‏إظهار الرسائل ذات التسميات الرحلات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الرحلات. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 20 مارس 2025

تنزانيا.. حيث تلتقي أفريقيا (1)



على سلّم طائرة صغيرة تابعة لـ (طيران تنزانيا) وفي أجواء ماطرة اكتحلت الأرض بإثمد الليل كنت ممتلئا بتفاصيل الرحلة، وكيف ستكون زيارتي لدولة تمتد على مساحة شاسعة من التنوع الجغرافي والبشري والتاريخي. على معقد ضيق للغاية سألني المضيف المتباهي بلغته الإنجليزية المشبعة باللكنة الأفريقية: "كيف أساعدك يا سيد حسن؟" لم أعر اهتماما لسؤال لم تكن مفاجئة على أي حال. لم يكن في خلدي سوى البحث عن إجابة مقنعة لتغيير الطائرة من بوينغ 737 إلى طائرة صغيرة لا تتسع لأكثر من عشرين راكباً. أقلعت الطائرة وشقت طريقها عبر سماء ملبدة بالبرودة والغيوم وربما القلق. تحت جنح الظلام كانت روايتي الأخيرة غيلمه (Geylame) التي تتناول قضية الاستبعاد الاجتماعي في الصومال - حاضرة في ذهني. هل ستجد الصدى المناسب؟ هل ستساهم في بناء الوعي وتماسك الهوية وتحقيق السلم المجتمعي؟ ولماذا يهين الإنسان بأخيه الإنسان؟ بعد دقائق وصلت الطائرة إلى الارتفاع المطلوب وأطفأ الطيّار إشارة أحزمة المقاعد وبدأ المضيفون في تقديم الطعام والشراب للمسافرين.

كان منتصف الليل بدقائق حينما حطت الطائرة على مدرج مطار جوليوس نيريري في دار السلام. تفاجأت بهدوء المطار وكأنه مطار لقرية صغيرة وليس بوابة جوية لأكبر مدينة في شرق أفريقيا من حيث عدد السكان، إذ تحتضن حوالي 9 مليون نسمة. وصلت المطار متلبسا بترقب نابع من حكايات الصوماليين الذين مروا بتنزانيا في طريقهم الى جنوب إفريقيا التي كانت في الفترة ما بين 1994-2010م فرصة اقتصادية واعدة، وكانت سجون تنزانيا -كغيرها من دول الممر- مكتظة بصوماليين هربوا من جحيم بلدهم المنهك بالحروب الأهلية إلى الوطن الصاعد الذي تحرر من الفصل العنصري وسطوة البيض سياسياً.

الإجراءات كانت سهلة، ولم يكن الأمر كما توقعت على الاطلاق، بل حفاوة الاستقبال جعلت جلّ ما في جعبتي مجرّد تصورات متخيلة. في كونتر الجوازات استقبلتني سيّدة في أوائل الخمسينات من عمرها بابتسامه لطيفة وتمنيات بإقامة طيبة دون أن تسأل عنّي سوى وضع أصابع اليد على أجهزة التبصيم. ابتسامتها الأمومية كانت مفتتحا بأسبوعين من الصفاء الروحي والاكتشافات المذهلة لدولة تحاول النهوض تحت ركام التحديات. تنهدت بعمق وأفردت ذراعي لمدينة تدون نهضتها بصمت وشعب يعانق الحياة بكل ودّ. تجاوزت كبينة الجوازات ورأيت من بعيد سائق تاكسي الفندق الذي احتجزته مسبقا ينتظرني عند بوابة الوصول حاملا لافتة كتب عليها اسمي. وبعد التحية وتبادل العناق انطلقنا نحو الفندق في رحلة استغرقت قرابة نصف ساعة.

كانت دار السلام تبدوا وراء ظلمة الليل مدينة نابضة بالحياة، ولكن بدت لي عند وصولي وكأنها غانية نامت بعد يوم شاق. كانت الشوارع خالية إلا من عمال وشاحنات ورافعات البناء وهدير الجرافات وصينين لا تخطئها العين في مدن وقرى تنزانيا التي تعتبر أكبر دولة متلقية للمساعدات الصينية في أفريقيا. في الأسابيع اللاحقة علمت أن علاقة البلدين قوية للغاية، وأن الصين ظلت ولعقود أكبر شريك تجاري لتنزانيا. منذ عهد الرئيس التنزاني الأسبق جاكايا كيكويتي (2005-2010م) شهدت العلاقات الصينية التنزانية تطورا ملحوظا في كل المجالات بما في ذلك المشاريع العملاقة والبنية التحتية والسياحة والتبادل الثقافي وصناعة الأفلام، إضافة إلى التدريبات والمناورات العسكرية ومكافحة الإرهاب. والمتتبع يلاحظ أن علاقة الدولتين تجاوزت الأطر الدبلوماسية إلى آفاق أرحب ومحبة بين الشعبين، وتدل كلمة "رفيقي" التي يستخدمها التنزانيون للصينين دون غيرهم من الشعوب مكانة الصينيين لدى المجتمع التنزاني.

الثلاثاء، 25 أبريل 2023

من مقديشو إلى القاهرة.. وإن طال السفر (2-5)


في السادس من كانون الأول ديسمبر2022م استيقظت من النوم وحلكة الليل ما زالت في الأفق. كانت هواجس اللقاءات المرتقبة تتسابق في خيالي وأتساءل: ما جدوى المؤتمر؟ هل سيختلف عن المؤتمرات العبثية السابقة؟ هل كلمتنا ستجد صدى مناسبا؟ وكيف سيبدو مبنى جامعة الدول العربية الذي ضمّ يوما ما بين دفتيه زعماء العرب التاريخيين باختلاف مشاربهم ومبادئهم وفلسفة حكمهم؟ على وقع هذه التصورات ذهبنا إلى مقرّ جامعة الدول العربية التي سئمتْ من الأزمة الصومالية، ومن تسوّل وزراء تخرجوا من أكاديمية التفاهة ولا يحملون ذرة من الكرامة، وسفراء لا يعرفون البروتوكول الدبلوماسي، ومندوبين ليسوا محنكين ولا مؤهلين لتمثيل وطن يمر بمنعرج خطير. وبسببهم اقترنت "الصومال" في المحافل الدولية بالمهانة وعدم الجديّة، وكلها إفرازات طبيعية للقهر وخواء الذات، وسلوك يعكس عمق أزمتنا!

في قاعة متوسطة الجمال وفي وسط حضور عربي وأممي تقرأ على تعابير وجوههم عدم الاكتراث كنت أعاني من حرج شديد لدرجة أنني لم أتجرأ على النظر إلى عيون الحاضرين أو جذب أطراف الحديث معهم! إلى متى نقرع الأبواب ونمد أيدينا للغير نطلب منهم المساعدة؟ كنت أشعر بحمرة الخجل ونحن نعرض مأساتنا على دول أقل منا إمكانية من حيث الموارد الطبيعية والموقع الجغرافي وحيوية الشعب، وأمام هيئات تستفيد من مأساتنا. باستثناء الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط وبعض رؤساء البعثات لم تكن الوفود والممثلون معنيين لوقائع المؤتمر، بل كان الكسل واللامبالاة والاشتغال بالهواتف الذكية والمحادثات الجانبية سيد الموقف، وكأن لسان حالهم يقول: "يتكرر الجفاف ومعه تتكرر المجاعة ومناشدة المجتمع الدولي ولا أمل في الوصول إلى حل جذري لشعب غاص في وحول الحرب ومستنقعات الانقسامات، لذا من الأحسن ألا نصدع رؤوسنا بمعضلتهم". ورغم برودة الجوّ العام إلا أن النقاش اتسم ببعض الجدية ولم يخل مسحة من الامتنان وتضخيم المساعدات التي قُدمت للصومال في العقود الأخيرة، واجتهدت المنظمات الدولية التي تأخذ باسم الصومال ملايين الدولارات وتبذره بأجنحة الفنادق الفاخرة والرحلات السياحية في حلب العرب بعد أن جف ضرع الغرب. أما المبعوث الصومالي فقد أشار الكثير في كلمته ودعا الجميع إلى التحرك السريع وإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.

انتهى المؤتمر بتوصيات لن تنفذ وكلمات لن تصل إلى أذن واعية، وانتهت أيامي في فندق انتركونتيننتال سميراميس وعدتُ إلى الحياة الطبيعية. وقبل أن أنتقل إلى مدينة نصر حيث الطعام الصومالي وصخب الحياة وصديقي زكريا الذي ما زال نديّ الروح صومالي الطابع ذهبت إلى ماسبيرو (الإذاعة والتلفزيون المصري) لمشاركة برنامج «طقوس الإبداع». كانت مقابلتي مع الأستاذ الصحفي خالد منصور تاريخية ذلك أنها كانت الأولى من نوعها في مسيرتي الكتابية بعد سنوات كنت أتحاشى من المقابلة التلفزيونية خشية التلعثم أو التعثر الكلامي. في غيهب الغسق وقفت أمام مبنى ضخم متعدد الأقسام بني في أوج عزّ ثورة ضباط الأحرار (انقلاب 23 يوليو) ولقب باسم العالم الفرنسي جاستون ماسبيرو. كان حديثي مع الصحفي - الذي فاجأني بعد المقابلة بأنه كان يعتقد أنني لا أجيد التحدث باللغة العربية بسبب قلّة كلامي وتحفظي في الحوار والدردشة على الماسنجر- يدور حول كتاب «الصومال.. زوايا غير محكية» الذي أبهر كل من قرأه من المصريين والعرب حتى قالوا عنه: «يحمل مراثي الصومال وملامح كسمايو". وأعتقد أن السبب ليس في قوة محتواه أو أناقة أسلوبه رغم أني بذلت قصارى جهدي بقدر ما هو أن القارئ العربي لا يعرف شيئا يذكر عن الصومال التي ابتعدت عن المسار العربي في العقود الأخيرة، وبالتالي كل ما يتعلق بهذا البلد المنسي يعتبر ثروة لا يمكن التفريط فيها. في البداية كنت متوتراً وكنت أخاف أن أقع ضحية للهلع الذي يعتري الإنسان في مثل هذه المواقف، ولكن مرّ الموقف بسلام، وخرجت الكلمات من فمي بسلاسة وأريحية غير متوقعة. لقد تحدثت عن صومال الأمل والتحدي.. صومال الشعر والأدب والقوافي والنضال والرقصات الجميلة.. الصومال التي ترفض أن تحل الظلامية واللصوصية محل الجمال والإبداع.

