‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 28 مايو 2019

أركيولوجيا الموت !

على امتداد طريق قديم ومليء بالقاذروات والأشواك كانت مشاعر محمود ممزقة، وأهدافه ضائعة، ومبادؤه مهتزة مثل معظم شريحة الشباب الهائمة في متاهات مجتمع يعيش تحت وطأة حياة متناقضة وثقافة أبت أن تواجه تساؤلات المراهقين بثبات ومنطقية.

كان رقيق المشاعر، رومانسي التفكير تجرحه الابتسامة العذبة في الأمسيات المترعة بمثاليات الشباب والأنا المضخمة التي تستبدّ به قبل أن يدمن المخدرات التي باتت ملجأ لمشردين عاندتهم الحياة على ضفاف مفاهيم تمثل تابو غير محكي في مجتمعاتنا الشرقية. والمخدرات مثل الإرهاب والتطرف تنتجها البيئة المغرقة بالبطالة والعنف والفقر والفوارق الطبقية، وتطاردها البيئات المحصنة من الأمراض المجتمعية.

البيوت القريبة للملعب الكبير كانت مقراً للحشيش وأصحاب الهلوسات والأمزجة الفانتازية. في المساء وقبل انطلاق مباريات كرة القدم كانت الطرقات تتحول إلى ساحات مفتوحة للسكر وشجار العصابات، وتتحول الأزقات الجانبية إلى ميادين للعراك ومشهد مقزز من معارض تقدم للمراهقين لفافات الحشيش، وأقراص من المخدرات الثقيلة، وكوكايين رديئ، وأنواعاً من الكحوليات القادمة من الحدود الجنوبية عبر الطرق البرية أو المحيط الهندي، وجرعات من خمر محلي.

في ليلة خانقة بالبرد وتحت كوابيس الحقن كان يجر خيالاً مغرقاً بأماني التحرر من المخدرات وهو على سطح بيت مطل على أطلال قاعدة عسكرية عتيقة في مدينة تتوسد ثروات خامة وموقع حيوي وتصحو على وقع الفاقة والتشريد. 

المدينة لاتقدم سوى الحروب وحياة مغمسة بالفقر والسطو المسلح، ولا يجد المرأة فيها سوى أكواخ عائمة فوق بحار من الدموع الصامتة، وقناعة تشكل نواة صامدة ومذهلة لفقراء يحلمون بغد أفضل بعيدا عن الألم وجرح الذات.

كان أصغر من أن يقيّم الوضع، ويحطم قيود الواقع، ويفهم المنطق المعكوس للصراعات دون أن يرتكب حماقات قاتلة. عن كثب كان يراقب أطلال دولة هدمها معول القبلية وصواريخ المليشيات الثائرة على الاستبداد العسكري رغم ما تحملها من الأجندات الخارجية، والمفاهيم السطحية، والخطاب ذات الطابع الإقصائي والجهوي في وطن ظل قابعا تحت بطون متشاكسة وقبائل متصارعة وريفيون تقودهم الأناركية البدايئة إلى محاربة الأنظمة وتعليق الدساتير وتقويض الدول والتنقل عبر الحدود بكبرياء البدويين وجسارة حملها الصوماليون في جيناتهم بامتداد الأجيال والأزمان.

النياشين العسكرية تومض وراء بقايا مباني جرفها الزمن بعيداً نحو النسيان، والجبال الرسوبية المحاذية للثكنة العسكرية تواجه المغيب بثبات مشرقي مهيب وتضفي على المشهد رونقا استوائياً متفردا قبل أن تتوغل في عمق مياه تتكسر على أهداب المحيط، وتلامس مقابر الهنود، وأطلال العرب، ولوحات رسمها الحرب بإتقان موغل في مأساة شكّلت الذوات والإنسان وغيّرت المفاهيم والطباع، وأصابت الأوتار الحساسة للمجتمع حتى جعلت الحياة سلسلة من الخيبات والمخاوف والهجرات المتعاقبة نحو الدول المجاورة والمنافي الباردة.

من الصعب أن نعبر عن مأساة الحروب ودمويتها الموحشة في الأوطان والأشخاص والقيم الحميدة للمجتمعات المنكوبة، إنها تحمل ثيمات قاتمة تغيّر الأفكار وتشوّه الطفولة البريئة وتغذي الفقر وتنهك الاقتصاد، وفي ظل جحيمها يستخدم الزعماء أموال الشعب، وممتلكات الدولة، لشراء الأسلحة، والذمم، والتحالفات، وتدمير المدن، والتاريخ، واغتيال كل الفروق والاختلافات التي كانت تثري حياتنا وتمنحنا ألواناً من الاتساق والانسجام، وبعد سنوات من عبث الصراعات الصفرية يهدرون الأموال بعقد مؤتمرات عقيمة، ومصالحات وهمية هدفها إطالة أمد الحروب، ودغدغة مشاعر المجتمع، والاستثمار بخيباته.

المصالحة والمؤتمرات الخارجية والداخلية لا تستطيع ــ رغم كثرتها ــ أن تصل بنا إلى بر الأمان، بل في ظلها تتكاثر المليشيات، وتتفرع الصراعات، وتتوالد المأساة هندسيا، ويتأزم الوضع، ومن رحم مأساة مهلكة تنشأ أخرى أكثر فظاعة وأعمق إيلاما من سابقتها لأن المفاهيم الأساسية التي نستمد منها مفهومي "الحرب والسلم" قد غيب تماما وأبعد عن المسرح السياسي والاجتماعي فتبحرنا في عالم من الدموع وآهات ممتدة بلا نهاية.

من الغريب أن يصر البعض على استنساخ التجارب وتوريد الحلول الجاهزة، والتمادي في البلاهة بحيث يهمشون نقاط قوتهم ويروجون لمصالحة غامضة وبمفاهيم طوباوية لاتبحث الحلول، ولاتحقق المطلوب، ولاتردم الهوة بين الفرقاء، ولاتمت للمفاهيم المحلية ولا الأعراف القبلية بأي صلة. فبينما نستمد تعاليم الدين والتقاليد القبلية مفهوم السلم والحرب والمصالحة، يستمد رعاة المؤتمرات العبثية أفكارهم من الفكر الغربي الذي يموّل مسار السلام في الدول الفاشلة، وعلى ضوئه استوردوا مصالحة بمقاييس غربية تكرس الانقسام الداخلي ولا نعرف عنها شيئا مما ساهم في إطالة أمد الصراع وتقديم الوطن بتاريخه وإرثه الحضاري والثقافي على الآخر بشكل قاتم يصعب مسحه عن الذاكرة الجمعية لسكان المعمورة الذين لايعرفون عنا سوى الجوع والقرصنة.

