية واغتصاب براءة الأطفال وزجهم في الحروب الأهلية، وساهموا في إبراز الزوايا الأكثر إيلاما من زوايا الحروب، وتصوير المشهد ومساعدة الآخرين على فهم الأحداث كما كانت وكيف حدثت بدون تهويل أو تزييف أو تضليل أو تجزئة.

ورغم أن الكتابة لاتستطيع برومانسيتها ورفاهيتها في خيال المجتمعات ذات الثقافة الشفهية بناء مستقبل مشرق وسلام داخلي ما لم تتكاتفه جهود القوى الفاعلة في الساحة بكل أنواعها وايديولوجياتها، إلا أنها تظل النافذة الأهم التي نشهد من خلالها سوداوية الحروب وتعليق القوانين، وعبرها نستطيع نشر ثقافة التسامح والسلام والتعايش السلمي بين أطياف المجتمع، وفي هذا السياق يجدر بنا أن نذكر أن الكتابة عن الحرب تبدوا في خيال البعض مهنة لاتقل بشاعة عن الحرب نفسه! حيث تُنقل اللحظات الأكثر بؤسا وعنفا في تاريخ البشرية إلى الأجيال القادمة لنكدر عليهم حياتهم بأحداث لم عاصروها وأهوال كانوا في غنى عنها.

ولكن الجانب الأكثر وحشية للحروب هو أنه سينتهي وإن تمدد، وتتصالح الدول والشعوب والقبائل، وسيظهر على السطح مجرمون برتبة زعماء، وسيمنح على الجنرالات أوسمة ونياشين وجوائز تقديرية لإباداتهم المروعة ضد الأبرياء، وسيجني أثرياء الحروب وصناع البؤس ملايين الدولارات من دماء الكادحين! ووحدهم البسطاء يعانون ويموتون من أجل مبادئ ظالمة وحروب خاسرة في كل الأحوال، يزهقون أرواحهم، ويفقدون أحبابهم، ويخسرون أعضائهم، وتصيبهم التشوهات من أجل مستبد همّه الكرسي وإن مات الملايين من أجله، ويستميتون في الدفاع عن ناهبي أوطانهم في حرب لايعرفون أساسه ولايدركون أهميته القانونية والأخلاقية والإنسانية! فقط سمعوا عبر أبواق المجرمين أنه الدفاع عن وطن لم يقدم لهم شئيا سوى الفاقة والأمراض والجهل، وأنه حرب جيد يستحق الموت علما بأنه لايوجد حروب جيدة وأخرى سيئة. ويتساءلون بحسرة: لماذا السلم رغم جماله مفقود والحرب رغم بشاعته موجود؟

كيف نموت من أجل دولة يملكها طاغية وتحلبها عائلة وتبدأ من حيث تنتهي القبيلة أو المصلحة أو الطائفة؟، وظلت عاملا هامشيا في حياتنا، ولم نعطها يوما ولاء حقيقيا بعد أن ترسبت الموروثات الثقافية والاجتماعية وتأثير القبيلة وقدسيتها في مخيلتنا، وارتبط ولاؤنا الأول للقبيلة أكثر من الدولة، وبالتالي أصبحت الدولة عاملا تابعا للقبيلة وليس العكس؟ لقد أخذت الدولة في أوطاننا مفهوماً كارثيا بكل المقاييس حيث اختفى التابع (الدولة) وبقي المتبوع ( القبيلة) تتعملق وتسيطر على حياة الشعب مما أدى إلى انهيار تام بالمؤسسات الوطنية واشتعال حرب أنتج شعبا شرساً ومتوحشاً للغاية يعاني من الأمراض النفسية والشحنات السالبة.

الجمعة، 21 سبتمبر 2018

الصومال.. حكايات الحروب والتاريخ 2

السماء تعزف لحن المطر، وتضوعَ الأريجُ عن أحراش خط الإستواء والقرى الناعسة على أحضان المحيط، وتنتشر الإبتسامة الموغلة في التجلد وازدراء الآلام على ربوع الوطن في ظل الحركات الإجرامية والأوضاع المأساوية، وفي عمق الجمال الشاعري تبدوا أحراش الغابات وجوز الهند والحقول الزراعية على خارطة جنوب الجنوب لوحة طبيعية باذخة المعالم.

هنا وجوه صومالية خالية من الكآبة، وشيوخ يتمتعون بروح الدعابة والضحكة الصافية، السعال في الهزيع الأخير من الليل وبريق عيونهم تخبرك حكايات الحروب والتاريخ، المساجد منتشرة في كل ركن وزاية من  تلك القرى المرصعة بجو صومالي بديع حيث ثرثرة النسوان ومرح الأصدقاء على ضفاف الأدب والأمثال تنساب في أزقة التاريخ وشواطيء المعاناة اليومية للبسطاء، الكل يراعي النجوم ويستظل القمر ودولة القوافي، وينام على وقع أنين المظلومين ويصحوا على أصوات الرصاص.