في القاهرة لم أكن حبيس العزلة ولا بعيداً عن نبض الشارع وندوات المثقفين وزحمة الأسواق ودهشة التاريخ، بل وطدت علاقتي بكتاب ومثقفين من شتي الأقطار الأفريقية والعربية وانخرطت في الحياة الثقافية. في الندوة الأولى في الصالون الأفريفي بالتعاون مع الاتحاد العام للطبلة الأفارقة بمصر تحدثنا عن حقيقة الهوية الإفريقية والانتماء، ومن هو الأفريقي في زمن السيولة؟ وهل البشرة السوداء مقياسا للأفريقانية؟ إذا كانت الإجابة بنعم فكيف يمكن للبرازيلي الأسمر والجامايكي أو الزنجي الأمريكي أن يكون أفريقيا رغم بعد المسافات واختلاف الثقافات؟ بينما المصري والجزائري والمغربي ليسوا أفارقة وهم يعيشون في أفريقيا؟ هل المعيار هو الجغرافيا والمكان؟ إذا كانت الإجابة بنعم فكيف لمارغوس غارفي ألا يكون أفريقيا؟ وهل التمسك بالهوية الأفريقية تعني عدم مواكبة العالم والتقوقع في محارات الذات؟ وكيف نوازن الهويات المتعددة؟ كان نقاشا مستفيضاً خاصة وأن الحضور كانوا نخبة مثقفة تحمل الهمّ والانتماء، وتدرك أن قارة المستقبل أمام مفترق الطرق، وأنها تفتقر إلى قيادة ذات كاريزما بعد جيل الاستقلال الذي حاول بناء هوية افريقية جامعة وعاش مع حلم التحرير وتوحيد أفريقيا. في القاعة التاريخية التي مرّ عليها عمالقة القارة التقيت بجيل شاب اعتنق البان آفريكانيزم حتى النخاع، ويسعى بعزم وإصرار نحو أفريقيا الموحدة والمحررة من التبعية.

السبت، 15 أبريل 2023

من مقديشو إلى القاهرة .. وإن طال السفر (1-5)




كنتُ منغمسا في القراءة في وسط غرفة مطلة على أطلال الكاتدرائية الكاثوليكية القديمة في حيّ حمرويني في مقديشو عندما اتصل عليّ المبعوث الرئاسي الخاص للشؤن الإنسانية والجفاف عبد الرحمن عبد الشكور يخبرني بأننا سنسافر إلى جمهورية مصر العربية لمشاركة «مؤتمر جامعة الدول العربية والأمم المتحدة حول الجفاف والأمن الغذائي في الصومال». على جناح السرعة جهزت نفسي للسفر ورافقت المبعوث -الذي منذ أن تولى مهمّة لفت انتباه المجتمع الدولي للجفاف الحاد اختارني ضمن فريق عمله- إلى القاهرة؛ جوهرة الشرق وقبلة المفكرين والأدباء. في مكتب المبعوث الذي كان يعج بالحركة والعمل الجاد، كنتُ مسؤولا عن الملف العربي الذي كانت الحكومة الصومالية تعوّل عليه بعد انشغال الجهات الغربية المانحة بالأزمة الأوكرانية وتراجع أداء اقتصاداتهم.
كغيري من الصوماليين كنت أبحث عن مهرب من حياة محاطة بالخوف، ومدينة تفتقر إلى كيمياء الحياة السعيدة، وتتسابق فيها البنايات الشاهقة وركام الحرب والعشوائيات مما جعلها غير متناسقة. وفوق هذا كله سأبتعد ولو مؤقتاً عن المتاريس والطرق المغلقة على الدوام والرعب الناجم عن إطلاق الرصاص العشوائي يوميا في مدخل مقر محافظة بنادر الذي لا يبعد عن شقتي سوى أمتار قليلة. بعد كل إطلاق مكثف للنار كان الألم يجتاح أضلعي فأطلّ بعنقي بطريقة اللاإرادية من النافذة لأقيّم الوضع بعينين حزينتين وقلب يخفق بشدّة. أجول ببصري حول طريق غارق بمليشيات معفرة بالبؤس وتوك توك (Auto rickshaw) تنتظر الركاب، وملامح لا تبالي ولا تكسوها الخوف. الحياة تسير بوتيرتها الاعتيادية، والمارّة تضحك ولا تهتم بهدير البنادق وكأنها تتلذذ بموسيقى البيكا، وأنغام الدوشكا، وألحان آي كي 47، والعزف على وتر المسدسات.
"لا شيء يدعو إلى القلق يا حسن.. مجرّد حراسة أمنية تطلق الرصاص على الهواء لكي تفسح الطريق أمام سيّارة مسؤول عالقة في الزحمة" يقول صاحب الشقة؛ وهو يتابع التفاهات السياسة، ويتصفح غثاء المواقع الالكترونية الصومالية بنهم ستيني عاد لتوّه من الغربة ويمني النفس بحياة مستقرّة في خريف العمر.

في زيارتي الأولى لمصر عام 2017م كنتُ هاربا من العزلة الثقافية، وسائحا يحدوه الشوق إلى زيارة معالم القاهرة وآثارها الفرعونية ولمساتها الرومانية ومعمارها الإسلامي،‬‬ وبعد 5 سنوات ها أنا أسافر إليها من جديد ولكن بمهمة رسمية وآمال عريضة؛ لفت أنظار أشقائنا العرب إلى الصومال التي -إلى جانب الحرب الأهلية- تزخر بالثروات الطبيعية، وإمكانات استثمارية هائلة. ورغم أن العرب لم تغب يوما عن الصومال إلا أننا كنّا نحمل تصوراً جديدا لحل الأزمة الإنسانية المتكرر في بلادنا: "الإغاثة والمساعدات الإنسانية بعد كل موجة جفاف -رغم أهميتها- لا تعزز قدرة الشعب على الصمود أمام الكوارث الطبيعية، بل ستساهم في تعزيز الكسل والاتكالية. والشعب الصومالي في أمسّ الحاجة لمشاريع انمائية واستثمار عربي على القطاعات الاقتصادية الواعدة والخالية من التنافس. الاستثمار العربي للصومال ليس حلاً جذريا لها فحسب، بل سيكون حلاً للوطن العربي - برمته- الذي يواجه تحديات مستقبلية لعل أبرزها «انعدام الأمن الغذائي».

مستسلما لأفكاري ومتاهة الليل وصلت إلى المطار. كان مزاجي مكتئبا وأنا أضع رجلي على سلّم الطائرة بسبب تداعى ذكريات الطائرة المصرية التي تحطمت فوق البحر الأبيض المتوسط عام 2016م. أقلعت طائرة بوينج 737-800التابعة لــ «مصر للطيران» ولساني يلهج بــــ {يا خفي الألطاف نجنا مما نخاف} وحلّقت فوق «مدينة يجد فيها المرء أحلامه» بعتبير كارين بلكسين. في المقاعد الأمامية جاورت مع ممثل مصري صوّر مشاهدا من مسلسله القادم في المحافظة الساحلية الكينية. كان سعيداً بدوره كضابط شرطة يتحاشاه الجميع، ويعاني من رهاب الطائرة، وطيلة الساعات الأولى من الرحلة كنت أبدد مخاوفه بالحديث عن الأحداث العالمية، وعن كرّة القدم ومحمد صلاح، وعن الأفلام والكتب، ومفكرين مصريين صنعوا المجد الثقافي لبلده، ورغم أنه لم يكن متضلعا في الشأن الثقافي إلا أنه استأنس بالحديث معي، وحدثني بدوره عن الاعتبار الذي وجده في الفن ولم يجده في الحياة الحقيقية.

في وسط أجانب يتهامسون ومصريين يبدو على ملامحهم سعادة العودة إلى وطنهم كان صومالي في ميعة الصبا ويتحدث الإنجليزية مثل ريموند ردينغتون (جيمس سبيدر) في مسلسل «القائمة السوداء»، محاطاً بفتيات شقراوات يغنين ويضحكن باستمرار، بينما كنت وحيداً في ركن قصيّ من الطائرة أقرأ الثورة الساندينية ومذكرات الشاعرة النيكاراغوية جيوكوندا بيلي «بلدي تحت جلدي». ورغم الدور البطولي الذي كان يمثله (في نظره) إلا أنني شعرت بالشفقة تجاهه. كان ضحية من ضحايا الحرب الذي دمّر صومالية الصومالي، وشوه شخصيته واغتال قيمه وبنيته الاجتماعية، وهذا ما يريده الغرب الذي فتح أبوابه للصوماليين الهاربين من جحيم الصراعات العبثية؛ صناعة صومالي يتقن نحت أفكار الغرب، ولا يعرف من الإسلام إلا الشعارات. وهنا لا ألوم الشعب الذي عاش وما زال يمارس حياة لا جودة لها بين مطرقة زعماء الحرب وسندان التطرف الذين لم يتركوا لهم أي خيار آخر. في الغرب ليس هذا الشاب الذي يرتدي ويتزين بأقراط الأذن مجرد مهاجر يعاني من أزمة الهوية وعدم قبول المجتمع فحسب، بل هو أسود مسلم وصومالي أيضاً، ومن الممكن أن الهزيمة النفسية ورحلة البحث عن الذات أبعدته عن تقاليده ولم تشفع له أمام أصحاب «تفوق العرق الأبيض». ولولا المرأة الصومالية المسنّة والمحجبة، والملامح التي لا تختفي لما عرفت بسبب مظهره وجسمه المغطى بالوشوم والرسوم والبعيد عن الذائقة الصومالية.

بعد رحلة استمرّت 5 ساعات إلا قليلاً حلّقت الطائرة فوق النّيل المهيب الذي شكّل هوية مصر ونهضتها عبر التاريخ، وأفردت جناحيها فوق مدينة متوهجة على كتف «النهر الخالد» وأفكاري تتحدث إليّ. هل كلمتنا ستعكس على حدّة الجفاف الذي تركناه وراءنا؟ هل مخرجات المؤتمر سيساهم في إنقاذ شعبي من الانزلاق نحو المجاعة؟ كان رأسي ملئ بالاجتماعات المرتقبة والمآلات الممكنة عندما لامست عجلة الطائرة على مطار القاهرة الدولي. استقبلتني صالة الوصول بآية من الذكر الحكيم: {ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} وقابلتها بذراعي مفردة على اتساعهما. مزهواً بسلامة الوصول ومستغربا بشحوب المطار مقارنة بأقرانه من الدول العربية وحتى الأفريقية وقفت أمام شرطي الجوازات الذي الصق جوازي بشاشته الآلية، وبعد إمعان وقراءة متأنية للاسم والتعمق في تفاصيل الوجه طلب مني أن أنتظر وراء الحاجز الزجاجي ريثما يعود لأن اسمي مدرج على القائمة الحمراء! سألت باستغراب: "لماذا اسمي مدرج في القائمة الحمراء ولم أقترف جرما؟" فردّ عليّ: "مهلاً يا حسن! أما تعرف أن نصف المصريين يحملون اسم حسن، والسلطات القضائية تلاحق الكثير منهم، إضافة إلى أن بلدك يعاني من سطوة التطرف؟" وقفت في ركن قصي من المبنى أنتظر قرار الشرطي الذي لم يعاملني كإرهابي محتمل، بل كبريء حتى تثبت إدانتي، وهذا لو تعلمون عظيم في مثل هذه المواقف. أمرني شرطي آخر بأن أتبع صديقه الذي يحمل على يده اليمنى جوازي واليسرى جهاز اللاسلكي، فذهبت أقتفي أثره حتى وصلنا إلى كابينة فيها ضابط رفيع المستوى -وفي منتصف العقد الخامس من عمره تقريبا- قابلني بوجه سعيد وابتسامة تعكس طيبته. قلّب الضابط صفحات الجواز وسأل صديقه دون أن ينظر إلى ملامحي: "هل هو صومالي؟" فأجاب بنعم. فقال له: "أعط جوازه.. مجرّد تشابه في الأسماء ليس إلّا.. أهلا بك يا حسن.. نوّرت مصر". غادرتُ المبنى ولساني يردد: نوّر الله قلبك بالإيمان يا رئيس.

