الثلاثاء، 24 سبتمبر 2013

رقَّ الحديد وما رقوا لبلوانا !


  • كابوس الموت والهلاك
مرت على الأمة الصومالية تجارب مريرة، وحياة  قاسية وليل دامس حالك الظلام، وإنقسام حاد بين مكوناته أثّركافة نواحي الحياة، وأنهك قوى الوطن، وضعَّف هيبة الدولة، ودمر البلد، وحدث تناحر قبلي حاد وأيديولوجي رهيب وحروب شعواء لا هوادة فيها جعلت كاميرات العالم تقتات مأساة الصومال ومعاتاة شعبه؛ مما جعل الصومال دولة فاشلة وبؤرة نزاع لا تهدأ أوارها تصدرالأزمات والتوترات إلي دول الجوار والعالم، وشعب متخلف جاهل منكوب يعيش بالفقر المدقع وحياة بائسة ينتظر المساعدات الإنسانية والمنح الأممية يموت أبنائه في البحار والمحيطات والصحاري والمفاوز ويقبعون في غياهيب السجون يداس كرامتهم ويهين إنسانيتهم كل هذا بحثا عن حياة أفضل وهربا عن الوضع الأمني المزري والإقتصادي المتدهور والبلد الذي يديره حفنة من الإنتهازيين المنتفعيين بدماء الشعب تجار الفوضي والخراب المصطادون في المياه العكرة وشلّة من مرضى النفوس معوقي الإحساس معدومي الوطنية والكرامة غليظي الفهم بليدي الذوق فاقدي الضمير عديمي الإدراك من حثالة الأمة  ورويبضة المجتمع الذين أعماهم الصلف وحجب الحقد بصيرتهم وأرداهم الجهل وحكمو الشعب بالحديد والنار وجعله قابعا في كابوس الموت والهلاك أكثر من عقدين من الزمن.
مرت الصومال تجربة فريده في نوعها غامضة في كنهها ومتحيرة  في محتواها أذهلت العالم ووقف العالم موقف المتفرج يراقب الدّمار من بعيد، وأدرك كل شخص من خلال هذا التجربة  أن الحروب المتواصلة لم ترجح الكفة لصالح أحد، ولم تعد تجدي نفعا، ولم يستطع واحد من نفّاخ الرماد السيطرة وإستيلاء الوطن لا بقوة السنان ولا بكثرة السواد، بل إن جميع وقّاد الحرب اختفوا من الخارطة السياسية والاجتماعية، ومعهم لعنة آلاف الأرامل وملايين الأيتام يحملون في كاهلهم دمار أمة وتفتيت شعب.
  •  الوطن الجريح

الوطن الجريح كان ينزف بسبب أفعال المرتزقة الذين كان همهم الوحيد ما يدخل في بطونهم، وتأثر الوطن بحماقات وظلام عقدين كان الحرب والعنف سيدا الموقف، وبات الشعب المغلوب على أمره لا يستطيع دفاع نفسه إلا بالدموع الصامته والعبرات الصادقة، ويمارس ضده أبشع أنواع الظلم والإستعباد، وضاع صوته في هدير الدوامة الذي لا يكاد الإنسان يسمع فيه حتي نفَسه، وملأ داخل كل مواطن غيور بالحزن والألم.
في هذه الأجواء الضبابية التي فقدت الأمة البوصلة التي تقودها إلى نحو أمة صومالية قوية سعي المخلصون من أبناء الوطن إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ومحاولة رتق الفتق قبل اتساعه، وتدارك العلة قبل استحكامها؛ فبدأت في ربوع الوطن وفي ظروف بالغة الصعوبة محاولات خجولة هنا وهناك اتسمت في بدايتها بالفردية وغاب عنها التنسيق والنسق الجميل، ولم يجمع بينهم في بداية الأمر وحدة الفكرة والرؤى رغم أنها كانت متحدة الهدف والطموحات، وتحولت فيما بعد وفي غضون أعوام قليلة إلى محاولات جادة ومنتظمة ذات تنسيق تام شمل معظم أقاليم الصومال، وكثرت المحاولات الحثيثة لانتشال الأمة الصومالية الغارقة في الحروب الأهلية والوطن من براثن العدو الذي لا يرحم، والتجاوز المدروس في الحالة الصعبة والخطيرة إلى غد أفضل يزيل اليأس من القلوب، ويلهي عن الصعوبات والمتاعب والمساومات التي تضع الحياة طريق المواطنين.
لم يكن الأمر هيّنا بل كان تحديا حقيقيا بالغ القسوة أن يستطيع شعب أعزل انهاء زمن إيقونات الحرب ورموز الفساد الذين كانو يعتبرون المصالحة الوطنية والتعايش السلمي بمثابة الصفعة المهينة لأحلامهم وطموحاتهم.
  •  العالم يتندر بأمتنا