نهر شبيللي وما ورائه من المدن والقرى تعتبر مروج ممتدة نحو الأفق ونهر عابر للأوطان تختلط فيه الأعراق والسياسة والمصالح والتضاريس، وبصمات الدمار بادية على جبين الأنهار والبحار والمدن الغارقة بالشحوب وعلى أرصفة البيوت التي هاجر سكانها بعد أن طردهم الوطن وأستقبلتهم المنافي، قصص الرحيل في المدن والأحياء مؤلمة ومأساوية، وفي عمق الدمار تأتي الأجيال المكافحة من أجل الحرية والمعرفة وانتهاء الصراعات وفواجع الحروب عبر العلم والقراءة والبحث عن الذات وتتبع خيوط الحقيقة رغم ندرتها في وطن تتقاذفه أمواج الصراعات والإنتماءات.

ما أجمل السفر في ربوع وطنك يرافقك كتاب يذكرك بالماضي الجميل، كنت أقرأ وأنا أسير على دروب يطول فيها العبور كتاب (سالي فو حمر وحكايات أخرى من أفريقيا) للدبلوماسي السوداني جمال محمد أحمد، الكتاب يثير كوامن النوستالجيا في أعماق نفوسنا الحزينة، حيث يتناول بطريقة أدبية ماتعة الصومال وحكاياتها وسمرة أهلها وعراقة تاريخها. الفترة التي لحقت الاستقلال كان الوطن مرتعا للكتّاب والأدباء والسياسيين والآن دمر الحرب كل شيء، لقد اختفت معالم الدولة ومظاهر الثقافة ومعهما الكتاب والإبداع. ولكن مع الاستقرار النسبي للأوضاع تحسن وضع الثقافة في الصومال عبر الأندية والملتقيات الأدبية ومعارض الكتب في معظم المدن، وبدأت بوادر المعرفة تلوح في وسط الركام مما ساهم في نشر الوعي بين الشباب الصومالي.

 كنت أحثّ الخطى نحو قاعة في قلب مدينة كسمايو الساحلية يحدوني الشوق إلى ندوة مصغرة لمثقفين يحملون هم الوطن، كانت "الهويات القاتلة" عنوان جلستنا التي تفرعت وتوغلت في جميع الميادين حتى لامست الماضي والحاضر وأضاءت المستقبل، وكان أصل الصومال كعادته لغزا حير الجميع، ومن الغريب أن الصوماليين لم يحسموا أصلهم لحد الآن ومقسمون بين عربي لا يتقن لغة العرب وأفريقي لا يحمل جميع ملامح الأفارقة يرافقهم الحيف في المنظمات حيث يعتبر الصومالي مواطن من الدرجة الثانية عربيا وأفريقيا، وتعتبر موضوع الأرومة من أشرس المواضيع في الساحة الصومالية.

لم يكن بحث الجذور الموضوع الوحيد في تلك الندوة، بل كان مبدأ "الصومال الكبير" الذي هاجمه البعض من الداخل حاضرا في أروقتها، فبعد عقود من التمسك بالنظريات الجامعة يبدوا أن التشظي نال هذه القومية المتجانسة التي كانت موزعة في عدة دول أفريقية يجمعهم حلم "الصومال الكبير" الذي كان يجري في عروقهم قبل تجزأة المجزأ إلى كانتونات قبلية ودويلات متصارعة على أنقاض وطن.

الأشواق الصومالية ومطالبتهم بالوحدة إبان التحرر الأفريقي إصطدمت بسياسة الاستعمار ومصالح الإمبريالية العالمية فقطع أوصال بلادهم وقام بتصفية عقولهم، وحارب ضد الحركات التحررية وفي مقدمتهم حركة الدراويش، ونصر الله، ووحدة الشباب الصومالي، والصومال الغربي، وثورة شيخ حسن برسني، ومقاومة قبيلة بيومال في الجنوب وغيرهم، وقاموا باغتيال أيقونة الوحدة أمثال المناضل محمود حربي الذي أسقطت طائرته في عرض البحر، حَربي رفَع شعار عودة جيبوتي إلى حضن الأم، وكان صوتا للحلم الصومالي القابع وراء الحدود التي صنعها الاستعمار.

بعد هذه النكسات لم يستسلم الصوماليون بل قاومو على المحتل فشنوا الحملات وجردوا الجيوش وهم يحملون لواء الإسلام وأحلام مشروعة تقودهم نحو إعادة مجدهم ومدنهم. ومنذ أن اعتنق الصوماليون الإسلام ظل يشكل النبض الأكبر لحروبهم فتوغلوا جنوبا وغربا عبر رحلة برية تستحق عناء البحث والكتابة بعد أن تدثرت بغبار النسيان وأصبحت حكايات ملئية بالشجن والملاحم يرويها الأجداد للأحفاد.