خرجت من المطار مثقلا بالبحث عن إجابة مقنعة للتوقيف المتكرر. في باحة المطار وفي وسط شتاء أرخي بظلاله على الشارع لمحت صديقي عبد الفتاح طاهر عِلمي يلوح بيديه من بعيد. ذهبتُ مع عبد الفتاح الذي شاركت في حفل زفافه في الأسبوع الأخير من شهر يناير 2023م إلى فندق انتركونتيننتال سميراميس ونحن نتحدث عن أشياء كثيرة.. عن الكتابة والمنافي التي تهدّ نضارة الجسد، وعن تفاهة مواقع التواصل الاجتماعي والوعي الزائف، ولم ننس عن حثالة متطرفة تسيطر على مفاصل الوطن، وشعب يتشبث على الحياة ويبحث عن معناها. وفي خضمّ حديثنا أشدنا بالحملة العسكرية ضد حركة الشباب واتفقنا على أن وحشيتها ورفضها لكافة الحلول أعطى الشعب حافزاً للمقاومة وزرع في نفسه روح التحدّي والتمرد، وأنها (إي الحركة) فقدت جزءا كبيرا من هيبتها وقوتها، ليست لأنها انهارت عسكريا أو أفلست اقتصاديا، بل لأن الشعب تحرر من الكبت، ولم يعد يخاف من بطش حركة تجيد ثقافة الخوف، ونهب الأراضي وفرض الاتاوات. لقد بدأت حناجر لا تصمت تهتف ضد التوحش، وتدعوا إلى الحرية والسلام.

الأربعاء، 3 أغسطس 2022

الحرب .. والبحث عن الذات (٢)



في منتصف سبتمبر وفي أجواء يسودها الترقب واللايقين عاشها الصوماليون بعد سيطرة المحاكم الإسلامية على العاصمة سافرت برّاً نحو الشرق البعيد. كانت الطرق التي يعتبر «أساس الحضارة» منهارة ومليئة بحفر ومطبات ومليشيات مسلّحة وقطاع الطرق. في هدوء الصباح توغلنا في قرى محاذية لنهر شبيللي حتى وصلنا في قرّ الظهيرة إلى مدينة بولو بوردي الوادعة على ضفاف نهر يعتبر الشريان الرئيس للصوماليين زراعياً.


على مشارف غراتسياني وفي أحضان جبال هيران كانت شمس أيلول تحرق الأرض وتجعل السيارة اليابانية قطعة من حديد ساخن. ورغم الخوف ووعورة الطريق إلا أن الأيام الثلاثة التي قضيتها في السفر بين مقديشو وبوصاصو تنعمت بلحظات هانئة وأصابني فرح طفولي وأنا أجوب وهاد الأغاني وآفاق الشعر مع شاب يقرأ الأدب الصومالي بحماسة مفرطة ويهيم في أودية القصائد الكلاسيكية والسلاسل الشعرية الهجائية مثل غُوبا وهَامِي ورَيَّدْ وديلّي (القصيدة الدالية) وغيرهم من عيون الشعر الصومالي.

وصلنا إلى مدينة غالكعيو التي كانت مقسّمة – على أساس القبيلة - إلى شمال وجنوب - كان الجنوب عالقاً على هامش المدينة في حين كان الشمال نابضا بالحياة والعمران وإن كانت بقايا الحروب وندبات الصراعات بادية على ملامحه! استغربت، كيف يمكن لمدينة واحدة أن تكون مختلفة إلى هذا الحدّ؟ كنت أتضور جوعاً فذهبت مع الشاعر العبقري إلى مطعم لا يبعد كثيراً عن سوق الخضار والفواكه. بخلاف التوقعات كان المطعم الذي أكلنا فيه أرزا سيئا بالمقاييس الصومالية مليئا بالزبائن ويعج بأطعمة محلية مختلفة، وفي زاوية بعيدة منه كان الجميع يصغي باهتمام حكاية مسنّ كان يحمل وجها فيما مضى وقبل أن تعبث عليه عاديات الزمن جميلاً ويتحدث عن وصول طلائع قوات المحاكم الإسلامية إلى كسمايو. كان يقول بصوت مرتفع: " لقد سيطر جناح رأس كامبوني على مدينة كسمايو وهرب زعيم الحرب برّي هيرالي إلى الأدغال ومن ثمّ إلى إقليم غدو ومنها إلى أوغادين المحتلّة". لم يتأخر الخبر كثيراً بل سرعان ما انتشر في وسائل الإعلام المحليّة والعالمية، وبعد دقائق قرأته في الشريط الإخباري (السبتايتل) لقناة الجزيرة التي كانت مصدرا مهما من مصادر الخبر في عموم الصومال قبل أن تظهر القنوات المحلية والمواقع الإلكترونية، والشبكات الاجتماعية. كنت سعيداً بسيطرة المحاكم على إقليم جوبا السفلى وانتهاء ليالي زعماء الحرب وحزينا بالرحلة الطويلة التي كانت تنتظرني.

أخيرا وبعد رحلة طويلة قطعت خلالها مئات الأميال وصلت إلى بوصاصو في يوم قائظ أجبرني الحرّ على احتماء كش صغير لا يقي لهيب الشمس. كان الجوّ يفيض ظمأ وجسدي يحتاج إلى تبريد.. ترى هل سأصمد أم سأسقط مغشيا عليّ من شدة الحرّ؟ ومن العجائب أنني كنت في العشرين من عمري وقارئاً جيداً ملمّا بالجغرافيا ورغم ذلك لم أكن أعرف مناخ وطني وطقس مدنه المطلّة على بحر العرب وخليج عدن والبحر الأحمر! فور وصولي بدأت بجمع الأخبار والاستعداد إلى اليمن، وقبل شروع الرحلة، اتصلت بأمي للوداع ولكنها رفضت فكرة الذهاب إلى اليمن ولابد أن موجات الهاربين من الصومال إلى الجزيرة العربية والسفن الغارقة في عرض البحار وقصص الذين ابتلعتهم المحيطات ترك في نفسها كثيراً من المخاوف. 

لم أكن أملك حق الرفض ولا إبداء رأي مغاير لأم عصامية تعبت من أجل تربية ستة أيتام لا يملكون المال ولا الجاه فتنازلت عن حلمي مؤقتاً ولم أجد بدّاً من أن أعيش في بندر قاسم وأن أبحث عن فرصة عمل. لم تطل فترة الانتظار بل وجدت وظيفة أجني منها دخلا شهريا مغريا بمقاييس ذاك الزمن وفي بلد مثل الصومال إضافة إلى عمري والظروف المحيطة بي، وأصبحت معلماً لأطفال مشاغبين وثرثارين مقارنة بأطفال الجنوب ومراهقين جريئين.

في بندر قاسم كنت سعيدا في اكتشاف الحياة والاستقلال المادي، وعشت فيها أياماً لا أنساها أبداً ذلك أنها كانت المدينة الأولى التي أتاحت لي أن أعيل نفسي دون أن أعتمد على أحد. ورغم ذلك كنت بعيداً عن ذكرياتي ومللت من روتينية الحياة وعانقت ألواناً من الوحدة وأصبحت المدينة صعبة الاحتمال على مرّ الأيام وعدت إلى كسمايو بعد أن فاض بي الحنين. لقد خرجت من بندر قاسم بروح صلبة وشخصية مختلفة واختفت - وربما إلى الأبد - الجدّية في التعليم ونظر الحياة بمنظور واحد؛ منظور التميز العلمي والتفوق الأكاديمي والاستمتاع باحتلال اسمي في صدارة الجدول، إلى حياة أرحب ونظرة أشمل، ثم ذهبت إلى السودان وإلى جامعة افريقيا العالمية وخضتُ غمار المنافي وأمواج المعرفة. وتلك قصة أخرى.

الجمعة، 30 أغسطس 2019

خواطر على جناح طائرة

أمام مضيفة طمس المكياج على ملامحها الأوروبية وعلى جناح طائرة تهتز وتعلو وتهبط كلما اعترتها مطبّة هوائية انتابتني هواجس أشغلتني عن تصحيح كتابي القادم " الصومال.. حكايات الحروب والتاريخ" وتصويب أخطاء الكتب وتعديلها في الرحلات الطويلة عادة اكتسبتها مؤخراً. في عمق الفضاء سألت نفسي لماذا أسافر؟ ولماذا أكتب؟ وما العلاقة بين الكتابة والترحال؟ كانت أسئلة بالغة الإيقاع وأدخلتني بحرا من التساؤلات المتشظية!

أذوب عشقا وأشعر برد الراحة كلما أحجز تذكرة لوجهة جديدة، نحو قرى صارخة الألوان، أو بلدة تاريخية واهية المباني تغفوا باكية على كتف النسيان. إنني أشبه الطيور أفرد جناحي وأغوص في أعماق المكان أتذوق تفاصيله ونكهته المتفردة، ولا أقبل القفص وملازمة العش، فالطيور تموت بدون الحرية، والمياه تكدر بدون حركة، وكذلك الفكرة تتوقف وتتجمد ثم تتعفن وتكون نتنة كالبالوعات إذا لم يحركها الترحال ولم تشذبها التجارب. في السفر أحمل أفكاري وانطباعاتي عن الزمان والمكان وأحولها إلى نص يعبر عن شخصيتي التواقة إلى اكتشاف العالم بعيون قارئ وحس كاتب. ورغم أن "الكتابة الحقيقية عملية مستحيلة" إلا أنني أمارسها لأنسى الهموم وضغوط الحياة وأشباح الحروب التي تكبلنا وتزدرينا ثم تبعدنا عن تحقيق طموحاتنا وما أبسطها في كنف القتل والإرهاب؛ رغيف خبز جاف، وكوب ماء، ونوم عميق لا تقطعه أزيز المدافع ودوي الانفجارات.