لقد حير العالم وأدهشه ما يجري في الصومال، أمة لا تكل ولا تمل عن الحروب والنزاعات اللاعقلانية، وما فتئ العالم يذكي ويغذي نار الفتنة التي تمزق الصومال، وقام العالم يتندر بأمتنا يستهزأ بمقدساتنا ويسخرعاداتنا وتقاليدنا، وينهب بمقدراتنا وثرواتنا مما جعل التعقل والإفاقة الواعية من الغيبوية الطويلة وإدراك العالم المتحضر ومواكبة عصرالنانو والتنويرالمعرفي مسألة الأهم في حياة الشعب الذي كلما وجد بصيص أمل وبارقة خير يوضع أمامه ملايين العراقيل وآلاف المشاكل لإجهاض كل أجندة وطنية التي تساهم في التنمية والمشاريع التي  بإمكانها أن تخرج الأمة من التيه وينقذ الوطن من الانقسامات والدويلات التي يتسابق إليها أمراء الولايات على إقامتها وجعلها مستقلة مستفيديين انفراط عقد الصومال حتي قامت أكثر من ثلاثين دويلة متنازعة متحاربة، وطال الصراع الهمجي بين الأشقاء.
ومما يعقد الوضع ويؤسف الموقف أن معظم قادة الصومال وأعيانها وخاصة في زمن الانحطاط سواء كان يحمل شهادات عالمية وتخرج من أرقي الجامعات أويحمل مخا فارغا ملأها الاستهتار والزهو والغرور وقيح القبلية يجعل أولويته الأولي ملء جيوبه الكثيرة والمتفرعة، وتأمين حياته الأسرية وإشباع رغباته الشخصية والقبلية، وإهدار أكبر قدر ممكن من المال العام، والعبث بكرامة الشعب، والإستقواء بحق الشعوب، وإتباع سياسات ملتوية، ويجعل آخر أولوياته ومن ضمن الأمور الهامشية التي لا تحظى كثير اهتمام محاربة الفقر والفساد والمواجهة الحقيقية لمعركة الأهم في الساحة التي هي معركة الأمعاء الخاوية وإحلال السلام وتحسين صورة الصومال أمام العالم والحد بالتصرفات البربرية والفوضي والفساد والإرهاب والقرصنة وتحسين مستوي المعيشة؛ لكي يتجاوزالشعب زمن المجاعة وألا يتضورمرة أخرى جائعا في مأدبة اللئام.
  فقدت الأمة الطموح وحب الإستطلاع والحماسة الذي اشتهرت به، وأصبح الشعب مهددا بالفناء، واجتاح حباته حزن شديد بعد أن غدره أهله ووقف له بالمرصاد، وبالتالي فقد روح التحدي والعناد والثقة الذي كان يواجه المستقبل وعاش به سنوات حياته.
  •  الحمل الوديع

لكن الخطر الأكبر والكارثي هو أن الشعب أصبح سهل الإنقياد مثل الحمل الوديع يرى عملية شحذ السكاكين ولا يحرك ساكنا أصابه شلل فكري، وترهل في الهمة يخنع للجلاد ويستكين للمجرم، ولا تبحث حلول ناجحة للخروح من عنق الزجاجة والمأزق الحقيقي الذي يعيش فيه يجب على الأمة أن تنتفض وتثور وترمي رداء الخنوع والتبعية والخوف من المتسلط الذي يخترع الكذب في أوقات الأزمات، وألا تستسلم للواقع المرير؛ لتدخل بذلك صفحة مشرقة في التاريخ الذي لايمكن تجاهله أو نكرانه أو تحريفه لأنه يسجل الأحداث وكل صعب سوى المذلة سهل.
للشعب حقه الأصيل أن يختار طريقة حياته وأسلوب حكمه، وأن يعيش حياة آمنة مثل بقية شعوب العالم ومن غير المعقول أصلا أن تتدفق موجات اللاجئين من أبناء الوطن إلى بقاع العالم المختلفة مشردين يموتون في الشرق بلا هوية، ويموتون في الغرب مسلوبي الإرادة، ويتعذب في داخل أرضه يتحمل المشقات ويواجه الوحشية.
  •  رقَّ الحديد وما رقوا لبلوانا

