ليلة الخميس25.5.2005م، كانت الليلة الأولى في حياتي التي حضرت أول
نهائي للشامبيونزليج وأنا مشجع للكتيبة الحمراء ومهول المرسيسايد العريق ليفربول بقيادة
الكابيتانو جيرارد والجنرال بنيتيز، كنت في كسمايوا جنوب الصومال وفي نادي لا
بيعد كثيرا عن عمق المدينة كان المتنفس الوحيد في زمن الحروب والمليشيات المسلحة.
حشد كبير من مشجعي ميلان جعل النادي وكأنه مدرج أفريقي من
مدرجات سانسيرو، وللعلم فالصومال قبل عقد ونيف كان التشجيع للفرق الإيطالية بحكم
الاستعمار الإيطالي للصومال وقوة الكرة الإيطالية (جنة كرة القدم) في نهاية
التسعينيات وبداية الألفية، مشجعي المهول جلسوا على الصفوف الأمامية كالعادة بزيهم
الأحمر وحناجرهم السمراء، يرددون نشيد الحب والحياة:
لن تسير وحدك أبدا!
كان الصخب عاليا فاختفت كلمات المعلق، هدير وضوضاء
وأغاني إيطالية وإنجليزية وكأني أتفرج المباراة من على مدرج ملعب أتاتورك في وسط
إسطنبول! بدات المبارات ولم تحتاج إلى جس النبض ومقدمات، بل دخل الفريقان في لب
الموضوع في الدقيقة الأولى من زمن المباراة، دخلنا التحدي والهجمات المتتابعة في
الدقيقة الأولى وكغير عادة المباراة، اجتاحتني قشعريرة بلاعنوان وأنا أتابع تشكيلة
الروسونيري التي ضمت نجوم المجرة وعباقرة الساحرة المستديرة.
كرة ثابتة في ظل حارس مرمى اشتهر بتذبذب المستوى
ودفاع ضعيف مقارنة بعمالقة ميلان، تحسر واضح، تنهيدات وخوف يسدل أستاره على الجناح
الأحمر للملعب، أنبرى لها ملك الريجستا بيرلو وسجّلها مالديني ببراعاعة موغلة في
دهاء الطليان، توتر ونظرات غريبة في المدرجات وانكسار على وجوه اللاعبين، بنيتيز يصحح
ربطة عنقه، وجيرارد يضبط شارة القيادة! وكاراجير يشجع
اللاعبين ويحثهم بمزيد من العطاء والركض والجديّة.
بدا التوتر واضحا في محيا الجميع، وكأن المبارة إنتهت
وليست في الدقائق الأولى من شوطها الأول. بينيّة متقنة راقصة من ملك السامبا كاكا
ولمسة لاتينية من قائد هجوم تانغو كريسبو مزقت عذرية الشباك!. تفنن في الإذلال ولدغة
ثانية في وسط ذهول المشجعين، ليل بهيم وإحباط، استحواذ تام لكتبية الفني الإيطالي
أنشيلوتي وتيه لكتيبة الإسباني بنيتيز.
ليفربول يبدو أنه ليال كارثي بكل المقايس، الخطوط الثلاثة
متباعدة، هجوم خجول يقوده تشيكي لايملك مهارات اللاتين ولاجدية أوروبا، ودفاع
مهترئ بقيادة طيب الذكر سامي هيبيا، وخط وسط متباعد ومتشتت لايستطيع مجارات خط وسط
ميلانيستا الرهيب. لمسات من زمن الجميل، وهزة عنيفة بقياس 9ريختارعلى شباك
الحارس البولندي دوديك ثلاثة صفر! فغر الجميع أفواههم! وهنا كدتُ أن أرفع الراية
البيضاء، ووقفت عىي مشارف اليأس، ولكن علمتنا المستديرة أن لا يأس إلا بعد صافرة
نهاية المبارات، وليفربول لا يعرف الإستسلام أبداً. أنتهى الشوط الأول على أمل أن
يحمل الشوط الثاني الخبر السعيد للكتيبة الإنجليزية.
بدأ الشوط الثاني بأهازيج أنجليزية وصيحات إيطالية، تناسق بديع لكل الأشياء، الوجوه جميلة والميدان إكتسى لونه في ليلة
كتب لها أن تكون أروع ليلة في نهايئات أوروبا على مر التاريخ، شاشة الملعب تشير
إلى شيء غريب! ثلاثة للميلان، صفر للمهول! لا أفهم ماذا حدث ولم أكن أريد أن
أعرف!، إنهمرت عليّ التساؤلات من كل حدب وصوب، هل تنتهي الليلة بفضيحة كروية
مدويّة تزلزل عرش المرسيسايد؟ هل نتسطيع حفظ ماء الوجه ونسجل هدفا لرد الإعتبار
على الأقل، استبد بي الخوف وكنت في قلق شديد.
ما أغرب مسار الكرة هذا المساء وما أعقد منطق المستديرة!
لماذا يعاند الجلد المنفوخ ليفربول؟ الا يستحق أن يعيد النادي العريق اسمه وتاريخه
الأوروبية من جديد؟ ولكن اقتنعت بمقولة شهيرة استمدت منها القوة والعبرة
"التاريخ يعيد نفسه" فتاريخ الزعيم حتما سترجع وستحرق عاصفة الزعيم ليل
أوروبا.
بداية غير متوقعة بل عادية في مجملها، ولمسات لا تنبؤ
بإشراقة نور الهدف والأسبقية إلى هز الشباك، كرات طويلة بلا عنوان في ظل تكتل دفاعي واضح للميلان
لإمتصاص الحماسة وجص النبض، لاحيلة للزعيم سوي التسديدة من خارج منطقة الجزاء،
تمريرة ذهبية كالعادة من جيرارد للماتادور ألونسو وتسديدة قوية تمر على جوار
القائم، قفزة هيستيرية لمشجع ليفربولي يمني النفس أنها ضربة البداية لمشروع
الأهداف التي سوف تمطر على شباك الطليان، ولكن الأمنية معظمها لا تتحقق وتبخرت آماله! ومرّ الطليان بسلام ولكنها حقا كانت طلعة إستكشافية من الماتادور ليهيء الجو للقلب
النابض وأسد "الأسود الثلاثة".
في وسط هذا الأجواء درس الجنرال سر قوة الميلان فكانت
الجواب مصدمة ! لماذا لم أرى أولم أدرك قبل فوات الأوان؟ سرّ قوة الميلان
في خط وسطه الناري خمسة لاعبين من الطراظ العالمي في منطقة المناورات، أمام ثلاثة
لاعبين لم يقو عودهم ولم يخوضوا مباراة كهذا وتنقصهم الخبرة وشخصية البطل إذن
مالحل؟ في الدكة يوجد ماكينة ألمانية تطحن الرجال وتقطع الكرات وتمرر بدقة متناهية.