كان الصوماليون يتمددون على المشرق الأفريقي من أجل نشر الإسلام، أو الهرب عن صراع القبائل والأفخاذ الصومالية، أو البحث عن الثراء ومناطق لم يصلها الرعاة الرحل، وقد أفل نجم الممالك والدول التي حكمت أجزاء واسعة من شرق أفريقيا بعد مجيء الاستعمار دون أن يتركوا كتبا تؤرخ لمسيرتهم، لذا ربما لاندرك جل الطرق التي سلكوها والأحداث التي رافق زحفهم، ولكن نستطيع أن ندرك عبر الشعر الذي ظل المتحف الخازن لسجلات الماضي أن الشعوب الساكنة في تلك المناطق لم تستقبل الصوماليين بالورود والزغاريد بل بالحرب والدماء، ولكن بفعل الشجاعة والتفوق التدريبي والرشاقة إضافة إلى التجلد والرغبة الحقيقية لنشر الإسلام على ربوع الوثنيين كانوا ينتصرون في معظم المعارك ويواصلون زحفهم حتى وصلوا إلى تخوم نيروبي جنوباً وأواسط البحر الأحمر شمالاً، فيما تممددوا غربا على أديس أبابا وما ورائها من البحيرات، وكان الصوماليون من الأوائل الذين وصلوا إلى عمق الأمهرا في بداية القرن السادس عشر وتحديدا عهد الجهاد المسلح ضد أباطرة الحبشة التي قادها الغازي أحمد جري ورفاقه الأشاوس.

لقد تعمق الصوماليون في الأدغال الأفريقية وعبروا نهر تانا إلى الجنوب وهم يحملون عقيدتهم وأفكارهم وإبلهم ونمط حياتهم، ورغم التنوع الثقافي والعقدي بين الصوماليين وسكان تلك الأراضي فإن الروايات الشحيحة والميثولوجيا الصومالية تدلنا كيف كان التداخل بين المجموعتين بعد أن وضعت الحرب أوزاره، حيث روى لنا المسنون أن المحاربين بعد أن وصلوا تلك الأراضي واستوطنوا فيها آلت إليهم الأموال والممتلكات وتزوجوا من القبائل الأصلية، وبذلك أصبحت تلك البلاد موطنهم البديل إلى أن جاء الإحتلال الغربي والدول القطرية فانحسروا نحو المحيط بعد أن خسروا آلاف الأميال بسبب قلة عددهم وشساعة أرضهم واختلاف البيئات الماطرة عن تلك التي عاشوها في مرابعهم في القرن الأفريقي، إضافة إلى السياسة الكولونيالية التي نصت على تحجيم دور الصوماليين وتلجيم مطامعهم.

كانت القبائل الوثنية التي تسكن على المستنقعات الجنوبية وما بين نهر جوبا وتانا في الإقليم الصومالي في كينيا شديدي البأس واتسموا بالشجاعة والعدد والتكتيك القتالي، وكان لهم ثقافة مازالت بعض آثارها بادية للعيان، ورغم ذلك مازال أنماط حياتهم وطقوساتهم المعيشية والدينية شحيحة جدا إلا ماكتبه المحتل البريطاني وهي رغم قلتها لاتنصف في كثير من الأحيان، وقد امتدت مسيرة الصوماليين نحو البحيرات العظمى وخاصة تشاد التي يعش فيها اليوم قبائل صومالية كما يعتقدها طيف واسع من الصوماليين رغم أنها إندمجت تماما في المكون الثقافي والعرقي لجمهورية تشاد والبلاد المجاورة.

الاثنين، 16 أبريل 2018

الصومال .. حكايات الحروب والتاريخ (1)



الصومال وطن تلفه التاريخ وتحيطه المحيط والحروب، الأنهار تداعب جبينه، والمناطق الأثرية تستقبل زواره مع لمسات إستوائية مميزة. روائح الثقافة عابقة في أزقات مساجده الشاهدة على الحضارة الإسلامية العريقة، والمدن القديمة تشكل صندوقا مليئا بالأسرار وماضي أمة كانت همزة وصل بين أفريقيا والبلاد العربية وما ورائها من البلدان والشعوب.

وصل العرب إلى الصومال عبر موجات متتالية من البشر منذ انهيار سد مأرب، وبعد بزوغ فجر الإسلام توثقت أواصر العرى بينهم وبين سكان ساحل الصومال فأسسوا الممالك والمدن والمراكز التجارية، وبنو القلاع والموانئ وانسجموا مع القبائل، وانتشرت ثقافتهم وحضارتهم وساد فنونهم، وبذلك أثّروا على اللغة والملامح والتركيبة السكانية، وفي غضون سنوات قليلة ذابوا في المجتمعات المحلية وباتوا عنصرا مكونا من اللوحة الصومالية.

على أطلال حيّ شنغاني في مقديشو تحيطني جروح لاتندمل، وانهزمت أمام أطلال التراث الصامد، قصور السلاطين على كتف المساجد، ومتاحف تقبّل الرمال، وذكريات الرحالة كريستوفر كولومبس، وكتابات ابن بطوطة، وآثار المؤرخين والكتاب الذين مرّوا على بلاد بونت وهم يبحثون مجد الكلمة أو متعة السياحة في أجواء مقديشو "ساحرة شرق أفريقيا" فهربت أداوي جروح الحروب بالكتابة رغم صعوبة نسيان ذكرياته المترسخة في الذاكرة الجمعية للشعب.