وأخشى أن تترسخ هذه المفاهيم في المخيلة العالمية حتى وإن وجدت الإرادة الحقيقية والكوادر الوطنية الموهوبة التي تحاول حسب قدرتها تغيير القالب النمطي الذي يروجه الإعلام الغربي والعربي عن وطن لم يجد من ينصفه أو ينبري لدحض تلك الصورة المشوه بعد أن انخرط كثير من شعرائه وكتابه ومفكريه وأدبائه الكبار "المسرح العبثي" ووحل الإنقسامات الحادة في المفاهيم والجغرافيا، ومجّدوا الحروب الأهلية ودول الكانتونات بأقلامهم وأشعارهم وآدابهم وإنتاجهم الثقافي.

في عمق المباني الأثرية كان يبحث كعادته شيئا يدفئ معدته الخاوية قبل أن يمتلكه الحنين وتجتاحه "النوستالجيا". قلاع الدراويش ومسرح جهادهم البطولي، وآثار ممالك الطراز الإسلامي الذين نشروا الإسلام حتى في الأعماق العبيدة للقارة السمراء، ومقار المستعمر الأورروبي وبعثاته الاستكشافية، ورحلات المستشرقين عبر القرون، ومسجد القبلتين في زيلع المنسية، ومنابر هرر الخاوية، ومدن الحضارمة، وممالك العمانيين في المشرق الأفريقي منتشرة على طول الساحل وأعماق مناجم حضارته الخامة التي لم تجد حظها من الأبحاث والدراسات.

ذهب محمود بعيداً وتجاوز المناظر المحيطة به إلى سحيق التاريخ قبل أن تقطع النشرة المسايئة ل"هيئة الإذاعة البريطانية" تفكيره. كان يخطط وهو يصغى السمع إلى الراديو الذي يتحدث عن مآسي العبودية الجديدة في ليبيا كيف يهرب عن وطن غارق بالدموية والفوضى الإدارية حتى أصبح مسرحاً مفتوحا للقوى العالمية؟ لقد سئم مراقبة شروق الشمس وغروبها، والأيام الخالية من الإنتاج والإنجاز والإثارة، وكان يمني النفس الهجرة إلى أوروبا دون أن ينسى طول المسار، ووحشية تجار البشر، ومتاهة الرمال المتشابهة.

عبر فلم وثائقي لقناة عربية مرموقة كان الموت يطل أنيابه من كل مكان، والمسافرون يتساقطون عبر طرق سحقتْ أحلامهم، ولاحت أجسادهم فوق حرارة الصحراء هشيما تذروه الرياح. الشجيرات المتناثرة على المنطقة شاهدة على بؤس المكان المفروش بالهياكل، والجماجم، واغتيال الآمال. هزّته جثّة إمرأة لم تتحلل، الملامح الصومالية كانت واضحة على جبينها الذي بدأته البكتيريا في تفتيت ما تبقى من سمرته، ربما كانت إثيوبية أو إرترية أو سودانية أو حتى تشادية من يدري، ولكن آلمه المشهد وترك في وجدانه جرحاً لايندمل.

وسط مزيج من الأعراق المختلفة كان "الصحراء الكبرى" صامتا بعظمته، وكانت الرياح تلعب بقايا عظام الكادحين، وتبدد آثار الحكايات، والذكريات، والملامح، وربما الآهات التي تركها الراحلون قبل أن تنهشهم أنياب المنية، ويذيبهم هجير الشمس أثناء عبورهم صحراء إفريقيا نحو أوروبا وتحقيق الأحلام الوردية الراسخة في مخيلتهم.

في غمضة عين تشكّل الرمال تلالاً متفردة، وجبالاً ذهبية مترامية الأطراف، وهضاباً راسخة على خارطة الصحراء، وفي غضون دقائق تتلاشي التلال، وتختفي المعالم، وتذوب الجبال وتتوارى عن الأنظار، وتبدأ تضاريس الصحراء تتشكل من جديد، إنه شبح في عمق الطبيعة الجافة وأركيولوجيا قاتمة لبسطاء طردهم استبداد تحكم على مصيرهم وماتوا وهم ينشدون حياة كريمة تليق بهم.

السبت، 25 فبراير 2017

بين إهانة المعابر وفقدان الأوطان (3-3)


لم أنس أرضي حيث كنت في الإشراقات الدافئة أستمتع شدو الطيور وزغاريدها في الغابات الحاضنة بالقرود والأفاعي والنمور الإستوائية، وفي الصباح الباكر يتعالى صوت الأطفال وهم في حلقاتهم القرآنية يرددون بالأيات، الأطفال في الريف الصومالي مقسمون بين الرعي والزراعة والتعليم، كنا نغدو بأجسامنا ونظراتنا الطفولية إلى مزارعنا الملئية بالخضرة وألوان الحياة، في القسم الشرقي التي لاتبعد كثيرا عن الساحل كنا نزرع الذرة والفاصوليا والسمسم، وكنا نزرع الموز والمانجو والباباي في الجانب الجنوبي المطل على النهر.

الأراضي الساحلية بين قريتي والمدينة كانت مركزا للجنود الإيطاليين منذ أن سنّ برلمانهم قانون الصومال الإيطالي (Somalia Italiana) عام1908م، وكانوا يستخدمون المنطقة كقاعدة عسكرية منذ أن اشتدت وطأة النضال الموجهة إليهم، كانت المعارك كثيرة والتنكيل مستمرا والمقاومة تتجدد في كل جيل، وعلى بعد 12كم شمالا وفي الجسر المرتبط بين المدن والسهوب الساحلية وقعت معارك عنيفة بين الثوار وبين المحتل الإيطالي، كانت المعارك عنيفة تسطو عليها البنادق والسيوف والمدافع، وبعد مرور أكثر من قرن مازالت الميادين تشهد بسالة النضال وعظمة المواقف.

غادر الأروبيون الأراضي الصومالية وانتهى غدرهم ولم ينتهي الألم، بل امتد في رحاب الزمن وربوع الجغرافيا حتى سيطرت حركات السفه السياسي على ربوع الوطن مما أجبر الكثيرين الفرار إلى المهجر بحثا عن الذات وقدسية النفس التي حرم الله إلا بالحق، جئت أوروبا أحمل مزيدا من الطموح والشوق ولكن إختلاف الأديان والثقافات تحول بيني وبين الأهداف المرسومة على دفتر الأماني وما أكثرها في الغربة!.