رق الحديد وكلت المدافع، واشتكت الرشاشات والراجمات من تمزيق الوطن وفتك بقايا هيكل بشري أضعفته المجاعة وأنهكه المرض وما رقّ صانعوا الحروب وتجار الأزمات ومستفيدوالكوارث لبلوى وأنين المواطنين؛ مما جعل الحياة مزيجا من الألم، والكفاح فيها الكثير من التراجيديات المؤلمة من إزهاق للأرواح والتشريد والمجاعة وانتهاك للأعراض والممتلكات والتعرض للإرهاب المنظم والتمادي في السياسات الخاطئة والأفكار السلبية الهدامة.
  •  آن الأوان

آن الأوان ليجد المواطن المكلوم آذانا صاغية وقلوبا واعية  مفتوحة وحكومة قوية تمثل كافة شرائحه تتبنى وتسعي جاهدة لحل المصائب المتكالبة على المواطن ومساعدته في نيل حقوقه الطبيعية ومطالبه الشرعية، وانهاء آلامة وآهاته والوقوف إلى جانبه وقفة حقيقية تساعده على صياغة مستقبله وإدارة حاضره وتقرير مسيره ومجابهة الأخطار التي تحيط به، واستعادة عافيته ودوره الريادي إقليميا ودوليا، ولا بد من أعيان الأمة من العلماء والدعاة والمجتمع المدني والشباب الذين يشكلون نصف المجتمع قادة المستقبل وروّاد الغد أن يدركوا عظمة المسئولية وحساسية الموقف لقيادة الصومال إلى بر الأمان واحدة موحّدة، ويجب أن يصاحب عملية التغيرحراك في كافة الأصعدة لمساعدة الحكومة المنتخبة بتأدية واجباتها بأكمل وجه؛ لأن الشعب يقف أمام امتحان صعب وتاريخي  ومخاض عسير، ويمتلك اليوم فرصة حقيقية فد لا تتكر تتطلب تثمينها وبذل الجهود المضنية وتكريس أغلي الأوقات للمصالحة والجلوس معا في مائدة المفاوضات وصياغة الإنسان وتثقيفه صياغة صالحة وثقافة تنويرية؛ لأن بدون تثقيف الإنسان وصياغته لا يتأتي لنا بسهولة حل مشكلاتنا المستعصية.
  • الحوار والتفاهم

الحوار والتفاهم وبحث أرضية مشتركة للتفاهم والتلاقي أولوية قصوي من أولويات الشعب، والتناحر والتباغض آخرها؛ لتندمل جراحات الوطن، وليخرج الشعب من ظلام القبلية والتمسك بثقافة القشور والنفاق والوصولية التي أصبحت عملة معتمدة في المجتمع، وبالهدوء والتعقل وتشمير ساعد الجد والعمل الدؤوب ومحاربة العادات الضارة والأفعال الشنيعة التي خلفها الصراع، والتي تشكل عقبات وعوائق حقيقية تعرقل مسيرة الشعب نحو تحقيق أهدافه وتصحيح أفكاره ونحو نضج فكري ورشد سياسي يقود الأمة إلى نهضة حقيقية وتطور ملموس والخروج من شرنقة الاختلاف والاحتراب إلى فضاء الوئام والمصالحة والعودة إلى كتاب الله الذي فيه المنجاة، والبعد عن الحوار العدواني السلبي الذي هو اللجوء إلى الصمت والعناد والتجاهل ومكايد الطرف الآخر واستنفاد الطاقات في نقاش وصراع وصدام لا طائل من ورائه والبحث بثقافة انتاج الحل وتأسيس السلام والتعايش السلمي بين الأطياف المتناقضة بدلا من النقد والتشكي نصل إلى وطن يسع الجميع وفجر جميل الرؤى وضحى بهيجا تضحك فيها القلوب وتهز الفرح أعماقنا ويفيض البشر وجوهنا و ننسج في كل صفحة  قصة جميلة #

زفرات غريب (3-3)