كلما أتوغل أقترب إلى معالم قديمة، وشوارع اختفت، وتراث طمرها النسيان، وملامح مآسي بامتداد مقديشو، وتبدوا المحيط الهندي على صفح الأفق وكأنها تراقب مدينة تنام على وقع الإنفجارات وتصحو على دوامة سحب الثقة من أحدهم، وإذا توغلت في الحس الشاعري والهوية الحضارية المميزة ل"حَمَرْ" سترى طلاً من إبتسامة تبرز بعض مفاتنها وإن علاها غبار ثلاثون سنة كان خنجر الفرقاء مغروسا في جسدها.

نحو العبور إلى  تاريخ طمستها المعارك، وأمام مقر البرلمان الصومالي الذي يعاني من تضاريس الأزمنة تعيدني مقديشو إلى بداية السبعينيات من القرن المنصرم، المبنى الشامخ شهد مؤتمر القمة الإفريقية عام 1974م وضمّ في جدرانه زعماء أفريقيا العظام قبل أن تنال يد الغدر وتحوله إلى أطلال باكية وثكنات للجيوش المتصارعة على المدينة.

في تلك الحقبة كان الصومال مزدهراً ويشهد جهوداً حثيثة من أجل لحاق قطار التقدم والاكتفاء الذاتي، تصدّر العساكر في الجمهورية الثانية وانغمسوا في السياسية بعد دولة مدنية تنخرها الفساد وتقودها الدستور، في الوهلة الأولى بدا الجيش وكأنه يلبي مطالب الكادحين، تضافرت الجهود وتكاتفت جميع فئات الشعب من أجل صومال جديد، فبدأت موجات البناء وإنشاء التعاونيات والمشاريع الوطنية التي مازالت ماثلة إلى يومنا هذا.

حكومة العساكر لمست الوتر الحساس للشعب عندما ركزت الجوانب الثقافية والتوعوية والتاريخية، نفضوا الغبار عن تاريح الأبطال، وألفوا الأغاني، ونظموا الأشعار لدغدغت المشاعر، وبعد قطع أشواط نحو التطور ودولة تواكب العصر وتستطيع استعادة استقلال قرارها حدثت نكسة غيّرت البوصلة! العساكر اختاروا الأيديولوجية الشيوعية ومحاربة الأصالة والهوية الدينية المترسخة في الوجدان، ومن أجل تعميق الماركسية في أوساط الشعب أصدروا قوانين مجحفة بحق الدين فبدأ صراع العلماء والسلطة، ودارت مساجلات فكرية وثقافية تطورت إلى إعدام العلماء وإراقة الدماء!

كانت خطوة جريئة نحو الإنهيار تَعَمّق بعدها الشرخ بين الشعب والحكومة الصومالية الاشتراكية، وتوقفت عجلة الاقتصاد، وضاع الشعب وفقدت الدولة هيبتها على القلوب وسيطرتها على الأرض، وبعد سنوات من إعدام العلماء والهزيمة المؤلمة في جبهة أوغادين عام 1977م بدأت المعارضة المسلحة تشن حروبا على الدولة، وبين انتهاكات الدولة البوليسية وعمالة الجبهات المتمردة ضاع الوطن، لقد دمره الحروب وبقي تاريخه دفينا تحت عباءة القبلية و ركام المعالم وغباء المهووسين بالحكم، وقصص شفهية لشعب تواق إلى السلام ونشر المحبة بعد عقود من الإرهاب والكراهية.

على بعد أمتار قليلة من مجلس الشعب يطل تمثال ثائر الصومال السيد محمد عبدالله حسن بهامته الممشوقة وتقاسيمه الدقيقة، السيد ورفاقه الأشاوس الذين قادوا الجموع نحو الحرية والكفاح المسلح في زمن كان الوعي السياسي الصومالي في أدنى مستوياته واجهتم مصاعب جمّة كتفكك الوطن، وتأليب رأي العام واغتيال المعنويات عبر وكلاء الاحتلال، وعدم الحصول على الأسلحة والذخائر بسبب الحصار الأورروبي المفروض على السواحل الصومالية، ورغم ذلك حاربوا الترويكا المحتلة ( بريطانيا، إيطاليا، فرنسا) إضافة إلى الحبشة، وكابدوهم خسائر جسيمة طيلة عقدين كان نار الجهاد يومض على ربوع القرن الأفريقي.

السبت، 7 أبريل 2018

إفريقيا .. ظلم الجغرافيا



كنت في مدينة صومالية تصافح المحيط عندما انهالت عليّ الذكريات وأنا أتأمل حياة أفريقيا الملتهبة من أقصاها إلى أقصاها، في أعماق الألم حلّقت بعيدًا فوق القارة الغنية بمواردها وبؤسها أراقب أحلام شعوبها وتطلعاتهم في ظل القهر وتكميم الأفواه الذي جعل الشعب كتماثيل حزينة لا إرادة لهم، إضافة إلى العبودية الجديدة المتسترة وراء رداء الهيئات العالمية.