على شاطيء الثلوج جلست أتأمل على قسوة الحياة والتناقض المناخي بين هذه المنطقة وبين قريتي، هنا من الصعب أن يعيش الدّب فما بالك بإنسان جاء من أقصى القرن الإفريقي حيث تتوهج الشمس طيلة أيام السنة، التكيف في الحياة الباردة وكثير من الوجوه التعيسة والملامح التي غطتها البرودة الممزوجة بالأنين كان تحديا ينسيني وخز الطبيعة ونوبات السعال المتصاعدة عن الخيمات.
الليل هنا متشابه مطلي بالظلمة والزمهرير ولا فرق بين الليالي المقمرة أو تلك التي هيمنها الدجى. النجوم الإفريقية المسطحة على هامات الدروب السماوية، وحميمية النسائم الإستوائية تغتال الأسى في رحم الغيب، أما ليل المخيم فهو عبارة عن شبح يطاردنا ويبعدنا عن حيوية الحياة.

في العنابر الجنوبية حيث الجناح الأسيوي تزوجت كامبودية سمينة من ميانماري أسمر، نشب خلاف حاد بين الجاليتين حيث كانت الفتاة من أسرة بوذية متطرفة تأبى مخالطة الأديان الأخرى، بينما كان الولد مسلما هرب من بورما بسبب الإبادة الجماعية ضد الأقلية الروهينغية، التطهير العرقي التي تقوده إمرأة حائزة على جائزة نوبل للسلام،! ويا لعار الجوائز المسيّسة والتكريم المبني على المحاباة، ويا لعار العالم والسقوط المدوي للأخلاق، المسألة الروهينغية عرّت الأخلاق الفاسدة للطغمة الحاكمة في ميانمار والعالم بكل أصنافه ودوله ومعتقداته، حيث يمارس ضد هذا الشعب الأعزل أسوأ انواع الظلم والتهجير القسري والإبادة على مسمع العالم بل وبمباركة دولية أحيانا.

الحب لغة عالمية وإرث إنساني، ومن المفارقات أن الحب لايعترف الحدود ولا القيود وإلا فكيف يحب الضحية الجلّاد؟ وكيف تنشأ الأحاسيس بين قلب ملأته الأسى وانهكه التعب والبحث الدوؤب للأمن والإنسانية ولقمة العيش في القرن 21م؟، هرب من أجل أغلبية بوذية متسلطة تلغي التعددية والمواطنة وتربط الدين بالإنتماء وتحارب التنوع الثقافي والعرقي، كان قبل إسبوع يحدثنا بلغته المحلية ويترجمها أراكاني آخر بسويدية ركيكة، حدثنا عن المحرقة والإبادة الجماعية وموجات البطش الموجهة لتلك القومية التي ذنبها الوحيد أنها مسلمة!.

أتعبني التفكير فاستسلمت لكرى أرسلتني إلى النهر والأزقات الضيقة بين الغابات قبل أن أصحوا بضجة رهيبة تتصاعد من الخيمة المجاورة التي يسكنها إرتري باذخ الطول كث الشعر هاديء الملامح، جاء قبل شهرين يحمل أمنية تتمدد في قلبه بمرور الزمن ومرارة تركت على نفسه رسوبات من القلق والتشاؤم، صفعة مؤلمة تلك التي تحدث للأجيال المناضلة بعد إنتظار طويل، الجموع الإرترية التي ضحت المهج والأرواح من أجل الاستقلال كانت تمني النفس إنتهاء الإستعمار الأسود وكابوس اللجوء وليالي التشريد في دول الجوار وكل أصقاع العالم، ولكن بعدما ذهب الإستعمار وجاء الاستبداد تحولت الحياة إلى جحيم لايطاق واختفت الأماني وراء سراب الدولة الشمولية التي مارست العنف وكل ما يعف عنه الوحوش، وظلم ذوي القربى أشد مضاضة من وقع الحسام المهند.


الثلاثاء، 10 نوفمبر 2015

صدى الأيام (7)

   في هذه الأجواء المخنوقة والحالة السيئة للوطن قامت القوات المسلحة الصومالية مساء الثلاثاء 21 أكتوبر عام 1969م إنقلابا عسكريا وصف بأنه "أبيض "، ولم يرق فيه دما صوماليا بسبب تواطؤ أو توافق معظم القادة العسكريين على الإنقلاب، إضافة إلى الشعب الذي سئم من السياسة الهمجية للقادة المدنيين، والفساد والرشوة والجهوية التي وصلت إلى أوج عزها إبان حكمهم، ولا ننسى أن مقتل الرئيس في شمال الوطن وعلى يد شرطي صومالي أحدث إرباكا سياسيا كبيرا وفراغا دستوريا وأطماع شخصيات غير وطنية برزت إلى السطح مما منح للخارطة السياسية حالة من التعقيد والتأزم وعدم التوازن ربما تؤدي ــــ إن لم يتم تداركها ـــ إلى عواقب وخيمة تقود البلاد والعبادة إلى متاهات كان الجميع في غنى عنها.

ورغم الإنتكاسات العسكرية والهزائم النفسية والمحسوبية التي أصبحت عنوانا لافتا في آخر ايام  المرحلة العسكرية، ورغم التحولات الكثيرة التي طرأت على الحياة السياسية والمعيشية، والتوجهات الفكرية والسلوكية الجديدة التي أجبر النظام على الشعب الصومالي التبني عليه في فترة الزهو والغطرسة، إلا أن الشعب الصومالي عمته موجة من الإرتياح النفسي وتنفس الجميع الصعداء عندما استلم الجيش حكم البلاد ومقاليد الوطن، ولأن الجيش كان مؤسسة نزيهة في نظر الجميع ونالت إعجاب الشعب الصومالي تضاعفت الفرحة والإستبشار وأيقن الشعب في غمرة سرحانه أن ليل البؤس والشقاء والفساد والقبلية ولّى وانتهى، وسيبدأ فجر جديد يحمل إلى الشعب المنكوب تباريح التقدم وضياء الحق ونور العدالة ونضارة الدولة وألق المعيشة.

وفي ظل نشوة التفاؤل بدأ ترمومتر الأمل يرتفع ومنسوب الأحلام تتصاعد إلى الأعلى، وبدأ الشعب يهلل وينظم الأشعار ويطلق دولة القوافي من أجل القيادة الجديدة التي عزفت منذ الوهلة الأولى على وتر الوطنية وألحان الحماسة وشعارات التقدم وإعادة اللحمة الوطنية وتوحيد أجزاء الصومال الكبير وتعزيز مكانةالقومية الصومالية لدى الشعوب المجاورة وغير المجاورة، وهذه العوامل كانت أشواقا إنتظرها الشعب على مضض بعدما  عاني من ويلات الفساد والتقسيم ووأد الأحلام والنكبات المتلاحقة منذ إحتلال الأحباش العاصمة التأريخية للقومية الصومالية "هرر" عام 1887م، ووجود قادة مدنيين نخرهم الفساد وكبلتهم القبلية على رأس الهرم السياسي الصومالي.