الترحال يعطيني هامشا من الحرية ومساحة للتفكير، إنه يخرجني من الفضاء الضيق إلى رحاب المعمورة، ومن القوالب الجاهزة للمدن الرمادية إلى حياة متعددة الألوان مختلفة الأذواق، وكلما أبتعد عن دياري يتسع العالم من حولي وتزداد المسافة وأتوغل في دروبه المختلطة بالثروات والثورات والدماء. أسافر لأداوي جروح الحروب بالكتابة، في بلد يغلب عليه الطابع الشفهي ونقل الأخبار والأحداث بالحكايات والقصص والأشعار، وظل الأدب محمولاً على كاهل الأدباء والمثقفين والشعراء الذين لم تتح لهم كتابة إبداعاتهم. "والأدب المحمول" هو الذي لم يرو ولم يكتب، بل بقي قابعا في أدمغة الأدباء وأفئدتهم حتى رافقهم إلى الأجداث قبل أن يرى النور. وبعد رحيل معظم عمالقة الفن الأدب دون أن يدونوا ما كان يجيش في صدورهم حمل الكاتب الصومالي عبأ ثقيلا وتحديا صعبا يتمثل في إخراج هذا الأدب من براثن النسيان، وهذه مسؤولية تتطلب على قدر كبير من الخبرة والكتابة الجيدة والإلمام لخبايا الثقافة ودقة تقودنا نحو كتابة التاريخ بعيون صومالية، وكلها عوامل تلقي علي وعلى أمثالي من الكتاب ظلالاً من التأمل في ملامح حاضرنا ولمسات ماضينا وخيوط مستقبلنا.

في جميع رحلاتي كانت آهات بلدي المجزأ تصرخ في وجداني وتبحرني في موجات حزن لا ضفاف لها. وطن من إبل وأدب وشرفات مطلة على البحار والمحيطات والحضارات، ومساجد صامدة رغم غزو البرتغال وصدمة الطليان وسطوة الإنجليز وجور الجوار الأفريقي، وشعب حباه الله خصالا حميدة ويتمتع بعقلية جبارة ورغم ذلك يعاني من الحروب الأهلية والتشريد. كانت أسئلة بعينها تلاحقني في الممرات المفضية إلى الغيتوهات، وفي ردهات الفنادق، وبهو الصالات، وعلى ضفاف الأنهار والمدن المكتظة بعتمة الغياب وأطفال ذابهم الحنين، وكنت أحمل  همّ الأطراف (جيبوتي وأنفدي) الذين أخشاهما من الذوبان الثقافي، كما كنت صوتا للصومال الغربي (أوغادين) التي لم تجد اهتماما إفريقيا وعالميا وتأييدا من المنظمات الحقوقية والإنسانية لكون إثيوبيا تعتبر رأس الهرم في الاتحاد الأفريقي سياسيا، ولأن الافارقة لايتصورون دولة محورية أفريقية تحتل إقليميا أفريقيا يطالب استقلاله كانوا يهمشون الصوت القادم من أعماق المحرقة، بل كانوا يرون الحركات التحررية في الإقليم جبهات انفصالية يجب معاقبتها ومحاصرتها. كنت أتتبع خيوط الحكايات، وعيون الأدب والشعر، وقصص بطولية تنتظر من يكتب ويروي، وأحاديث مدن مازالت تمد يديها للكتاب والباحثين من أجل الغوص في جذورها التاريخية. شحوب القلاع الأثرية تبكيني، وشوارع المدن المنكوبة تطبع على مخيلتي قصص حزينة، أين سكانها؟ لماذا ذابت ملامحها وشاخت ابتسامتها؟ هجر السكان ولم يبق فيها سوى بيوت خاوية وطرق لا يسلكها أحد. تبدو البلاد عند هجرة أبنائها كما لو كانت خالية من الحياة منذ الأزل، سكون رهيب يطبق على الأحياء، وفي ظل المليشيات الإرهابية والحكومات الفاشلة باتت الحياة حلما صعب المنال.

أتهرب من غربة تقتلني في عقر داري، وبريق عيون المسافرين وملابسهم الممزوجة بالعرق والسهر تعطيني اكسير الحياة. تؤنسني رومانسيات الأدب، ويسحرني الفضاء بعظمته، والصحراء بصفائه ومتاهاته، وصوت العندليب يدغدغ مشاعري، وأمواج البحار تمنحني شذرات من الجمال، وانسيابية الطبيعة تنسيني بؤس الصراع وقتامة الحروب، أضيع هائما في أحراش القارات. إنني أبحث عظمة الخالق في آياته الكونية، في أفول القمر وبزوغ الشمس وشفق المغيب، وتناثر النجوم في كبد السماء.

أسعى سائحا ومتأملا تداهمني النوم في الطرقات الوعرة، وينتابني الخوف على مشارف المداخل الحدودية، وربما أتضور جوعا وأنا لا أعرف لغة القوم ولا أستسيغ طعامهم، وكثيرا ما أخذ قائمة الطعام أتفحصها على مهل وأختار طبقا لا أعرف مكوناته! وعند إحضاره تباغتني ريحته النتنة، أو طعمه المقرف، وربما يكون كراعاً أو أمعاء أو بطنا محشواً بالفلافل والبهارات وهذا مما لا يأكله صومالي بدوي وإن طبخت بألف نوع ونوع. كثيرا ما تجمعني قاعات المطارات مع مسافرين توحدنا الوجهة ويقسمنا الهدف والانتماء وربما العقيدة وكذلك اللون، ورغم ذلك الطيبة الوادعة في قلوبهم لا تنضب أبداً، وجمالية البشر لا تختفي وإن تمادينا في أتون المدنية الرأسمالية التي حولت الأشخاص إلى أرقام ومجرد سلع في الأسواق، واغتالت القيم النبيلة وكرامة الإنسان. ابتسامة مختنقة لعابرة تهرول نحو طائرة مغادرة، أو غمزة دافئة لسمراء في الكرسي المقابل، أو لمحة صبي غارق بالبراءة وربما البكاء، أو لقاء مع مثقف تمنحني جرعات من الحيوية والنشاط.

في رحلتي الأخيرة كان بجانبي أمريكي أشقر باهت الوجنة دافئ العينين مدور الرأس يبتسم بسعة موغلة في الثقافة الأمريكية المرحة، جاء من ولاية غارقة بالبرودة أطلق عليها الأمريكيون " نجم الشمال" وأطلق عليها الصوماليون "ثلاجة العالم" بعدما أصبحت وطنا بديلا لهم. درس الهندسة المدنية دون أن يكابد عناء البناء ومشقة المقاسات ورسم الشرفات على الأوراق، بل دلف إلى ممارسة هوايته المفضلة وهي الموسيقى بأنواعها، حتى أصبح بارعاً في المقامات الموسيقية، وذاع صيته كملحن ومغني يدير مدارس منتشرة على ربوع العالم تدرس الموسيقى للبراعم.

لمسات الفن كانت واضحة على كلامه وأفكاره. تحدثنا عن الفن والموسيقى التي أحبها ولا أتقنها وسألني ومرارة السؤال تقطر على كلماته لماذا العالم ملئ بالصراعات والدماء ولغة القوة؟ ولماذا لا يتذوقون الموسيقى التي تستطيع أن توحدهم وتضمد جراحهم؟ وبعد حديث دام ساعة أخبرته أن زوجتي تعيش في ولاية مينيسوتا الأمريكية. فغر فاهه بدهشة! وقال وقد اتسعت عيونه وكادت أن تخرج من محاجرها إذن لماذا لا تزور أمريكا؟ ستعجبك أقوى وأغنى دولة في العالم. قلت وذكر الشريكة أثارت شجوني لعنة الأوراق يا ريتشارد! فالأوراق التي تسمونها "جواز السفر" ونسميها نحن أوراق العبودية في القرن الحادي والعشرين أغلقت المنافذ وحشرتنا في أضيق الزوايا!  ولكن يا ريتشارد لماذا تكبلنا الأوراق وتحدد حرياتنا؟ لماذا تعطي مجموعة من الأوراق شخصا حرية مطلقة يتجاوز الحدود وتقف له الجنود وتستقبله المطارات بالابتسامة والترحاب؟ بينما البعض يعاني من الحرمان والمضايقات والتمييز العنصري؟ ألسنا بشراً متساوون في الخلقة والكرامة؟ قطعتْ المضيفة كلامي حول الجنسية والأوطان بابتسامة باهتة، وبعد برهة أغمض عينيه بامتنان وأخلد إلى الكرى غير آبه بثرثرتي!

الثلاثاء، 28 مايو 2019

أركيولوجيا الموت !

على امتداد طريق قديم ومليء بالقاذروات والأشواك كانت مشاعر محمود ممزقة، وأهدافه ضائعة، ومبادؤه مهتزة مثل معظم شريحة الشباب الهائمة في متاهات مجتمع يعيش تحت وطأة حياة متناقضة وثقافة أبت أن تواجه تساؤلات المراهقين بثبات ومنطقية.

كان رقيق المشاعر، رومانسي التفكير تجرحه الابتسامة العذبة في الأمسيات المترعة بمثاليات الشباب والأنا المضخمة التي تستبدّ به قبل أن يدمن المخدرات التي باتت ملجأ لمشردين عاندتهم الحياة على ضفاف مفاهيم تمثل تابو غير محكي في مجتمعاتنا الشرقية. والمخدرات مثل الإرهاب والتطرف تنتجها البيئة المغرقة بالبطالة والعنف والفقر والفوارق الطبقية، وتطاردها البيئات المحصنة من الأمراض المجتمعية.

البيوت القريبة للملعب الكبير كانت مقراً للحشيش وأصحاب الهلوسات والأمزجة الفانتازية. في المساء وقبل انطلاق مباريات كرة القدم كانت الطرقات تتحول إلى ساحات مفتوحة للسكر وشجار العصابات، وتتحول الأزقات الجانبية إلى ميادين للعراك ومشهد مقزز من معارض تقدم للمراهقين لفافات الحشيش، وأقراص من المخدرات الثقيلة، وكوكايين رديئ، وأنواعاً من الكحوليات القادمة من الحدود الجنوبية عبر الطرق البرية أو المحيط الهندي، وجرعات من خمر محلي.

في ليلة خانقة بالبرد وتحت كوابيس الحقن كان يجر خيالاً مغرقاً بأماني التحرر من المخدرات وهو على سطح بيت مطل على أطلال قاعدة عسكرية عتيقة في مدينة تتوسد ثروات خامة وموقع حيوي وتصحو على وقع الفاقة والتشريد. 

المدينة لاتقدم سوى الحروب وحياة مغمسة بالفقر والسطو المسلح، ولا يجد المرأة فيها سوى أكواخ عائمة فوق بحار من الدموع الصامتة، وقناعة تشكل نواة صامدة ومذهلة لفقراء يحلمون بغد أفضل بعيدا عن الألم وجرح الذات.

كان أصغر من أن يقيّم الوضع، ويحطم قيود الواقع، ويفهم المنطق المعكوس للصراعات دون أن يرتكب حماقات قاتلة. عن كثب كان يراقب أطلال دولة هدمها معول القبلية وصواريخ المليشيات الثائرة على الاستبداد العسكري رغم ما تحملها من الأجندات الخارجية، والمفاهيم السطحية، والخطاب ذات الطابع الإقصائي والجهوي في وطن ظل قابعا تحت بطون متشاكسة وقبائل متصارعة وريفيون تقودهم الأناركية البدايئة إلى محاربة الأنظمة وتعليق الدساتير وتقويض الدول والتنقل عبر الحدود بكبرياء البدويين وجسارة حملها الصوماليون في جيناتهم بامتداد الأجيال والأزمان.