منذ ربع قرن وشعبي الصومالي قابع في أوحال الحروب وفواجع التشريد، وصوَبوا بنادقهم صوب صدورهم بعد أن كانت تدافع المقدسات والمعتقدات عبر سلسلة من النضال الطويل من أجل المبادئ والمقدّرات، فقد حاربوا البرتغال في عمق البحار، واستحوذوا على أجزاء واسعة من أراضي شرق أفريقيا ينشرون الإسلام ويحاربون الجهل، وتوغلوا جنوبًا نحو السافانا والتلال المغطاة بالثلوج والسمرة الغامقة، وفي بداية الحملات الأورروبية قسّم الاستعمار أراضي الصومال إلى خمس أجزاء تجمعهم الأمنيات، وفي سبيل تحقيق مطالبهم سقط الملايين وجرح مثلهم، ولم يكن الطريق مفروشًا غير الدماء ومقارعة نصارى أوروربا وأباطرة أباسينا وسياستهم التوسعية عبر التاريخ.

من مقديشو اتجهت غربًا نحو بلاد الشعر (أوغادين) وكأني ألاحق الشمس وهي تعزف لحن الغروب خلف روابي إقليمٍ جرى فيه صراع عالمي مصغر منذ أن منحته بريطانيا الإقليم الغني بالثروات لإثيوبيا نكاية على الشعب الصومالي الذي أبى أن يعيش الإنجليزُ بسلام في أرضهم، كنت أحث الخطا نحو تاريخ أمتي وأمجادها الضاربة في عمق التاريخ، الألحان الشجية، وأريج اللبان، ورائحة الإبل الممزوجة بالأدب، وتكايا السلاطين والمدن التي تحاور الثروات تثير في وجداني مشاعر عتيقة وتشكل «زوايا غير محكية» تنتظر حكّاء ماهرًا يقدمها للعالم.

الصومال العريق بتاريخه منذ مملكة بونت وما تلاها من الممالك والحضارات اشتهر في السنوات الأخيرة بأزمته الإنسانية المتكررة! ولكن ما لا يعرفه العالم أن هذا البلد يعني قرابة مليون كم مربع من الإبل والمحيط والملاحم. والجريمة الوحيدة التي اقترفناها أننا أردنا أن نعيش أحرارًا يحملون لواء الإسلام وأنفة ورثناها عن أسلافنا، وأرادت الكولونيالية أن نعيش بلا وطن ولا هوية ولا انتماء، وأن نكون موزعين على البلدان المجاورة لكسر شوكتنا وتمزيق وحدتنا!

توغلت في أفريقيا وتجاوزت الحدود المصطنعة بعد نكسة برلين 1884-1885، وتعمقت الجرح الأفريقي النازف منذ قرون، في صغري كنت أحمل همّ قارة المستقبل، أعجبني لحن المناطق المرتفعة، وأبهرني قوة ساكني الأحراش، وسحر الحلم القابع وراء الحناجر التي تهتف بالحرية ولو بصوت متهدج خلف ضجيج الجغرافيا ومونولوجيا الذات، كنت أكتب قصصهم وأحكي عن أشواقهم عبر مداد قلمي الحامل بفيض من اللذة والألم ومحاربة الركود الثقافي للمجتمعات.

في قلب حيّ كابيرا الكارتوني في نيروبي وعلى جدار مقابل للبيوت المطلة على المزابل التقيت شابًا في مقتبل العمر، كان يتحدث عن مأساتنا وهو ينفث دخان سيجارته: «لقد حوّلت الأدمغة العفنة أفريقيا إلى أوكار للفاقة والجريمة، الاستعمار لم يذهب بل بقي في بلادنا يجثم على صدرنا، ويقتل أبناءنا تارة عبر وكلائه الذين أوصلهم إلى رأس الهرم، وتارة بالتدخلات، ومرات عبر السيطرة المطلقة على الإنتاج وتحديد أسعار الخامات، ليأخذ الغرب الأموال ونحن لعنة الثروة.

في المعابر والمطارات لا صوت يعلو فوق الترقب وهاجس الجنود والأسلاك والجدران الفاصلة بين الأفريقيين. المؤسسات المدنية الفاعلة والتحول الديمقراطي باتا ضربًا من الخيال في ظل جيوش ذابت في السياسة وتحمي عرش الطغاة، القوات المسلحة في أقطارنا هي اليد الباطشة للأنظمة المستبدة، فبدلا من ابتعادها عن السياسة وانغماسها في المهام الرسمية انخرطت  فيما لا تتقنه فتاهت في مسالك القمع والإرهاب، وبامتزاج رغبة العساكر مع أطماع المؤسسات المدنية المأزومة تكونت دولة المافيا، وأجهزة بلا كفاءات تغرق في الشبر الأولى من مشاكل الوطن بعد أن هربت الأدمغة المثقفة إلى الخارج خوفًا من السجن أو القتل.