في بداية  حكم العسكر الذي إمتد 21 عاما كان كل شئ يسير بطريقة إيجابية ممزوجة بروح وطنية عالية ولمسات صومالية واضحة، وحماسة منقطعة النظير لشعب يحمل في جيناته أطنانا من الحماسة وألوانا من المشاعر الجياشة، وإرتفعت ثقة الشعب للدولة الصومالية الحديثة التي بدأت إصلاحات جذرية في هياكل الدولة و المؤسسات الحكومية، أممت المنشآت العامة وصوملة المصانع الكبيرة التي كانت باقية في أيدي المحتل وبثت روح الوطنية على النفوس وأحدثت مشاريعا عملاقة بنيت بمبادرات وطنية وجهد صومالي خالص تحت شعار "إعتمد على نفسك" الذي كان شعار الجميع في بداية الثورة العسكرية، وغيرت الثورة وقادتها الإصطلاحات الوطنية والمفاهيم الفضفاضة للقضايا الساخنة والمصيرية من مصطلحات مبهمة دبلوماسية إلى كلمات مفهومة ذات دلالات واضحة ونكهة وطنية وواقعا ملموسا، وأصبح الشعب يرى من خلال ثورة الجنود أحلاما تحققت وأمنيات أصبحت واقعا معاشا رغم أنها كانت في أمس القريب طويلة وبعيدة في نظرهم.

وأسس الثوار حكومة قوية وبنية تحتية لم تعرف الأمة قبلها ولا بعدها، وعمّروا الأرض وبنو المصانع وعبدوا الطرقات، ووفروا التعليم والصحة، ببناء المستشفيات والمدارس والجامعات والكليات، ورفعوا جاهزية الجيش وإمكانياته حتي بات من أقوى الجيوش محليا وإفريقيا، وقامو بنهضة عظيمة في جميع أنحاء الصومال، وكتبوا اللغة الصومالية وإن كان إختيارهم للحرف اللاتيني إختيارا غير موفق لأنه يبعد الشعب الصومالي العربي المسلم عن جذوره التأريخية وإنتمائه الإسلامي والعربي.

الأحد، 14 يونيو 2015

صدى الأيام (5)



     كانت فجوة الخوف والرهبة تتسع في داخلها  كلما رسم الليل لونه الأسود على ملامح مقديشو الكئيبة، لم تتضح الأمور بعد ولم تأخذ الأوضاع حالتها النهائية، وأحاطة الدولة سياجا من الكتمان الشديد عن إنهيار قوتها وهروب جيشها أمام ضربات القوى المعارضة المسلحة، ولم يظهر الإنهيار الكلى إلى السطح، بل كانت الملامح السياسية تتشكل في الخارج والمنافي، والخارطة العسكرية للمعارضة تتوسع في الداخل بدأ من شمال الوطن الغارق في حروب تقودها الصلف والجهل ونوايا ضامرة للإنفصال ومزق وحدة الوطن، إلى الجنوب والحركات المتفقة على إسقاط النظام بلغة القوة والمختلفة فيما سواها.

منحنى النعرات القبلية وصل إلى أعلى مستوياته، والبرك الدموية تملأ الأزقات في الليالي الحالكة، والأجواء كانت مفعمة بالترقب والخوف من  المجهول القادم، سيما وأنا معظم الأقاليم وحتى الضواحي القريبة لمقديشو خرجت من سيطرة الدولة، وتحولت إلى مراكز علنية للمعارضة والحركات المتمردة في نظر البعض وإكسير الحياة ورسل العناية الإلهية في نظر الآخرين.

أيا كانت، الحركات المهوسة بالدمار والدموع والدماء كانت منهمكة بنهب الوطن وتمزيق الجغرافيا وتشويه التأريخ وتشريد البشر،و كان الوطن يقترب شئيا فشئيا نحو التلاشي والإنهيار الكلى لمؤسساته وهيبته وتأريخه، وكانت الجبهات الذين يمرون في عز نشوتهم يتوغلون في خراب بلد لم يجد عقولا ناضجة تسيسه، ولا شعبا يعرف معنى الدولة والمدنية يحميه من الضياع، ومما زاد الطين بلة أن النظام الإستبدادي لم يدرك أن كبت الحريات ومصادرة الحقوق لم يعد شئيا يحتمله الصوماليون الذين عاشوا في معاقلهم ومراتعهم الأصلية أحرارا لا يحدهم شئ يلتحفون السماء ويفترشون الأرض ويرعون إبلهم ويتنقلون وفق المطر والأنواء دون أن تعيقهم الحدود ولاتزجرهم القوانين ولا تخيفهم قوة البشر.

إنزلق الجميع نحو المستنقعات الآسنة للصراعات العبثية والحروب الأهلية التي نعرف جيدأ من بدأها، ولكن منذ الطلقة الأولى لمسلسل الحروب الأهلية والمعاناة إلى يومنا هذا وبعد مرور أكثر من  عقدين من الزمان لا نعرف من سوف ينهيها،! لتشابك الخيوط، وتصادم المصالح، وتقاطع السياسة، وتكاتف الجهال نحو الهدم والتشرذم، وإنعدام الرؤية الصحيحة والمنطق السليم، ودخول جهات خارجية تصب الزيت على المحنة اللاهبة في الصومال. 

في النهار تحجبك المكاييج الزائفة لبقايا الدولة عن المشهد الحقيقي الكامن وراء ستار  الهرج والمرج واليقظة الفائقة للعسكر في الشوارع والطرقات، وبعد الغروب وحينما يعزف الليل ألحان الهدء والسكينة في العالم هناك وفي قلب المدينة تصدح أصوات البكاء من البيوت، وينتشر العويل تحت جنح الظلام، وتبدأ سيمفونية الرصاص على المسارح الساخنة للوطن، وتهدر دويّ البارود التي تحول ليل مقديشو الهادئ إلى أصوات صاخبة للقنابل المدوية والطلقات الغادرة التي تخرج عن بندقية الفرق المسلحة الظامئة لدم الشعب وهدم البلد، والموت الرابض في عتمة الزمان والمكان.