ألوان الغربة كثيرة وأوجهها متعددة فهي كثيرة التلون مثل الحرباء، فبعض المرات تتلون بألوان زاهية، وترسم للغريب لوحة جميلة من الحياة ومستقبل مشرق وحاضرمفرح، وبعد لحظة وفي غضون ثوان أودقائق تواجه الغريب بوجهها الحقيقي ودون أقنعة مزيفة وتسفر بوجهها الكالح وألوانها السودءا القاتمة؛ فتحجب الرؤيا والطموح والتطلعات عن الغريب، وتغيب عنه الحلول ويمر به أصعب الأوقات وأحلك الظروف، وتزداد الصعوبة تعقيدا إذا كان الغريب شابا غضا طريا في مقتبل العمر وغير متمرس بمواجهة عنفوان الحياة وقسوتها، ويحتاج إلى جدار يسند إليه ظهره ويقويه وأهل وقرابة يسدي إليه النصح والمشورة؛ لأن حياته غير آمنه بسبب الظرف الدقيق الذي يمره وحديث تجربته بالناس وبالدنيا، والظروف القاهرة والحياة الصعبة تحتاج إلى حلول متأنية  وغير متسرعة ومدروسة بدقّة وخطوات جريئة وحازمة لمواجهة المشاكل والمصاعب التي تفرشه الغربة في طريقها الوعر ودروبها المقفرة.

تختلف الأراء والأفكار حول السفر والترحال والغربة! فالإعلانات التابعة للشركات السياحية العملاقة التي تجني الملايين من الدولارات والأرباح المشبوهة برحلاتها العابرة للقارات يصور السفر والغربة وكأنها نوع من السياحة وضرب من النزهة والإستجمام والتنقل برشاقة وخفة بين المدن والعواصم  والحدود بلا وجع أو تقييد.! والبعض يصور وكأن الغربة أحزان تتكلّم في داخل الغريب وجروح نازفة تتألم في وجدانه! ولكن المصاعب والمتاعب التي تحمل الغربة في طياتها لا يعرفها إلا الغريب البعيد عن وطنه وأهله، وكنا نسمع ونحن صغار أهل العلم يقولون: (فقد الأحبة في الأوطان غربة، فكيف إذا أجتمعت الغربة وفقد الأحبة

والسفر إلى خارج الديار بعضه ممتع وجذاب وشيّق تأنس إليه النفوس ويطمئن إليه البال وتستقر به الجوارح لسحر الطبيعة أو لعبق الأرض و بشاشة الناس وخفة دمهم وكرمهم وفخامة التراث وكثرة الحضارة والثقافة وطلاقة وجه المواطنين واحتفائهم للغرباء، ويتحول من سفر  إلى سياحة يجد الإنسان منه المتعة والإستجمام، وبعضه أي السفر مملّ ومعقد ومتعب، وقد يكون محنة ومشقة لما يصاحبه من عناء و وعثاء السفر وعدم اليمن.

 وكلا الحالتين مرتبطان ويتأثران سلبا أو إيجابا بالظروف والأحوال التي تحيط الإنسان أثناء السفر  استعداداته قبل السفر، و ربما تفكيره وتصوراته لما بعد السفر، ولكن يتفق الجميع أن الغربة ليست هي اختيار الإنسان في معظم الأحيان، فالبشرية مجبولة بحب أهلها والتشبث بوطنها وأصلها وأحبابها وتاريخها؛ وبالتالي لا يرغب أحد ولا يفكر أن يبتعد عن أهله ووطنه وأن يكون جسما غريبا بين مجتمع لا يعرفهم ولا يعرفونه؛ بل يطلقون عليه ألقابا و أوصافا فرض عليه الواقع، وهذا لا ينفي وجود شريحة اختارت الغربة وركبت موجتها بسبب الظلم الحاصل في البلد أو ضيق المعيشة أو مخافة بطش السلطان ولسان حاله: (والله إنك لأحب الأرض إليَّ ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت).