الأربعاء، 28 فبراير 2018

رسالة إلى سالم .. المولود البريء


أهلا وسهلا بك يا صغيري في هذا العالم، ودّعت اليوم بطن أمك الذي كنت تجول فيه بدون منافس يفسد حياتك الطرية وينكد مزاجك الجنيني، وجئت إلى عالم مختلف، شعاره التحدي والبحث عن البقاء في حقل من الألغام والانتهازية والجمال الممتد بامتداد الحب والطيبة في كوننا الفسيح.

يوم قدومك احتفل كاتب هذه السطور الذي بدأ مع والدك رحلة الحياة من مهدها، كنا أطفالا في نعومة أظفارهم، تسعدهم الكرة وتبغضهم الأفلام الرديئة في عطلة الأسبوع، إختطفت الحروب الأهلية طفولتنا البريئة واختفت الآمال وراء معضلة القبلية في وطن ظل مأزوما منذ عقود، ذاكرتنا الطفولية كانت ملطخة بألوان من الماسي، وعيوننا الناعسة كانت كاميرا تسجل الأحداث والمؤتمرات العبثية للفرقاء الصوماليين في العواصم العالمية.

في خضم الصراعات وفي كنف اليتم المبكر عشنا حياة بلا طفولة ولا أبوّة، بل بلا ملامح ولا طلاء، حيث كانت المدافع تزهق الأرواح وتخطف الابتسامة، والمليشيات الجهوية والدينية تنهك الأعراض وتشوه التاريخ والدين والقيم والأخلاق، التعليم كانت ردئية أو معدومة، والصحة حدث ولا حرج، والسلام الداخلي كان في كف عفريت.

ورغم ذلك كنا نضحك ونتوغل في دروب السعادة نلعب ونمارس الحياة بشغف الطفولة وعناد الأيتام الطامعين في تغيير مجرى التاريخ نحو الأفضل، أو على الأقل المساهمة في تخفيف الأعباء عن كاهل البسطاء، كنا ننافس بل نتغلب على أطفال الحي الذين كانوا يتلقون دعم الأب وحمايته، في المدارس كنا الصفوة، وفي المستطيل الأخضر كنا نرهق المنافس بسيمفونية كروية وحماسة منقطعة النظير.

كنتُ أكبر منه سنا وهو أكبر مني حيوية ونشاطا، أو قل إن شئت حماسة وإتقانا، أتذكر كيف كان سريعا مراوغا ماهرا في التسجيل والشجار والطبخ، كان كريم المشاعر باسط اليدين مبتسما يحب مساعدة الأخرين، وهذه صفات أتمنى أن تجري في دمك وأنت في المهد صبيا هناك في نيروبي لندن أفريقيا وعاصمة القرن الأفريقي بمشاكله ومساوئه وإمكانياته الهائلة، نيروبي التي شهدت صرختك الأولى يا سالم ضمت قبر أمي وجسدها الطاهر! وتعتبر نبض إفريقيا ومن أكثر مدن القارة نشاطا وحيوية وتلتقي فوقها آلاف السحنات والمصالح والمؤسسات، وتطبخ في فنادقها ومكاتبها السياسات وبنار هادئة وحارقة أحيانا.

كان في بالنا أننا سنتغلب على الصعاب، ونستمتع بغد أفضل طال انتظاره بسبب غباء المسؤلين وغياب زعماء يحملون كاريزما القيادة والتأثير على الآخرين، بتنا ندور في المربع الأول وتراجع بصيص الأمل الذي لاح في الافق القريب بعد ظهور المحاكم الإسلامية الذين اعتقدنا في غمرة الهلوسة أنهم المنقذون الحقيقيون لبلدنا، كانوا الوجه الآخر لعملة التيه فكدنا نفقد الأمل وابتعدنا كثيرا عن مسارح طفولتنا وميادين حداثتنا هربا من الحركات الاجرامية والجهل الذي أطبق أطنابه على الجميع، ذهبنا معا إلى السودان في رحلة العلم والمعرفة، كانت تجربة جريئة وماتعة في ظل الثقافة والنيل وطيبة أهلنا السودانيين، دار الزمن وتوالت الأيام إلى أن ودّعنا النيل وكلية العلوم، مفارقة المالوف مشقة يا صغيري! ربما تمنيت وأنت في رحلة الولادة من رحم أمك إلى عالمنا المشحون بالكراهية والبارود وأنغام الحياة أن تترك القوة الدافعة جسدك لتكون عالقا في عالمك المثالي، كنتَ سعيدا يقضم أصابعه برومانسية الأطفال في داخل مشيمتك، وبعد سنوات ستصبح شابا مفتول العضلات مليئا بالحيوية والنشاط، ستضحك كثيرا وتحمد ربك إذا عرفت أنك مررت في ضيق الرحم وظلام البطن باكيا.