عم شذى الصباح على القلوب المضنية والعيون الساهرة ألما وترقبا، وندى الشفق بدد جحافل الظلام، ونور الأفق أرسل سهامه إلى صفحة الكون، وبدأ التائهون في أودية المعاناة والكدح  يتدفقون في الطرقات والشوارع والأرصفة الباردة وهم ينشدون دفء الحياة في براثن الموت وفي داخل التعب والإعياء، وفي مقديشو لا يستطيع الموت ولا الحروب وقف نهر الحياة المتدفق منذ أن تعود الناس أن الحياة يجب ان تسير بوتيرتها السريعة مهما حدث، ومنذ أن عرف الشعب طريقته الخاصة لتكيف المصائب والنكبات مهما عظمت.
لم يكن يوما عاديا ابدأ، بل هبت رياح السياسة الهوجاء في ساعاته الأولى وقامت المخابرات العسكرية بحملة إعتقالات واسعة وملأت السجون من الناس، سواء كانو سياسين تعتبرهم الدولة الواجهة الناعمة للمتمردين حسب القاموس اللغوي للحكومة، أو أفرادا تعتقد الدولة البوليسية التي تلفظ أنفاسها الأخيرة أنهم ينتمون إلى الجبهات المسلحة، وبدأت الإعتقالات والمطاردات بعدما ظهرت شائعة مفادها أن الحركات المتمردة سيطرت أحياء واسعة من العاصمة مقديشو، لم يكن خبرا عاديا للشعب المترقب لمآلات الواقع، بل كان بداية لنهاية محزنة ودخول نفق مظلم وحياة التشريد واللجوؤ التي أصبحت عنوانا لكل صومالي منذ سنة تسعين الميلادية.

الجمعة، 11 أبريل 2014

الحلم الضائع (1)



إشتد البكاء وتصاعد الأنين الممزوج بالألم في البيت المجاور، وأرخي الحزن ظلامه وغيومه السوداء علي الأسرة التي أصبح بيتهم كهفا يسكنه الأشباح بعدما قادت الأمواج فلذة كبدهم بعيدا  في غياهيب المحيطات، واغتال الموت أملهم في وسط البحار. يقطر القلب دما قانيا مع الدموع المنهمرة التي تزداد مع مسيرة الزمن بهستيريا غريبة ودراماتيكية عجيبة، إجتمع الناس حول البيت يتسآءلون سبب البكاء في هذا الليل البهيم الذي أسدل الظلام خيوطه علي الكون، بعضهم جاؤ لتأدية واجب العزاء وبعضهم قادهم الفضول وحب الإستطلاع، حاول الجميع مؤاساة الأسرة ونسيانهم ألم الفجيعة المهولة، وفي وسط الذهول والنحيب تقدمت مُسنّة تتكؤعلي عصاها وتسير ببطء شديد تتهادى يمنة ويسرة، قبلت الحضور بوجه مستدير وبخصلات بيضاء تحمل أصداء السنين، وذاكرة قوية وبريق عجيب يشع عن عينيها المغمورتين بحواجبها المرخية قائلة:

(هنا وفي الوطن الملتهب والمدن الشاحبة الغارقة بالظلام الدامس والظلم المبين قوافل الفارين من قسوة الحياة وتقلبات السنين وجور الإنسان لا تنتهي أبدا، نملك وطنا معطاء وشؤاطئ نظيفة، وثروات إقتصادية كبيرة وموارد بشرية هائلة، وتقف مدننا بشموخ وكبرياء علي الساحل الجميل والغابات الكثيفة لشرق افريقيا، ولكن لا نملك عقلية تدير الوطن، وتأنّي نستفيد منه عنفوان الطبيعة والسواحل الطويلة والأراضي الزراعية الشاسعة، نتضور جوعا فوق البرك الملئية بالنفط والغاز الطبيعي، ونموت عطشا علي ضفاف الأنهار الجارية والمياه الجوفية التي لاتقدر ولاتحصى، وتغمرنا المياه ونموت فوق عرض البحر بحثا عن حياة أفضل، وتتكسر أحلامنا علي الضفة الأخري للمحيطات، ونتلوي ألما ويزداد جرحنا عمقا يوما بعد يوم.

في بيوتنا العامرة بالمآسي والقصص العجيبة يافعون مهوسون بالهجرة إلي خارج الديار ولو في الدول المجاورة التي تهدر الكرامة وتلطخ صفحة الإنسانية المشرقة فوق تربتها، وفتيات كعمر الزهور يتلفعن ظلال الحيرة والجنون إلي السفر، وشيوخ همتهم الفرار من أدران الجيحيم إلي بر الأمان وشاطئ السعادة مهما كان الثمن، وأولاد في مقتبل العمر يتسللون عبر الحدود والأسلاك الشائكة المكهربة والصحاري العتمور والفيافي والمفاوز إلي أرض الحلم والحدائق الغناء وحيث يجد الإنسان إحتراما يليق به.

أفلاذ أكبادنا يواجهون الموت بصدور مفتوحة وأجسام عارية وعيون برئية، وإبتسامة صفراء ماكرة في وسط البحار أو حافة الأدغال والأحراش المنتشرة فوق البسيطة، أوفي خضم الأمواج المتلاطمة بإصرار محير وبلادة مقصودة بقدر ماهي غريبة.

يهربون من سياج الحروب ومن بطش الأمراض وألم الفقر بأجسادهم النحيلة ونظراتهم الغارقة بالألم، ويضيع عمرهم بين أحلام شاخت وأوضاع مأساوية نام الجميع فوق نارها، ويموتون تحت برق الطمع وبريق الجشع، يقطعون الطريق والدروب الممتدة المتقاطعة والتي تطول فيها العبور ورفوف المشقة والأزقات الموحشة، ويشقون عباب الماء نحو ما وراء البحار وفي بلاد الضباب في موسم الهجرة إلي شتى الإتجهات الجغرافية، ينشدون الحياة علي أنياب المنية والحياة الكريمة في مخالب الموت!.)

تأثّر الجميع ورقرق الدمع عن عيونهم، وتذكر الحضور ورسمي الذي كان شابا قويا تتدفق فيه الحيوية، وبحر من الإبتسامات يضج بالجمال كالورود المتفتحة في عز الربيع، وطموحا يحضن أحلاما تفوق الخيال بعدما انهي دراسته وبتفوق كبير، ولكن أقرّ الجميع في لحظة صفاء نادر أن حظه كان سئيا جدا لأنه تخرج في زمن تذوب فيه القيم والمفاهيم الصومالية المجيدة في خضم المعارك والصراعات العبثية.

 الوطن يلتهب من أقصاه إلي أقصاه، وايام سوداء حزينة يمرها الشعب جعلت الحياة سيمفونية صراع متواصلة، لا أحد يستطيع أن يعيش حياة آمنة في ظل دولة صومالية قوية مهيبة الجانب توفر أساسيات الحياة لشعبها، فقدت الأمة بوصلة الحياة والتعايش السلمي والإحتواء العقلاني للأزمات، سادت الأنانية ومبدأ إلغاء الآخر والإستئثار التام للثروة والسلطة، قاد الجنون إلي إلغاء الشريك الذي ادى بدوره إلي إنهيار كامل للدولة ومؤسساتها ونهب كبير للحضارة وحتي للتاريخ والجغرافيا.