النياشين العسكرية تومض وراء بقايا مباني جرفها الزمن بعيداً نحو النسيان، والجبال الرسوبية المحاذية للثكنة العسكرية تواجه المغيب بثبات مشرقي مهيب وتضفي على المشهد رونقا استوائياً متفردا قبل أن تتوغل في عمق مياه تتكسر على أهداب المحيط، وتلامس مقابر الهنود، وأطلال العرب، ولوحات رسمها الحرب بإتقان موغل في مأساة شكّلت الذوات والإنسان وغيّرت المفاهيم والطباع، وأصابت الأوتار الحساسة للمجتمع حتى جعلت الحياة سلسلة من الخيبات والمخاوف والهجرات المتعاقبة نحو الدول المجاورة والمنافي الباردة.

من الصعب أن نعبر عن مأساة الحروب ودمويتها الموحشة في الأوطان والأشخاص والقيم الحميدة للمجتمعات المنكوبة، إنها تحمل ثيمات قاتمة تغيّر الأفكار وتشوّه الطفولة البريئة وتغذي الفقر وتنهك الاقتصاد، وفي ظل جحيمها يستخدم الزعماء أموال الشعب، وممتلكات الدولة، لشراء الأسلحة، والذمم، والتحالفات، وتدمير المدن، والتاريخ، واغتيال كل الفروق والاختلافات التي كانت تثري حياتنا وتمنحنا ألواناً من الاتساق والانسجام، وبعد سنوات من عبث الصراعات الصفرية يهدرون الأموال بعقد مؤتمرات عقيمة، ومصالحات وهمية هدفها إطالة أمد الحروب، ودغدغة مشاعر المجتمع، والاستثمار بخيباته.

المصالحة والمؤتمرات الخارجية والداخلية لا تستطيع ــ رغم كثرتها ــ أن تصل بنا إلى بر الأمان، بل في ظلها تتكاثر المليشيات، وتتفرع الصراعات، وتتوالد المأساة هندسيا، ويتأزم الوضع، ومن رحم مأساة مهلكة تنشأ أخرى أكثر فظاعة وأعمق إيلاما من سابقتها لأن المفاهيم الأساسية التي نستمد منها مفهومي "الحرب والسلم" قد غيب تماما وأبعد عن المسرح السياسي والاجتماعي فتبحرنا في عالم من الدموع وآهات ممتدة بلا نهاية.

من الغريب أن يصر البعض على استنساخ التجارب وتوريد الحلول الجاهزة، والتمادي في البلاهة بحيث يهمشون نقاط قوتهم ويروجون لمصالحة غامضة وبمفاهيم طوباوية لاتبحث الحلول، ولاتحقق المطلوب، ولاتردم الهوة بين الفرقاء، ولاتمت للمفاهيم المحلية ولا الأعراف القبلية بأي صلة. فبينما نستمد تعاليم الدين والتقاليد القبلية مفهوم السلم والحرب والمصالحة، يستمد رعاة المؤتمرات العبثية أفكارهم من الفكر الغربي الذي يموّل مسار السلام في الدول الفاشلة، وعلى ضوئه استوردوا مصالحة بمقاييس غربية تكرس الانقسام الداخلي ولا نعرف عنها شيئا مما ساهم في إطالة أمد الصراع وتقديم الوطن بتاريخه وإرثه الحضاري والثقافي على الآخر بشكل قاتم يصعب مسحه عن الذاكرة الجمعية لسكان المعمورة الذين لايعرفون عنا سوى الجوع والقرصنة.

وأخشى أن تترسخ هذه المفاهيم في المخيلة العالمية حتى وإن وجدت الإرادة الحقيقية والكوادر الوطنية الموهوبة التي تحاول حسب قدرتها تغيير القالب النمطي الذي يروجه الإعلام الغربي والعربي عن وطن لم يجد من ينصفه أو ينبري لدحض تلك الصورة المشوه بعد أن انخرط كثير من شعرائه وكتابه ومفكريه وأدبائه الكبار "المسرح العبثي" ووحل الإنقسامات الحادة في المفاهيم والجغرافيا، ومجّدوا الحروب الأهلية ودول الكانتونات بأقلامهم وأشعارهم وآدابهم وإنتاجهم الثقافي.

في عمق المباني الأثرية كان يبحث كعادته شيئا يدفئ معدته الخاوية قبل أن يمتلكه الحنين وتجتاحه "النوستالجيا". قلاع الدراويش ومسرح جهادهم البطولي، وآثار ممالك الطراز الإسلامي الذين نشروا الإسلام حتى في الأعماق العبيدة للقارة السمراء، ومقار المستعمر الأورروبي وبعثاته الاستكشافية، ورحلات المستشرقين عبر القرون، ومسجد القبلتين في زيلع المنسية، ومنابر هرر الخاوية، ومدن الحضارمة، وممالك العمانيين في المشرق الأفريقي منتشرة على طول الساحل وأعماق مناجم حضارته الخامة التي لم تجد حظها من الأبحاث والدراسات.

ذهب محمود بعيداً وتجاوز المناظر المحيطة به إلى سحيق التاريخ قبل أن تقطع النشرة المسايئة ل"هيئة الإذاعة البريطانية" تفكيره. كان يخطط وهو يصغى السمع إلى الراديو الذي يتحدث عن مآسي العبودية الجديدة في ليبيا كيف يهرب عن وطن غارق بالدموية والفوضى الإدارية حتى أصبح مسرحاً مفتوحا للقوى العالمية؟ لقد سئم مراقبة شروق الشمس وغروبها، والأيام الخالية من الإنتاج والإنجاز والإثارة، وكان يمني النفس الهجرة إلى أوروبا دون أن ينسى طول المسار، ووحشية تجار البشر، ومتاهة الرمال المتشابهة.

عبر فلم وثائقي لقناة عربية مرموقة كان الموت يطل أنيابه من كل مكان، والمسافرون يتساقطون عبر طرق سحقتْ أحلامهم، ولاحت أجسادهم فوق حرارة الصحراء هشيما تذروه الرياح. الشجيرات المتناثرة على المنطقة شاهدة على بؤس المكان المفروش بالهياكل، والجماجم، واغتيال الآمال. هزّته جثّة إمرأة لم تتحلل، الملامح الصومالية كانت واضحة على جبينها الذي بدأته البكتيريا في تفتيت ما تبقى من سمرته، ربما كانت إثيوبية أو إرترية أو سودانية أو حتى تشادية من يدري، ولكن آلمه المشهد وترك في وجدانه جرحاً لايندمل.

وسط مزيج من الأعراق المختلفة كان "الصحراء الكبرى" صامتا بعظمته، وكانت الرياح تلعب بقايا عظام الكادحين، وتبدد آثار الحكايات، والذكريات، والملامح، وربما الآهات التي تركها الراحلون قبل أن تنهشهم أنياب المنية، ويذيبهم هجير الشمس أثناء عبورهم صحراء إفريقيا نحو أوروبا وتحقيق الأحلام الوردية الراسخة في مخيلتهم.

في غمضة عين تشكّل الرمال تلالاً متفردة، وجبالاً ذهبية مترامية الأطراف، وهضاباً راسخة على خارطة الصحراء، وفي غضون دقائق تتلاشي التلال، وتختفي المعالم، وتذوب الجبال وتتوارى عن الأنظار، وتبدأ تضاريس الصحراء تتشكل من جديد، إنه شبح في عمق الطبيعة الجافة وأركيولوجيا قاتمة لبسطاء طردهم استبداد تحكم على مصيرهم وماتوا وهم ينشدون حياة كريمة تليق بهم.

الجمعة، 21 سبتمبر 2018

الصومال.. حكايات الحروب والتاريخ 2

السماء تعزف لحن المطر، وتضوعَ الأريجُ عن أحراش خط الإستواء والقرى الناعسة على أحضان المحيط، وتنتشر الإبتسامة الموغلة في التجلد وازدراء الآلام على ربوع الوطن في ظل الحركات الإجرامية والأوضاع المأساوية، وفي عمق الجمال الشاعري تبدوا أحراش الغابات وجوز الهند والحقول الزراعية على خارطة جنوب الجنوب لوحة طبيعية باذخة المعالم.

هنا وجوه صومالية خالية من الكآبة، وشيوخ يتمتعون بروح الدعابة والضحكة الصافية، السعال في الهزيع الأخير من الليل وبريق عيونهم تخبرك حكايات الحروب والتاريخ، المساجد منتشرة في كل ركن وزاية من  تلك القرى المرصعة بجو صومالي بديع حيث ثرثرة النسوان ومرح الأصدقاء على ضفاف الأدب والأمثال تنساب في أزقة التاريخ وشواطيء المعاناة اليومية للبسطاء، الكل يراعي النجوم ويستظل القمر ودولة القوافي، وينام على وقع أنين المظلومين ويصحوا على أصوات الرصاص.

نهر شبيللي وما ورائه من المدن والقرى تعتبر مروج ممتدة نحو الأفق ونهر عابر للأوطان تختلط فيه الأعراق والسياسة والمصالح والتضاريس، وبصمات الدمار بادية على جبين الأنهار والبحار والمدن الغارقة بالشحوب وعلى أرصفة البيوت التي هاجر سكانها بعد أن طردهم الوطن وأستقبلتهم المنافي، قصص الرحيل في المدن والأحياء مؤلمة ومأساوية، وفي عمق الدمار تأتي الأجيال المكافحة من أجل الحرية والمعرفة وانتهاء الصراعات وفواجع الحروب عبر العلم والقراءة والبحث عن الذات وتتبع خيوط الحقيقة رغم ندرتها في وطن تتقاذفه أمواج الصراعات والإنتماءات.

ما أجمل السفر في ربوع وطنك يرافقك كتاب يذكرك بالماضي الجميل، كنت أقرأ وأنا أسير على دروب يطول فيها العبور كتاب (سالي فو حمر وحكايات أخرى من أفريقيا) للدبلوماسي السوداني جمال محمد أحمد، الكتاب يثير كوامن النوستالجيا في أعماق نفوسنا الحزينة، حيث يتناول بطريقة أدبية ماتعة الصومال وحكاياتها وسمرة أهلها وعراقة تاريخها. الفترة التي لحقت الاستقلال كان الوطن مرتعا للكتّاب والأدباء والسياسيين والآن دمر الحرب كل شيء، لقد اختفت معالم الدولة ومظاهر الثقافة ومعهما الكتاب والإبداع. ولكن مع الاستقرار النسبي للأوضاع تحسن وضع الثقافة في الصومال عبر الأندية والملتقيات الأدبية ومعارض الكتب في معظم المدن، وبدأت بوادر المعرفة تلوح في وسط الركام مما ساهم في نشر الوعي بين الشباب الصومالي.