وكذا الحياة يا ولدي سلسلة من التجارب والمحطات، بعد التخرج رحلنا جنوبا نحو بلاد الشعر وفي بالنا أمنيات هرمت وشاخت، الطريق لم يكن مفروشا بالورود، بل كان مترعا بالتنقلات في القرن الأفريقي بحثا عن لقمة العيش، واصلنا الكفاح من أجل المستقبل وتأمين سبل الحياة الكريمة لفيلق قادم من المحاربين الأشاوس أنت قائدهم، حاولنا أن نؤسس لكم حياة أحسن من تلك التي عشناها نحن، وأن تمارسوا الحياة مع أترابكم جنبا على كتف، وإن لم نصل إلى مطالبنا فأنتم اليوم في ظرف أحسن بكثير من وضعنا في جميع المستويات، قُدر لجيلنا التعاسة! وأن يكون وقودا للصراعات، وقّدر لجيلكم ـ كما نتمنى ـ الريادة وإعادة المياه إلى مجاريها.

الوضع لم يكن مثاليا، كان الوطن في قعر الخوف والمجاعة رغم الموارد الاقتصادية المتوفرة، لم نستسلم بل صرنا أكثر قوة، وبدأنا رحلة الحياة وإعادة الوعي الغائب منذ عقود، فتحنا مراكز تعليمية ووجهنا الشباب نحو التثقيف الذاتي، والدك صار "الجندي المجهول" في مدينة ظلت متقلبة في أحضان الدماء والدموع، مع أصدقائه رسم الابتسامة على وجوه الأطفال، والسعادة على جبين السمراوات، وغرس الطمأنينة في قلوب الكبار فأصبح محبوب الجميع، اليوم كسمايو سعيدة تنافس المدن العالمية وترفع ذؤابتها من جديد.

ستنخرط في دنيا جميلة بطبيعتها ومجانينها وعرق كادحيها، مخيفة بتصرفات مجرميها وجشع أغنائها، من الغرابة أن قلوب الفقراء ناصعة البياض، القناعة تسعدهم، والفاقة تعلمهم الصبر ومغالبة الأحزان، وقلوب الأغنياء شاحبة قاتمة تغمرها الكآبة والأحزان القاتلة، يعانون من الأرق ويبحثون النوم ويمشون كثيرا من أجل هضم الوجبة الدسمة في بطونهم!، ستكبر على كنف أمك ـ إن شاء الله ـ وعين الله ترعاك وترشدك إلى الدروب الصحيحة بعيدا عن الغواية والضلال، وربما ستصبح طبيبا ماهرا أو مهندسا بارعا أو صحفيا متألقا أو أديبا مفوها أو عالما مشهورا أو جنديا شجاعا، أو سياسيا لبقا يعيد للصومال مجدها فاطلق العنان لنفسك ولاتخف، وليكن شعارك القادم أفضل لامحالة، وكن مرحا يحب الترحال واكتساب المهارات وطرق أبواب العلم ماستطعت إليه سبيلا.

إنطلق نحو الخير ونشر المحبة، واغرس في ذهنك حب الوطن وعشق المسيرة الطويلة من أجل حماية الدين والجغرافيا، إبحث الإلهام في سيرة العظماء، الرسول الأعظم وصحابته الكرام، أجعل سيرة المجاهد أحمد الغازي نبراسا لك، وكفاح الدراويش مثلك الأعلى، حاربوا ضد الظلم والعبودية ونهب التاريخ والثروات فعاشوا كراما وماتوا أبطالا.