إنفجارات مدوية وأجسام مرتجفة وأشلاء متناثرة، وأصوات هادرة للرصاص و زخات للمدافع المرعبة، وأزيز الرشاشات الذي لا ينقطع في كل البلاد. قتلي وجرحي، أنين وصرخات، بؤر صراع ساخنة تتولد هندسيا في كل يوم بل في كل لحظة في طول البلاد وعرضه،سحائب من الحزن ورواسب من الأسى،هكذا كان أخبار الوطن قبيل تخرجه واحدة من الجامعات الوطنية المرموقة محليا بعد دراسة دامت نصف عقد من الجهد والمثابرة.

كان سمتر يطيل التفكير، وحالة الوطن واللون الشاحب للحياة والتيه الذي اصاب أمته يشكل كتبا مفتوحة يستقي منها أن الوطن يسير بطريق مجهول وبوتيرة متسارعة جنونية كسرعة الضوء في الفضاء، وفي ظل وطن شعاره النهب وإبراز العضلات علي المكلومين تبدو حياة البسطاء معادلة صفرية مع البقاء والتغلب علي أشباح الأسعار الفلكية.

قذفته الدنيا في الميدان العملي بعد الميادين النظرية التي تحتاج إلي صرير القلم ومداده، وحفيف الأوراق وعبقها العتيق والمذاكرة القوية. ببرآة الشباب وبحيوية المتخرج حديثا كانت أفكاره وتصوراته تأتي من الخيال وتعيش في وهم الشهادات وسراب الكفآءة، ولم يكن يدري أنه يعيش في وطن منهجه القطع والتفتيت، وأمة تغتال الأمل في رحم الغيب بحرفية كبيرة، وأن ميادين العمل والإنخراط إلي سوق العمل تحتاج إلي أشياء أخرى غير الشهادات الجامعية مثل القرابة والمحسوبية والوساطة والرشوة والفساد، والخبرات المتراكمة في شخصيته لاتسعفه هنا.

قلبت الدنيا له ظهر المجن، وتحولت حياته إلي درب من الأغنيات الحزينة، والحياة التي كانت تنتظره أصبحت رابية من الحرمان تشرف علي سهول من المعاناة، كل الأبواب التي ولجها من أجل تحقيق الحلم لقي منها إما إبتسامة خبيثة أوبرودة قاتلة أو ضحكة رمادية مائعة أومزيجا من الدعابة والسخرية، ورغم ذالك لم يحبط بل ضاعف جهده وبحث عن العمل وهو يعتقد أنه سيحقق الحلم الذي أقام في القلب مهما طال ليل السكون والسواد.
وعندما يحاول اليأس التسلل إلي قلبه يقنع نفسه أنه مهندس وقريبا ستفتح الدنيا له أبوابها، وأن المعاناة ماهي إلا سحابة صيف عن قريب ستنقشع، طالت المدة وتكسرت أجنحة الأمل وزاد الإحباط وحمل كل يوم من حياته تفاصيل أشد مرارة من الماضي ومعرفة أعمق لسلوك الشعب المتدهور.

لم يجد العمل في وطن رمال السياسة المتحركة أثرت توازنه وحولته إلي سجن ومنفى، صدمته الحقيقة والمأساة المتراكمة، وبدأ يدرس كل الإحتمالات والأفكار الجنونية تتصارع إلي عقله، كافح من أجل طرد الأفكار التي تقوده إلي متاهات وغربة قاتلة، ومن أجل التغلب علي هذا الأفكار ولكي لا يقع في حبائلها كان يغدو كل يوم إلي المدينة ويقف في كل زاوية يقرأ جميع الملصقات والإعلانات لعله يجد عملا يحفظ له ماء وجهه، ولكن أنيّ يجد وهو ينتمي إلي الهامش والطبقات الكادحة.

حاول سلك كل الطرق الممكنة التي تقوده إلي العمل وتحقيق أحلامه ولكن صدت الأبواب علي وجهه. وفي صباح يوم بارد أسند ظهره إلي الجدار فتملكه شعور بالعتاب من نفسه ومن المجتمع، لماذا لم أجد عملا يناسبني؟ لماذا لايقدر الشعب قدراتي العلمية وشهاداتي الدراسية؟، ولماذا لا أفكر تغير العقلية المتحجرة المتشبثة في الوطن؟ ولماذا لا أدرس خيار الهجرة إلي الخارج؟ ولماذا أخاف من المستقبل ومن كابوس الغربة.؟

إنظلقت من عيونه نظرة تأمل في اللا شئ،! نظر تجاعيد أمه أو بالأحرى تجاعيد الزمان علي جبينها الذي أجهده المرض وأنهكه التعب، تجاعيدها تعني له ألف حكاية وحكاية، ورقة عظامها تذكره بكفاحها من أجل هذا اليوم، تُرى ماذا تقول إذا استيقظت علي فجيعة الحقيقة؟ لطالما أنحنيت رأسي أمامها حبا وتقديرا.

نظر متحملقا إلي جبين أخته الغارقة في عرقها ومصارعتها مع الوجبة الغذائية وتجهيزها للأسرة بإخلاص الأخت وحبها اللاحدودي، حاول الهروب من الواقع إلي سحيق الذكريات ولكنها اشد وأوجع، تذكر والده الذي فارق الحياة قبل عقد ونصف من الزمن  قبل أن يكوّن لهم ثروة أو يترك لهم كنزا سوى نسب شريف متصل وطيبة يتذكره الجيران.

همس في أذن الزمن وراوده خيال جامح لإيجاد قطار الزمن السريع ولكن بإتجاه المعاكس، لم يجد قطارا متجها إلي الماضي ولم تسعفه المعجزات لأن زمن المعجزات إنتهى،! خانته الذاكرة وغابت الملامح وراء ضباب السنوات وخلف الدموع التي ملأت مقلتيه، قطع عن التفكير وعرف أنه يمر وقتا صعبا وظروفا مخيفة تتطلب شجاعة نادرة وتفكيرا عميقا.

نام ليلته ولكن لم يتنعم بلذة الكرى إذ الأعمار الضائعة بين أحضان العطالة والوطن الذي لا يرسم علي الجباه رسمة الحب، والليل الإفريقي الخانق والضباب اللطيف الذي يتدثر علي ظلام المدينة الدامس حرك كوامن سمتر، وأدخله في صمت كبير وفي حزن لاضفاف له.