 كنت أحثّ الخطى نحو قاعة في قلب مدينة كسمايو الساحلية يحدوني الشوق إلى ندوة مصغرة لمثقفين يحملون هم الوطن، كانت "الهويات القاتلة" عنوان جلستنا التي تفرعت وتوغلت في جميع الميادين حتى لامست الماضي والحاضر وأضاءت المستقبل، وكان أصل الصومال كعادته لغزا حير الجميع، ومن الغريب أن الصوماليين لم يحسموا أصلهم لحد الآن ومقسمون بين عربي لا يتقن لغة العرب وأفريقي لا يحمل جميع ملامح الأفارقة يرافقهم الحيف في المنظمات حيث يعتبر الصومالي مواطن من الدرجة الثانية عربيا وأفريقيا، وتعتبر موضوع الأرومة من أشرس المواضيع في الساحة الصومالية.

لم يكن بحث الجذور الموضوع الوحيد في تلك الندوة، بل كان مبدأ "الصومال الكبير" الذي هاجمه البعض من الداخل حاضرا في أروقتها، فبعد عقود من التمسك بالنظريات الجامعة يبدوا أن التشظي نال هذه القومية المتجانسة التي كانت موزعة في عدة دول أفريقية يجمعهم حلم "الصومال الكبير" الذي كان يجري في عروقهم قبل تجزأة المجزأ إلى كانتونات قبلية ودويلات متصارعة على أنقاض وطن.

الأشواق الصومالية ومطالبتهم بالوحدة إبان التحرر الأفريقي إصطدمت بسياسة الاستعمار ومصالح الإمبريالية العالمية فقطع أوصال بلادهم وقام بتصفية عقولهم، وحارب ضد الحركات التحررية وفي مقدمتهم حركة الدراويش، ونصر الله، ووحدة الشباب الصومالي، والصومال الغربي، وثورة شيخ حسن برسني، ومقاومة قبيلة بيومال في الجنوب وغيرهم، وقاموا باغتيال أيقونة الوحدة أمثال المناضل محمود حربي الذي أسقطت طائرته في عرض البحر، حَربي رفَع شعار عودة جيبوتي إلى حضن الأم، وكان صوتا للحلم الصومالي القابع وراء الحدود التي صنعها الاستعمار.

بعد هذه النكسات لم يستسلم الصوماليون بل قاومو على المحتل فشنوا الحملات وجردوا الجيوش وهم يحملون لواء الإسلام وأحلام مشروعة تقودهم نحو إعادة مجدهم ومدنهم. ومنذ أن اعتنق الصوماليون الإسلام ظل يشكل النبض الأكبر لحروبهم فتوغلوا جنوبا وغربا عبر رحلة برية تستحق عناء البحث والكتابة بعد أن تدثرت بغبار النسيان وأصبحت حكايات ملئية بالشجن والملاحم يرويها الأجداد للأحفاد.

كان الصوماليون يتمددون على المشرق الأفريقي من أجل نشر الإسلام، أو الهرب عن صراع القبائل والأفخاذ الصومالية، أو البحث عن الثراء ومناطق لم يصلها الرعاة الرحل، وقد أفل نجم الممالك والدول التي حكمت أجزاء واسعة من شرق أفريقيا بعد مجيء الاستعمار دون أن يتركوا كتبا تؤرخ لمسيرتهم، لذا ربما لاندرك جل الطرق التي سلكوها والأحداث التي رافق زحفهم، ولكن نستطيع أن ندرك عبر الشعر الذي ظل المتحف الخازن لسجلات الماضي أن الشعوب الساكنة في تلك المناطق لم تستقبل الصوماليين بالورود والزغاريد بل بالحرب والدماء، ولكن بفعل الشجاعة والتفوق التدريبي والرشاقة إضافة إلى التجلد والرغبة الحقيقية لنشر الإسلام على ربوع الوثنيين كانوا ينتصرون في معظم المعارك ويواصلون زحفهم حتى وصلوا إلى تخوم نيروبي جنوباً وأواسط البحر الأحمر شمالاً، فيما تممددوا غربا على أديس أبابا وما ورائها من البحيرات، وكان الصوماليون من الأوائل الذين وصلوا إلى عمق الأمهرا في بداية القرن السادس عشر وتحديدا عهد الجهاد المسلح ضد أباطرة الحبشة التي قادها الغازي أحمد جري ورفاقه الأشاوس.

لقد تعمق الصوماليون في الأدغال الأفريقية وعبروا نهر تانا إلى الجنوب وهم يحملون عقيدتهم وأفكارهم وإبلهم ونمط حياتهم، ورغم التنوع الثقافي والعقدي بين الصوماليين وسكان تلك الأراضي فإن الروايات الشحيحة والميثولوجيا الصومالية تدلنا كيف كان التداخل بين المجموعتين بعد أن وضعت الحرب أوزاره، حيث روى لنا المسنون أن المحاربين بعد أن وصلوا تلك الأراضي واستوطنوا فيها آلت إليهم الأموال والممتلكات وتزوجوا من القبائل الأصلية، وبذلك أصبحت تلك البلاد موطنهم البديل إلى أن جاء الإحتلال الغربي والدول القطرية فانحسروا نحو المحيط بعد أن خسروا آلاف الأميال بسبب قلة عددهم وشساعة أرضهم واختلاف البيئات الماطرة عن تلك التي عاشوها في مرابعهم في القرن الأفريقي، إضافة إلى السياسة الكولونيالية التي نصت على تحجيم دور الصوماليين وتلجيم مطامعهم.

كانت القبائل الوثنية التي تسكن على المستنقعات الجنوبية وما بين نهر جوبا وتانا في الإقليم الصومالي في كينيا شديدي البأس واتسموا بالشجاعة والعدد والتكتيك القتالي، وكان لهم ثقافة مازالت بعض آثارها بادية للعيان، ورغم ذلك مازال أنماط حياتهم وطقوساتهم المعيشية والدينية شحيحة جدا إلا ماكتبه المحتل البريطاني وهي رغم قلتها لاتنصف في كثير من الأحيان، وقد امتدت مسيرة الصوماليين نحو البحيرات العظمى وخاصة تشاد التي يعش فيها اليوم قبائل صومالية كما يعتقدها طيف واسع من الصوماليين رغم أنها إندمجت تماما في المكون الثقافي والعرقي لجمهورية تشاد والبلاد المجاورة.

الاثنين، 16 أبريل 2018

الصومال .. حكايات الحروب والتاريخ (1)



الصومال وطن تلفه التاريخ وتحيطه المحيط والحروب، الأنهار تداعب جبينه، والمناطق الأثرية تستقبل زواره مع لمسات إستوائية مميزة. روائح الثقافة عابقة في أزقات مساجده الشاهدة على الحضارة الإسلامية العريقة، والمدن القديمة تشكل صندوقا مليئا بالأسرار وماضي أمة كانت همزة وصل بين أفريقيا والبلاد العربية وما ورائها من البلدان والشعوب.

وصل العرب إلى الصومال عبر موجات متتالية من البشر منذ انهيار سد مأرب، وبعد بزوغ فجر الإسلام توثقت أواصر العرى بينهم وبين سكان ساحل الصومال فأسسوا الممالك والمدن والمراكز التجارية، وبنو القلاع والموانئ وانسجموا مع القبائل، وانتشرت ثقافتهم وحضارتهم وساد فنونهم، وبذلك أثّروا على اللغة والملامح والتركيبة السكانية، وفي غضون سنوات قليلة ذابوا في المجتمعات المحلية وباتوا عنصرا مكونا من اللوحة الصومالية.

على أطلال حيّ شنغاني في مقديشو تحيطني جروح لاتندمل، وانهزمت أمام أطلال التراث الصامد، قصور السلاطين على كتف المساجد، ومتاحف تقبّل الرمال، وذكريات الرحالة كريستوفر كولومبس، وكتابات ابن بطوطة، وآثار المؤرخين والكتاب الذين مرّوا على بلاد بونت وهم يبحثون مجد الكلمة أو متعة السياحة في أجواء مقديشو "ساحرة شرق أفريقيا" فهربت أداوي جروح الحروب بالكتابة رغم صعوبة نسيان ذكرياته المترسخة في الذاكرة الجمعية للشعب.

كلما أتوغل أقترب إلى معالم قديمة، وشوارع اختفت، وتراث طمرها النسيان، وملامح مآسي بامتداد مقديشو، وتبدوا المحيط الهندي على صفح الأفق وكأنها تراقب مدينة تنام على وقع الإنفجارات وتصحو على دوامة سحب الثقة من أحدهم، وإذا توغلت في الحس الشاعري والهوية الحضارية المميزة ل"حَمَرْ" سترى طلاً من إبتسامة تبرز بعض مفاتنها وإن علاها غبار ثلاثون سنة كان خنجر الفرقاء مغروسا في جسدها.

نحو العبور إلى  تاريخ طمستها المعارك، وأمام مقر البرلمان الصومالي الذي يعاني من تضاريس الأزمنة تعيدني مقديشو إلى بداية السبعينيات من القرن المنصرم، المبنى الشامخ شهد مؤتمر القمة الإفريقية عام 1974م وضمّ في جدرانه زعماء أفريقيا العظام قبل أن تنال يد الغدر وتحوله إلى أطلال باكية وثكنات للجيوش المتصارعة على المدينة.

في تلك الحقبة كان الصومال مزدهراً ويشهد جهوداً حثيثة من أجل لحاق قطار التقدم والاكتفاء الذاتي، تصدّر العساكر في الجمهورية الثانية وانغمسوا في السياسية بعد دولة مدنية تنخرها الفساد وتقودها الدستور، في الوهلة الأولى بدا الجيش وكأنه يلبي مطالب الكادحين، تضافرت الجهود وتكاتفت جميع فئات الشعب من أجل صومال جديد، فبدأت موجات البناء وإنشاء التعاونيات والمشاريع الوطنية التي مازالت ماثلة إلى يومنا هذا.

حكومة العساكر لمست الوتر الحساس للشعب عندما ركزت الجوانب الثقافية والتوعوية والتاريخية، نفضوا الغبار عن تاريح الأبطال، وألفوا الأغاني، ونظموا الأشعار لدغدغت المشاعر، وبعد قطع أشواط نحو التطور ودولة تواكب العصر وتستطيع استعادة استقلال قرارها حدثت نكسة غيّرت البوصلة! العساكر اختاروا الأيديولوجية الشيوعية ومحاربة الأصالة والهوية الدينية المترسخة في الوجدان، ومن أجل تعميق الماركسية في أوساط الشعب أصدروا قوانين مجحفة بحق الدين فبدأ صراع العلماء والسلطة، ودارت مساجلات فكرية وثقافية تطورت إلى إعدام العلماء وإراقة الدماء!

كانت خطوة جريئة نحو الإنهيار تَعَمّق بعدها الشرخ بين الشعب والحكومة الصومالية الاشتراكية، وتوقفت عجلة الاقتصاد، وضاع الشعب وفقدت الدولة هيبتها على القلوب وسيطرتها على الأرض، وبعد سنوات من إعدام العلماء والهزيمة المؤلمة في جبهة أوغادين عام 1977م بدأت المعارضة المسلحة تشن حروبا على الدولة، وبين انتهاكات الدولة البوليسية وعمالة الجبهات المتمردة ضاع الوطن، لقد دمره الحروب وبقي تاريخه دفينا تحت عباءة القبلية و ركام المعالم وغباء المهووسين بالحكم، وقصص شفهية لشعب تواق إلى السلام ونشر المحبة بعد عقود من الإرهاب والكراهية.