الثلاثاء، 9 يناير 2018

التمرد والحرية في الفن الأفرو أمريكي.. توباك شاكور نموذجاً


 
منذ بداية نكبتهم ورحيلهم من أفريقيا عبر قوارب الميت والسفن التجارية العابرة للقارات إلى أدغال أمريكا وهم مقيدون بالسلاسل والإزدراء كان السود يحاربون ضد الغبن والدونية وعدم المساواة والتنميط المؤسساتي، واستنكروا القمع والعبودية وبحثوا الحرية والعدالة الاجتماعية ــ رغم ضيق الفرص واستحالة المطالب ــ بطرق متعددة كالتمرد والثورات والفن والأدب الذيْن جسّدا ذكريات الجراحة والألم، فكانت مطالبهم رغم بساطتها بعيدة المنال بسبب العنصريين الذين كانوا يرون أن السود نصف إنسان ونصف حيوان لايملك أدوات التفكير والقدرات التي تؤهله إلى الإنسانية الكاملة 
!
وفي ظل الرق والسادية كان السود يعانون من الأعمال الشاقة وألم السوط والإذلال، ولم يستطيعوا أن يطلبوا حقوقهم ويعبروا عن مأساتهم بالفن والموسيقى بعد حظر الطبول وأدوات الفن من المزارع والتجمعات الأفريقية، أو أن يكتبوا تاريخهم وتراثهم، لأن الكتابة في نظر البيض أسمى درجات النضج والرقي الإنساني ولم يدرك العبيد إلى هذه المرحلة السامية بعد!، حيث يصور الأدب الأمريكي الإمبريالي الإنسان الأسود بالشهواني الغارق بالجنس والمخدرات والمخالفات القانونية والعيش في الأحياء المتخلفة والضواحي الكرتونية الأكثر بؤسا، ويلصقون كل التهم والمساوئ كتدنّي المستوى التعليمي والتسرب المدرسي وارتفاع الأمية والبطالة 
.
ومن أجل التصدى لهذه الهرطقة بدأت حركات السود الثقافية تدشن آراها الفكرية ونظرتها حول الحياة والحرية والذات، فكتبوا القصص والمسارح والروايات والأغاني، ومع تحسن الوضع وارتفاع الأصوات التي تطالب بإلغاء الرق إنخرط السود شئيا فشئيا في القالب الثقافي الأمريكي فحاربوا عبر كتاباتهم وسردياتهم وفنهم الموسيقي الأفكار العنصرية المأفونة، وقد حمل لواء هذا الفترة الحاسمة في تاريخ الزنوج في أمريكا كتاب وأدباء وموسيقيون مهرة كرسوا جهدهم لطي صفحة العبودية وبداية عصر المواطنة والمساواة، ومن هؤلاء  فليس ويتلي، وغوستافوس فاسا، وأولودة اكويانو، وهاري بيرلاي، وغيرهم الذين قادوا نضال إعادة قراءة التاريخ وتصحيح الأفكار وتلميع المسيرة 
.
إن المعاناة والتضيق الذي لقيته الكاتبة الشابة فيلس ويتلي وما رافق كتاباتها من ألوان العذاب والسخرية يذكرنا طغيان الطغمة الحاكمة التي كانت تسخر من الزنوج سواء كانوا في أمريكا التي ألهبت ظهرهم بالسياط وأرعبتهم بالمشانق، أو في أفريقيا التي تعاتي من التدفق الأمبريالي من أجل نهب الثروة وشراء الرقيق وإرسالهم إلى أورروبا وأمريكا ليبدأوا فصلا آخر من فصول العبودية والتسلط، ومازالت موانئ الشحن في أفريقيا شاهدة على آثار المأساة الإنسانية 
.
وفي طيلة القرن التاسع عشر الميلادي كان السود يواصلون محاولاتهم الخجولة التي كانت في معظمها فردية الطابع وبعيدة عن التأثير من أجل رد الإعتبار واختراق جدار العزلة الثقافية والإنعتاق من الآثار السلبية لسنوات من العبودية والإنطوائية إلى رحاب الحرية وتأثير الشارع الأمريكي وثقافته الاستعمارية وتحويلها إلى ثقاة مشتركة تتسم بالشمولية والعدل والوطنية، وهكذا استمر النضال ومحاربة العنصرية والتمييز إلى أن بزغت نهضة هارلم وماصاحبها من حركات ثقافية وفكرية واسعة النطاق وعميقة الأثر، وكان جيمس ويلدون وآلان لوك وزملائهم من الكتاب يتصدرون التيارات المنفتحة على الأفكار والنقاشات والخيال الجامح نحو نفي الدونية وإثبات الذات واحترام الهوية الثقافية، كما كان المطربون اليوبيل (jubilee singers) وسكوت جوبلين وغيرهم ممن أسسوا مدرسة أفروأمريكية في الغناء والألحان لها روادها وملامحها ولغتها الغنائية يواصلون بحثهم عن الذات وقفزاتهم الثقافية المبهرة عبر ألحانهم وإيقاعاتهم الكلاسيكية الممزوجة بالعراقة الأفريقية التي أبهرت المجتمع الأمريكي المختلف عنهم والمعبأ بالنظرة السلبية للسود عرقاَ وثقافة 
.
وبعد الحرب العالمية الثانية وجد المجتمع الأفرو أمريكي منصات يستطيع من خلالها تعبير ثقافته ومشاعرة ومشاكلة وماضيه الملئ بالعبودية والأضطهاد النفسي والجسدي وتطلعاته نحو الحرية والمستقبل، فأنشأوا الفرق الموسيقية والأندية الثقافية، وبرعوا في الروايات والكتابة الأدبية، وفي هذه الفترة تَشكّل معالم الفن الأسود الأمريكي المستقل الذي يحمل بصمات أفريقية عميقة سواء كان الجاز أو الهيب هوب أو الفلكور والسينماء، ونال أول أفريو أمريكي جائزة أوسكار، وتصدرت لمساتهم الثقافية والفنية على المشهد الثقافي المحلي 
.
ومع مرور الوقت إختفت العبودية رسميا رغم ترسبها في الإرث الثقافي والسلوكي الأمريكي، وتحسن وضع السود السياسي والاجتماعي والاقتصادي عبر ثائرين قادوا الجموع وتمردوا عن الوضع المأزوم وبحثوا عن ذواتهم في وسط الظلام وتركوا بصماتهم في أروقة الفن والسياسة والسينما، ومن هؤلاء الفتي الراحل توباك شاكور الذي وقف ضد التمييز وناصر الضعفاء بألحانه وحبال صوته الأسطوري 

Gorfeynta buugga "Geylame"

  Buugga “Geylame” ee uu qoray Xassan Maxamuud Qorane, waxa uu nuqul ka mid ah gacatayda soo galay Habeenkii la soo bandhigayey oo ku beegna...