وفي الصباح حاول إصلاح ماكينات الأحلام التي تعطلت فوق ربى الواقع الأليم فلم يستطع، فقادته رنة التوجع إلي العزيمة القوية للهجرة، وحثه الوضع علي تغيير الواقع وظهور شجاعة مبهرة في القرار، والتحمل بالنتائج ولو قادته المغامرة إلي مواجهة الموت في وسط عتمة البحار أو الصحراء المقفر أو الحدود التي لا يستطع المرأ مقاومتها ومجابهة اضرارها.

وفي محاولة أخيرة طاف كعادته جميع الشركات العامة والخاصة واشترى الجرائد النادرة التي تصدر في مدينته ولكن بدون جدوى، قصد ناحية البحر لتخفيف الهموم وسراب الإحباط الذي أحاط به كإحاطة السوار بالمعصم، وجلس امام المحيط الهادر والأمواج التي ترتعد بقوة يتحدث مع زميله ليبان عن مرارة الخيبات والأجفان التي لا تكتحل بالنعاس بسبب التفكير الدائم وطرق أبوب الأفكار التي تراوده بين فينة وأخرى.

حاول زميله تخفيف حدة الإحباط ووطأة الخنق بأن الغد أفضل لا محالة، وليل الظلم لا يدوم وتباشير الصباح قد لاحت في الأفق، ولكن سمتر لم يقنعه كلمات ليبان بل يعض شفتيه بعدوانية ويراقب الأمواج الهائجة بإمعان يستحضر المستقبل والمحيطات التي يجتازها لتحقيق أحلامه.

الثقة عندما تنهار لا تعود أبدا والإنسانية المعذبة في بلدانها التي تعتصرها الألم كآلات موسيقية تتكلم، وتتقاذفها أمواج الغربة الموحشة في داخل الوطن والشعور القوي للظلم أشد وانكي من رحلة مجهولة العواقب ومحفوفة بالأخطار المحدقة مع الحيوانات الهلامية والقواقع وقرش البحر، ومواجهة المنية في وسط عاصفة بحرية وزوابع رعدية قاتمة كخرائط للأنين.

الثلاثاء، 24 سبتمبر 2013

حورية الشاطئ


كنت في شاطئ بديع مسترخيا عند زورق يتراقص على مياه ضحلة تعانق أشجار النخيل. ذاك المساء كان مزاجي عاليا وكنت متأملا بجمالية المكان وشاعرية الموقف وبُعد الأفق الذي يتداخل بالتأني مع زرقة المياه عند منتهى البصر. على مشارف لحظة نادرة من الصفاء أطّلّت عليّ نجمة تدثرت بالجمال وتخمّرت بالبهجة! تحركتْ نحوي بإثارة مفتعلة وخطى ثابتة ترسم أصابعها على رمال الشاطئ لوحة بانورامية رائعة يجملها رزانة عجيبة ومشية "لاريث فيها ولاعجل".
جلستْ بهدوء فوق كرسي خشبي مبلّل برذاذ الماء المتناثر على الهواء لحظة تحطم الأمواج على صخور داكنة يطلق عليها الجيولوجيون "صخور متحولة" لا أعرف كيف تحولت ومتى تحولت ولم تحولت ولكن للعلم آراء عجيبة وتحولات لانعرف كنهها؟. وقفت بطولها الفارع وسط عارضات قصيرات القامة يتبخترن على وقع أغاني غربية صاخبة، المكياج الصارخ والخروج عن المألوف أضفيا على ملامحهن الأسيوية هالة من الأسى وطمس على سحنتهن البارزة.
ذهبتْ بتغن واضح نحو الشمال الجغرافي حيث الرمال الذهبية ومقاهي صينية تقدم وجبات أسيوية مقززة ضفادع مشوية، وعناكب مجففة، وأدمغة القردة، وطبق جراد مقلي، وطيور غريبة وسلاحف تتحرك، وتماسيح صغيرة! الأحاديث والقبلات الساخنة لايتوقفان في ردهات المقاهي وعلى كنف طبيعة تمنح للسياح معزوفة تطرب لها الخيال لجمالها ورونقها وتناسقها.
كان الطقس بارداً فهطل المطر بغزارة مخيفة ورغم برودة الأجواء وبكاء السماء وقفت تستمتع وتغني وتتمايل وتبرز مفاتنها وتضاريس جسمها المتناسق. وعلي صفح الجبال الرملية الممتدة على طول الساحل كشفتْ وجهها ورقبتها عن الخمار؛ فبدا وكأنه البدر في ليلة حالكة الظلام وحركات خصلات شعرها الفاحم أضفى على الموقف جمالا ينبعث من ثغر حورية الجنان.
نظرتُ إليها برومانسية موغلة في البدائية وكأني أرعى إبلي على أعالي بلادي ولست سائحا في منتجع مشهور يرتاده المحبون وعشاق الطبيعة، وممن تجولوا في العالم واستجمموا بسواحل المتعة. وبعد معركة رهيبة في داخلي عزمتُ أن أوجّه إليها التحية كمناورة استراتيجية تلطف الأجواء المشحونة بالترقب والانبهار. ألقيت مرسال كلماتي نحو درب وعر وملامح آسرة غطتهه كبرياء أنثى ساحرة! لم تلتفتْ إليّ ولم تأبه لفضولي بل عزفتْ على وتر اللامبالاة المدويّ وتوغلت في نظرتها المركزة للأفق وكأنها تقرأ تفاصيل الطبيعة أو مصابة بجفاف العاطفة.
حاولت عبثا أن أتقرب إليها وأتواصل معها عاطفيا لكنها واجهت توسلاتي الروحية وإيحآتي الرومانسية بمزيد من البرودة المحيّرة! ليت الأمر توقف عند ذلك بل أخذت انطباعا سئيا وفسرتْ هذه الجرأة حبا للاستطلاع وفضولا ساذجا لصعلوك يتودد إلى قلوب الغواني بكل الطرق، وربما قالت في نفسها هي مجرد حركات صبيانية ونزوة تقوده إلى سندريلا الزمان ومن تغار عليها الظباء ويخفي القمر طلعته استحسانا لجمالها.
وبعد إلحاح مثير من لغة الجسد استقبلتني بنصف ابتسامة باهتة بلا عنوان أظهرت ثغرها وكأنه "شمس تجلّت من غمام"!، جمعتُ قوتي ولملمتُ أطراف مشاعري وأرسلتُ إليها زفيرا ساخنا وجملا متقطعة ماكرة تلبي الحاجة وتفي المقصود ويلفها ضباب الخوف من المآل، دارتْ وجهها الصبوحي 90 درجة بسبب حياء أنثى تقليدي وطغى على تعابيرها أناقة الرضى التي مهدت حوارا باهتا لم يدم طويلا بل أجهضه الزمن كعادته.
غادرتُ الشاطئ وأنا أجر جنين الهوى وخيبة الفراق بعد أن فرق النوى بيننا، وفي سحيق الجوى تذكرت أبيات لأبي حزم، وتمتمت بها وأنا أودع لؤلؤة الشاطئ، ولا أدري هل يجمعنا الزمن مرة أخرى أم هكذا يطبع البين صورته على حياتنا ويفرق شمل المحبين؟ وهل تمر حياتي وتجمّل أناقتها على مسيرتي ولو كعابر سبيل؟!
كيف أذم النوى وأظلمها *** وكل أخلاق من أحب نوى
قد كان يكفي هوى أضيق به *** فكيف إذا حل بي نوى وهوى
استغربتُ ضعف قلبي وسرعة عاطفتي وقصر الزمن، ولكن لا غرو فأيام الربيع أقصر فصول السنة وأروعها. و للمشاعر سلطان على القلوب، وبعض الحب يبدأ من أول نظرة، ولوعته ولمساته الحانية على بساط الطبيعة العذراء يصعب مقاومتهما.
كما كنت بعيدا عن وطني كنت بعيدا عن كنف الوصال وهمسة الحبيبة في هدأت السحر فشكلت الإبتسامة والموافقة الوجدانية إنجازا يكتب بماء الذهب في ذاك المساء الصعب. رجعت بخفي حنين ينتابني الشوق وتلهيني تلك الابتسامة العذبة. ولكن كما جمعتنا نظرة عابرة كانت ستتطور أن لم يجهضها الزمن إلى رحلة وجدانية عامرة قد تجمعنا الأيام على ربوع وطن يمتد بامتداد الإبل والسمرة والمحيط.
أرخي الليل سدوله وسلمت جفوني إلى الكرى؛ فطاردني طيفها وهاجمتني إلف المحبة بلا حبيبة تشاركني لوعة الوصال، وبت ليلتي أناجي طيف غائبة لا أعلم هل أتلذذ بهمس حروفها ونشوة كلماتها وعبق أريجها الفواح؟ أم خلق لغيري ليعيش مسرات لا تنتهي وحبورا لا ينقطع؟ توجهت إلى غرفتي تحت قبة ليل مظلم عاطفيا! كنت منهمكا لتنظيم تراكم الحب في رفوف الذاكرة؛ لأجعل حبي الجديد ملئيا بالشجن.
تمر الأيام والليالي وبعض الذكريات تكون عالقة بين طيات الذكريات وحافة القلوبالذكريات الصادحة من بعيد وفي غرفة حالكة الظلام جعلتني لا أنام ليلاً، بل أغرد وحدي على سراب الغربة كطائر عنيد يغنى لرفيقته على ضفاف عين مدينة بيدوا فتثير شجني وتعذبني في المنافي التي لاتمنحنا سوى الدهشة وتجاعيد تطبع على سمرتنا القمحية بصمات الأعوام.
زرائب الذكريات تؤثر على الأعصاب والمشاعر كفنجان قهوة ترتشفه على مهل في عمق جكجكا ورقصة الطانتو وأغانيها تنساب من بين الأزقات المعبقة بالنضال ودولة القوافي، وتغيّر المزاج كمفارش القات في هرر حيث تستقبلك الجميع بابتسامة حضارية تتوسد مآثر الماضي وملاحم الأبطال وقصور السلاطين وأغاني شجية ذات أوتار خماسية تذكرك كيف يقفز الحب عوائق الطبيعية والحياة، وكيف يتلذذون بصوت العندليب موغي وهو يعزف عوده الطري ويردد مناجاته الشجية مع الحبيبة ويعاتب الجغرافيا ويتذمر عن الأميال والفراسخ والطبيعية الممتدة في جو رومانسي حالم. 
Baal goray Haldhaa iyo Biyoo Dahab lamoodyeey
Buuraha dhaxdeeniyo Badda yaa intuu dhuroo
Bari laga gudbaayiyo Ban cidl’,ah kawada dhiga.
كم أنا مولع بالمقاهي التي تقدم تلك الأغاني كطريقة خاصة للاستقبال والاعتذار معا.