على بعد أمتار قليلة من مجلس الشعب يطل تمثال ثائر الصومال السيد محمد عبدالله حسن بهامته الممشوقة وتقاسيمه الدقيقة، السيد ورفاقه الأشاوس الذين قادوا الجموع نحو الحرية والكفاح المسلح في زمن كان الوعي السياسي الصومالي في أدنى مستوياته واجهتم مصاعب جمّة كتفكك الوطن، وتأليب رأي العام واغتيال المعنويات عبر وكلاء الاحتلال، وعدم الحصول على الأسلحة والذخائر بسبب الحصار الأورروبي المفروض على السواحل الصومالية، ورغم ذلك حاربوا الترويكا المحتلة ( بريطانيا، إيطاليا، فرنسا) إضافة إلى الحبشة، وكابدوهم خسائر جسيمة طيلة عقدين كان نار الجهاد يومض على ربوع القرن الأفريقي.

السبت، 7 أبريل 2018

إفريقيا .. ظلم الجغرافيا



كنت في مدينة صومالية تصافح المحيط عندما انهالت عليّ الذكريات وأنا أتأمل حياة أفريقيا الملتهبة من أقصاها إلى أقصاها، في أعماق الألم حلّقت بعيدًا فوق القارة الغنية بمواردها وبؤسها أراقب أحلام شعوبها وتطلعاتهم في ظل القهر وتكميم الأفواه الذي جعل الشعب كتماثيل حزينة لا إرادة لهم، إضافة إلى العبودية الجديدة المتسترة وراء رداء الهيئات العالمية.

منذ ربع قرن وشعبي الصومالي قابع في أوحال الحروب وفواجع التشريد، وصوَبوا بنادقهم صوب صدورهم بعد أن كانت تدافع المقدسات والمعتقدات عبر سلسلة من النضال الطويل من أجل المبادئ والمقدّرات، فقد حاربوا البرتغال في عمق البحار، واستحوذوا على أجزاء واسعة من أراضي شرق أفريقيا ينشرون الإسلام ويحاربون الجهل، وتوغلوا جنوبًا نحو السافانا والتلال المغطاة بالثلوج والسمرة الغامقة، وفي بداية الحملات الأورروبية قسّم الاستعمار أراضي الصومال إلى خمس أجزاء تجمعهم الأمنيات، وفي سبيل تحقيق مطالبهم سقط الملايين وجرح مثلهم، ولم يكن الطريق مفروشًا غير الدماء ومقارعة نصارى أوروربا وأباطرة أباسينا وسياستهم التوسعية عبر التاريخ.

من مقديشو اتجهت غربًا نحو بلاد الشعر (أوغادين) وكأني ألاحق الشمس وهي تعزف لحن الغروب خلف روابي إقليمٍ جرى فيه صراع عالمي مصغر منذ أن منحته بريطانيا الإقليم الغني بالثروات لإثيوبيا نكاية على الشعب الصومالي الذي أبى أن يعيش الإنجليزُ بسلام في أرضهم، كنت أحث الخطا نحو تاريخ أمتي وأمجادها الضاربة في عمق التاريخ، الألحان الشجية، وأريج اللبان، ورائحة الإبل الممزوجة بالأدب، وتكايا السلاطين والمدن التي تحاور الثروات تثير في وجداني مشاعر عتيقة وتشكل «زوايا غير محكية» تنتظر حكّاء ماهرًا يقدمها للعالم.

الصومال العريق بتاريخه منذ مملكة بونت وما تلاها من الممالك والحضارات اشتهر في السنوات الأخيرة بأزمته الإنسانية المتكررة! ولكن ما لا يعرفه العالم أن هذا البلد يعني قرابة مليون كم مربع من الإبل والمحيط والملاحم. والجريمة الوحيدة التي اقترفناها أننا أردنا أن نعيش أحرارًا يحملون لواء الإسلام وأنفة ورثناها عن أسلافنا، وأرادت الكولونيالية أن نعيش بلا وطن ولا هوية ولا انتماء، وأن نكون موزعين على البلدان المجاورة لكسر شوكتنا وتمزيق وحدتنا!

توغلت في أفريقيا وتجاوزت الحدود المصطنعة بعد نكسة برلين 1884-1885، وتعمقت الجرح الأفريقي النازف منذ قرون، في صغري كنت أحمل همّ قارة المستقبل، أعجبني لحن المناطق المرتفعة، وأبهرني قوة ساكني الأحراش، وسحر الحلم القابع وراء الحناجر التي تهتف بالحرية ولو بصوت متهدج خلف ضجيج الجغرافيا ومونولوجيا الذات، كنت أكتب قصصهم وأحكي عن أشواقهم عبر مداد قلمي الحامل بفيض من اللذة والألم ومحاربة الركود الثقافي للمجتمعات.

في قلب حيّ كابيرا الكارتوني في نيروبي وعلى جدار مقابل للبيوت المطلة على المزابل التقيت شابًا في مقتبل العمر، كان يتحدث عن مأساتنا وهو ينفث دخان سيجارته: «لقد حوّلت الأدمغة العفنة أفريقيا إلى أوكار للفاقة والجريمة، الاستعمار لم يذهب بل بقي في بلادنا يجثم على صدرنا، ويقتل أبناءنا تارة عبر وكلائه الذين أوصلهم إلى رأس الهرم، وتارة بالتدخلات، ومرات عبر السيطرة المطلقة على الإنتاج وتحديد أسعار الخامات، ليأخذ الغرب الأموال ونحن لعنة الثروة.

في المعابر والمطارات لا صوت يعلو فوق الترقب وهاجس الجنود والأسلاك والجدران الفاصلة بين الأفريقيين. المؤسسات المدنية الفاعلة والتحول الديمقراطي باتا ضربًا من الخيال في ظل جيوش ذابت في السياسة وتحمي عرش الطغاة، القوات المسلحة في أقطارنا هي اليد الباطشة للأنظمة المستبدة، فبدلا من ابتعادها عن السياسة وانغماسها في المهام الرسمية انخرطت  فيما لا تتقنه فتاهت في مسالك القمع والإرهاب، وبامتزاج رغبة العساكر مع أطماع المؤسسات المدنية المأزومة تكونت دولة المافيا، وأجهزة بلا كفاءات تغرق في الشبر الأولى من مشاكل الوطن بعد أن هربت الأدمغة المثقفة إلى الخارج خوفًا من السجن أو القتل.

الأربعاء، 28 فبراير 2018

رسالة إلى سالم .. المولود البريء


أهلا وسهلا بك يا صغيري في هذا العالم، ودّعت اليوم بطن أمك الذي كنت تجول فيه بدون منافس يفسد حياتك الطرية وينكد مزاجك الجنيني، وجئت إلى عالم مختلف، شعاره التحدي والبحث عن البقاء في حقل من الألغام والانتهازية والجمال الممتد بامتداد الحب والطيبة في كوننا الفسيح.

يوم قدومك احتفل كاتب هذه السطور الذي بدأ مع والدك رحلة الحياة من مهدها، كنا أطفالا في نعومة أظفارهم، تسعدهم الكرة وتبغضهم الأفلام الرديئة في عطلة الأسبوع، إختطفت الحروب الأهلية طفولتنا البريئة واختفت الآمال وراء معضلة القبلية في وطن ظل مأزوما منذ عقود، ذاكرتنا الطفولية كانت ملطخة بألوان من الماسي، وعيوننا الناعسة كانت كاميرا تسجل الأحداث والمؤتمرات العبثية للفرقاء الصوماليين في العواصم العالمية.

في خضم الصراعات وفي كنف اليتم المبكر عشنا حياة بلا طفولة ولا أبوّة، بل بلا ملامح ولا طلاء، حيث كانت المدافع تزهق الأرواح وتخطف الابتسامة، والمليشيات الجهوية والدينية تنهك الأعراض وتشوه التاريخ والدين والقيم والأخلاق، التعليم كانت ردئية أو معدومة، والصحة حدث ولا حرج، والسلام الداخلي كان في كف عفريت.

ورغم ذلك كنا نضحك ونتوغل في دروب السعادة نلعب ونمارس الحياة بشغف الطفولة وعناد الأيتام الطامعين في تغيير مجرى التاريخ نحو الأفضل، أو على الأقل المساهمة في تخفيف الأعباء عن كاهل البسطاء، كنا ننافس بل نتغلب على أطفال الحي الذين كانوا يتلقون دعم الأب وحمايته، في المدارس كنا الصفوة، وفي المستطيل الأخضر كنا نرهق المنافس بسيمفونية كروية وحماسة منقطعة النظير.

كنتُ أكبر منه سنا وهو أكبر مني حيوية ونشاطا، أو قل إن شئت حماسة وإتقانا، أتذكر كيف كان سريعا مراوغا ماهرا في التسجيل والشجار والطبخ، كان كريم المشاعر باسط اليدين مبتسما يحب مساعدة الأخرين، وهذه صفات أتمنى أن تجري في دمك وأنت في المهد صبيا هناك في نيروبي لندن أفريقيا وعاصمة القرن الأفريقي بمشاكله ومساوئه وإمكانياته الهائلة، نيروبي التي شهدت صرختك الأولى يا سالم ضمت قبر أمي وجسدها الطاهر! وتعتبر نبض إفريقيا ومن أكثر مدن القارة نشاطا وحيوية وتلتقي فوقها آلاف السحنات والمصالح والمؤسسات، وتطبخ في فنادقها ومكاتبها السياسات وبنار هادئة وحارقة أحيانا.

كان في بالنا أننا سنتغلب على الصعاب، ونستمتع بغد أفضل طال انتظاره بسبب غباء المسؤلين وغياب زعماء يحملون كاريزما القيادة والتأثير على الآخرين، بتنا ندور في المربع الأول وتراجع بصيص الأمل الذي لاح في الافق القريب بعد ظهور المحاكم الإسلامية الذين اعتقدنا في غمرة الهلوسة أنهم المنقذون الحقيقيون لبلدنا، كانوا الوجه الآخر لعملة التيه فكدنا نفقد الأمل وابتعدنا كثيرا عن مسارح طفولتنا وميادين حداثتنا هربا من الحركات الاجرامية والجهل الذي أطبق أطنابه على الجميع، ذهبنا معا إلى السودان في رحلة العلم والمعرفة، كانت تجربة جريئة وماتعة في ظل الثقافة والنيل وطيبة أهلنا السودانيين، دار الزمن وتوالت الأيام إلى أن ودّعنا النيل وكلية العلوم، مفارقة المالوف مشقة يا صغيري! ربما تمنيت وأنت في رحلة الولادة من رحم أمك إلى عالمنا المشحون بالكراهية والبارود وأنغام الحياة أن تترك القوة الدافعة جسدك لتكون عالقا في عالمك المثالي، كنتَ سعيدا يقضم أصابعه برومانسية الأطفال في داخل مشيمتك، وبعد سنوات ستصبح شابا مفتول العضلات مليئا بالحيوية والنشاط، ستضحك كثيرا وتحمد ربك إذا عرفت أنك مررت في ضيق الرحم وظلام البطن باكيا.