محطة الباص(قصة قصيرة)



في محطة الباص وفي وسط الزحام توقفنا سويا وبصدفة محضة نظرت إليها باختلاس، وتعجبت لها بعفوية غير مقصودة، اجتاحتني موجة من الإعجاب الواضح، وهاجمتني ثرثرة قاتلة تهز الجبال الراسيات، وأصبحتُ فريسة سهلة للحب من أول النظرة-وهذا أسوأ أنواع الحب لمن لا يعرف- كأني من شعراء الرومانسيين القدامى أمثال ويليام بلايك وبايرون وروك هودسون أو من أثرياء موناكو وملوك الأندلس أو من متنعمي بلاط الملوك في عهد الدولة العباسية حين كان الحب والعشق والموسيقي يفيض جمالا ويفوح شذى كسيمفونية رومانية في زمن المغيب .

تغلغل الإعجاب الواضح إلى سحيق قلبي فبدأ السن يضحك والأحشاء تحترق والتف حولي أغصان العشق الخضراء …اقتربت إليها متنكرا باللامبالاة مصطنعة، وربما نسيت الحدود وتعديت إطار المعرفة وأمتار الحشمة! وبما أن الإعتراف سيد الفضيلة فقد كنت مبهرا لأقصى الحدود لتناسقها ورشاقتها وقوامها السمهرى، وتعرضت لنوبة عشق قوية كادت أن تعصف بي لولا المدة الزمنية والتراجع والتراخي الذي دب أوصال جنين العشق في مهده.

همستُ في أذنها أو بالأحرى شممت عطر خصلاتها المتناثرة ولمست شحمة أذنها حتى سمعتْ بوضوح صفير صوتي وأزيز مشاعري وضربات قلبي المتسارعة كأني واجهت طوفانا من أقضية الزمان، وبدا صوتي أشباحا تتلاعب في أطياف الضباب الكييف، قفزت كالغزالة الرشيقة ونظرت إليّ بعينان فإذا”لها مقلةٌ كحلاء، نجلاء، خلقةً كأنّ أباها الظبي، أو أُمَّها مَها”وأخذتْ تبلع ريقها بصعوبة ومسحتْ فمها بظهر يدها ومال لونها إلى حمرة بفعل الحدث مما كسى وجنتبها الجميل ثوبا أرجوانيا كزهرة الأقحوان أو كأوتار كلاسيكية من زمن البهاء في موسيقة طازجة وندية.

Gorfeynta buugga "Geylame"

  Buugga “Geylame” ee uu qoray Xassan Maxamuud Qorane, waxa uu nuqul ka mid ah gacatayda soo galay Habeenkii la soo bandhigayey oo ku beegna...