وكذا الحياة يا ولدي سلسلة من التجارب والمحطات، بعد التخرج رحلنا جنوبا نحو بلاد الشعر وفي بالنا أمنيات هرمت وشاخت، الطريق لم يكن مفروشا بالورود، بل كان مترعا بالتنقلات في القرن الأفريقي بحثا عن لقمة العيش، واصلنا الكفاح من أجل المستقبل وتأمين سبل الحياة الكريمة لفيلق قادم من المحاربين الأشاوس أنت قائدهم، حاولنا أن نؤسس لكم حياة أحسن من تلك التي عشناها نحن، وأن تمارسوا الحياة مع أترابكم جنبا على كتف، وإن لم نصل إلى مطالبنا فأنتم اليوم في ظرف أحسن بكثير من وضعنا في جميع المستويات، قُدر لجيلنا التعاسة! وأن يكون وقودا للصراعات، وقّدر لجيلكم ـ كما نتمنى ـ الريادة وإعادة المياه إلى مجاريها.

الوضع لم يكن مثاليا، كان الوطن في قعر الخوف والمجاعة رغم الموارد الاقتصادية المتوفرة، لم نستسلم بل صرنا أكثر قوة، وبدأنا رحلة الحياة وإعادة الوعي الغائب منذ عقود، فتحنا مراكز تعليمية ووجهنا الشباب نحو التثقيف الذاتي، والدك صار "الجندي المجهول" في مدينة ظلت متقلبة في أحضان الدماء والدموع، مع أصدقائه رسم الابتسامة على وجوه الأطفال، والسعادة على جبين السمراوات، وغرس الطمأنينة في قلوب الكبار فأصبح محبوب الجميع، اليوم كسمايو سعيدة تنافس المدن العالمية وترفع ذؤابتها من جديد.

ستنخرط في دنيا جميلة بطبيعتها ومجانينها وعرق كادحيها، مخيفة بتصرفات مجرميها وجشع أغنائها، من الغرابة أن قلوب الفقراء ناصعة البياض، القناعة تسعدهم، والفاقة تعلمهم الصبر ومغالبة الأحزان، وقلوب الأغنياء شاحبة قاتمة تغمرها الكآبة والأحزان القاتلة، يعانون من الأرق ويبحثون النوم ويمشون كثيرا من أجل هضم الوجبة الدسمة في بطونهم!، ستكبر على كنف أمك ـ إن شاء الله ـ وعين الله ترعاك وترشدك إلى الدروب الصحيحة بعيدا عن الغواية والضلال، وربما ستصبح طبيبا ماهرا أو مهندسا بارعا أو صحفيا متألقا أو أديبا مفوها أو عالما مشهورا أو جنديا شجاعا، أو سياسيا لبقا يعيد للصومال مجدها فاطلق العنان لنفسك ولاتخف، وليكن شعارك القادم أفضل لامحالة، وكن مرحا يحب الترحال واكتساب المهارات وطرق أبواب العلم ماستطعت إليه سبيلا.

إنطلق نحو الخير ونشر المحبة، واغرس في ذهنك حب الوطن وعشق المسيرة الطويلة من أجل حماية الدين والجغرافيا، إبحث الإلهام في سيرة العظماء، الرسول الأعظم وصحابته الكرام، أجعل سيرة المجاهد أحمد الغازي نبراسا لك، وكفاح الدراويش مثلك الأعلى، حاربوا ضد الظلم والعبودية ونهب التاريخ والثروات فعاشوا كراما وماتوا أبطالا.

الأحد، 23 يوليو 2017

أميستاد .. رحلة نحو العبودية


قبل أن تصبح أفريقيا مرتعا للكواسر الأوروبية منذ القرن 16م كانت المدن والقرى المتناثرة على أهداب الأنهار وكتف المحيطات وجبين التلال مرحة وراقصة، تجاور الأرض والبحر والسماء، تحيطها حقول ومروج ممتدة وخلجات إنسانية أليفة تنسجم مع وهج الشمس والعيون الريفية الحالمة تحت إيقاع أفريقي دافئ، ولم يكن الإفريقيون يعرفون سوى البراءة والحروب القبلية والمناكفات العشائرية التي طوت في داخلها أنواعا من العبودية الناعمة وإن لم تصل إلى درجة التجارة والبيع في سوق النخاسة، وبعد قدوم أوروبا الجشعة التي تدنّس القيم وتقدّس المال تناحرت القبائل وتسابقت القوميات من أجل كسب ود المحتل ومساعدته لبلوغ هدفه الإستعماري فقاموا ببيع بني جلدتهم وسُجل في غضون قرنين شحن أكثر من 18مليون أفريقي إلى الغرب كعبيد.

لقد نشطت السفن الغربية في أفريقيا من أجل السيطرة على المصادر الطبيعية وتجارة الرقيق، وكابدت القارة حيال ذلك خسائر فادحة إقتصاديا واجتماعيا أدى إلى خلل في النسيج الاجتماعي وضياع الهوية والمعالم ومصادر الحيوية والطاقة، حيث كانت تتراوح معظم أعمار العبيد الذين تم شحنهم إلى الغرب مابين 15 إلى 45عاما، ورغم مرور مئات السنين من إنتهاء الرق تتقلب أفريقيا ما بين إستبداد محلي وملامح رسمها الإستعمار بوحشية تعف عنها الوحوش الكاسرة، وانتشر العنف وساد الجهل والمرض في أصقاعها.

أحاطتني غيمة من الكآبة وأنا أتابع المشاهد المحزنة للفيلم الدرامي "أميستاد" الذي يعالج الحدث الأسوء في تاريخ البشرية إطلاقاً (تجارة العبيد)، الفيلم الذي رشح لجائزة أوسكار بعد صدوره عام 1997م من إنتاج ستيفن سبيلبرغ وبطولة مورغان فريمان ودجيمون هونسو وأنطوني هوبكنيز وآخرون جسّدوا المعاناة بكثير من المصداقية والإنسانية.

يستعرض الفيلم بطريقة دراماتيكية مبكية ألوان العذاب والهوان الذي مورس ضد الشعب الأعزل بعد إختطافهم من مرابعهم إلى المخافر، وبعد ساعات يجد المرأ نفسه في  صفوف طويلة وعارية تتجه نحو مرافيء الشحن!، والمدهش المثير للإشمئزاز هو ترحيلهم إلى القهر على قع أجراس الكنسية وترانيم القساوسة، وكأنهم يبشرون العبيد في عالم الوحشية، ولاغرو فالمبشّرون ظلوا الوجه الناعم للمحتل، وكانوا روّاد التمهيد والاستكشاف.

بمباركة الكهنة وبكاء الأبرياء تتجه سفينة الصداقة التي أصبحت رمزا للعبودية إلى الحياة القاسية، ليكون السود على متنها النواة الأولى لإنتاج الثروات وإنشاء الحقول وحفر القنوات وبناء السكك الحديدية وتحريك عجلة النهضة الصناعية للغرب الذي اختار شعوب أفريقيا بالذات من أجل البنية الجسمانية القوية والصبر وتحمل المشاق.

يتكدس الأفريقيون التعساء في داخل السفينة، والإسبان يمارسون السادية والإذلال، أبرياء مقيدون بالأصفاد والسلاسل، تجريد عن الملابس، شتائم وعهر أخلاقي وكراهية وتفنن بالقتل، جوع وإهانة في تقديم الطعام، ملامح شاحبة، وحلاقيم ناشفة، هنا إنتهت الإنسانية إنهم عبيد لاحقوق لهم، قصة مؤلمة لم تنته فصولها وإن تدثرت بألفاظ رنّانة وأسماء ناعمة كهئيات أممية ومنظمات عالمية.

وبعد إختناقات في أقبية السفن والموت إرهاقا يهاجم الأفريقيون البائسون وببسالة نادرة على القبطان، تحدث معركة رهيبة نفسيا وبدنيا ويفوز الأفريقيون السباق نحو النجاة ليطلب قائدهم العودة شرقا نحو الديار، يتظاهر القبطان العودة فيما يواصلون رحلتهم نحو أمريكا، وبما أن البسطاء الريفيون يتميزون بقراءة النجوم والإهتداء بها ليلاً منذ أن استوطنوا في الفيافي والأدغال الماطرة راقبوا النجوم بعد منتصف الليل وبواسطتها أدركوا أن الربان غدرهم والسفينة متجهة نحو الغرب والعبودية وليست نحو الخلاص ودفء أفريقيا وحلمها الجميل. 

تمتد المعاناة من سيراليون وسواحل أفريقيا الذهبية إلى شواطيء الغرب ومن القوارب الصغيرة إلى أميستاد إنها مأساة تمتد عبر التاريخ والجغرافيا والأحاسيس، وبعد رحلة شاقة وصلوا إلى أمريكا وأصبحت حياتهم ملونة بالهواجس والظلامية والمخاوف، وفي لحظة بالغة القسوة يتم تقييدهم وربطهم بسلاسل مؤلمة تقودهم مجموعة من البيض في سخرية وازرداء إلى أسواق النخاسة، إنها تجليات حضارة الغرب المادية المبنية على العنصرية والإضطهاد.
يتنازع اللوردات وأصحاب الشركات على ملكيتهم ومصيرهم فيتم تجريدهم من الأسماء والأسمال والإنتماء والآدمية، وفي الزنزاناة الباردة الغارقة بالعتمة والأوساخ والطبقية ينام السود ويحاولون التمرد واستعادة الحرية ولو بالخيال ولكن للآلة الحديثة رأي آخر حيث البارود تحسم المواقف لصالح الإمبريالية.

شعور العبودية والفقر والتنوع الثقافي وضياع المستقبل تغزوهم في أمريكا، وفي وسط محكمة هزلية يهتفون " أعطونا الحرية .. أعطونا الحرية" وتتحول الحرية إلى نغم ومبدأ يعيش من أجله الأبرياء، الحلول معدومة والآمال تتضاءل ولا يلوح في الأفق سوى مزيد من الظلم والغطرسة، في بيئة مأزومة بالسخرية وترى العبيد أرقاما لاتخضع سوى معايير الربح والخسارة يتصدر المشهد أفريقي تحرر عن العبودية ليحمل مسؤلية المساجين وتحريرهم ورإجاعهم إلى وطنهم، وفي أروقة المحاكم والقوانين يبحث عن العدالة وقاضي لم ينسلخ عن الآدمية ولم تعمه شهوة المال والسلطان، ولكن كيف يجد والقوانين والعادات والتقاليد السائدة في المجتمع الأمريكي تكرّس العبودية وترسخ  نظام الطبقية والتفوق العرقي كما كَتب سولومون نورثوب في مذكراته 12عاما من العبودية؟

Gorfeynta buugga "Geylame"

  Buugga “Geylame” ee uu qoray Xassan Maxamuud Qorane, waxa uu nuqul ka mid ah gacatayda soo galay Habeenkii la soo bandhigayey oo ku beegna...