قد تطول الغربة أو تقصر وقد يلطف بنا القدر ويبتسم لنا الحظ ويوهب لنا الزمان هدية العمر التي لم تطرأ يوما في حسباننا ولم تخضع لتدابيرنا ولا لتخطيطنا البشري القاصر؛ فتنير حياتنا وتنعش آمالنا وتنسينا الغربة وهمومها وبعدها عن دفء الوصال وعيون الأحبة التي كان الغريب يؤنس بجوارهم ويعيش بين أكتافهم ويشارك معهم الأتراح والأفراح وكل وجوه الحياة المختلفة ومناسباتها المتعددة، وما أكثرها!ــ وقاسمهم البسمة قبل اللقمة والضحكة قبل الدمعة،و ربما وفي طبيعة البشر الكنودة لايشعر المرء النعم التي حباه الله بها إلا إذا فقدها، والإنسان بطبيعته لا يشكر بنعم الله الكثيرة وفضائله الجزيلة جل جلاله وآلائه المتعددة إلا إذا صلبت منه؛ لأن المرء إذا كان متلبسا بثوب النعمة  قد لا يشعرها ولا يؤدي واجبه الديني والأخلاقي تجاه هذه النعمة التي سربلها الله به، فالمواطن الذي يعيش في بلده بين أهله وأحبابه ربما لا يقدر هذا النعمة ولا يشكر المولي وقد لا تخطر على باله إطلاقا؛ لأنه لم يجرب الغربة في حياته ولم يكتو نارها ولم تمر عليه أيام وليالي لم يكتحل النوم من أجل أحباب فارقهم وخلان ابتعد عنهم ورفاق في حدقات عيونه أجبرته الظروف ألا تقر أعينه برؤيتهم صبح كل يوم!.

ولو أن التكنولوجيا الحديثة والتقدم الهائل والآلات الإعلامية الضخمة وعصر التنوير المعرفي الذي وصل إليه العالم الحديث ساهم حسب رأئي تخفيف الغربة وجعلت الكرة الأرضية قرية صغيرة أو قل إن شئت شاشة صغيرة بفضل هذا التطور الهائل الذي خطت به البشرية، وأصبح إيجاد الخبر وإتصال الأحباب ومعرفة ما يجري في العالم في متناول الجميع، والعالم لم يعد اليوم  ذلك العالم الرحب الواسع المترامي الأطراف الذي يصعب على المرء أن يتيح له معرفة ما يدور في قارته أو في وطنه وبلده؛ بل أصبح عالما مترابطا متواصلا ومكشوفا للجميع، فالتظاهرات العالمية والمناسبات أو المؤتمرات الأممية أو الحروب والكوارث الطبيعية التي تحدث في أقصى الشرق يصل إلى أقصى الغرب بغضون دقائق وربما ثواني بفضل التقدم التقني والتكنولوجي الحديث.
 أحلام المرء وطموحاته لنيل مآربه وآماله وتطلعاته لحياة كريمة واستشرافه لغد أفضل كثيرة ومتعددة ومتشابكة لا يحدها حد ولا يعيقها عائق ولا تنتهي أبدا، وهكذا يجب أن تكون.

 فالإنسان ينسج في مخيلته ويبني في خياله مستقبلا باهرا ويعقد للمستقبل آمالا جساما ويحلم بأحلام وردية ويزرع بذور الأمل في أعماق قلبه ويستمد معظم هذا الأفكار من خياله الواسع والثنائيات المتناقضة المجتمعة في ذهنه من سعادة وحزن وأفراح وأتراح ونكد العيش والمغامرات والطاقات الهائلة والأفكار الجميلة المتمكنة في شخصية الغريب والمستوحاة من فقه الواقع ومدرسة الحياة ونظرة الغريب المتفائلة أو المتشائمة للمستقبل والحياة، فالغريب يحن ويشتاق ويخطط لعودته المرتقبة، ويسعي بدون ملل أو كلل ليعود إلى وطنه العزيز و إلى مسقط رأسه، ومن جهة أخرى يفكر كثيرا ويقلب الأمور ماذا في جعبته… ماذا يرجع إلى أهله وإلى بلده؟ وماذا بحوزته كي يرجع هل حصل علما أو جمع ثروة…أو…أو…فيؤنب ضميره ويعاتب نفسه ويشحذ همته ويسعى مجددا للوصول إلى هدفه بهدوء وثبات وبغير تضعضع، ويركب الصعب والذلول ويجد الذكريات الجميلة حافزا قويا وشحنات تزيده قوة وعزيمة وإصرارا؛ لتحمل مصاعب الغربة، ويدرك جيدا أن رسم مستقبله مرهون وبدرجة كبيرة بمجموع الخطوات ولو كانت بسيطة والقرارات التي يتخذها اليوم، ولأن مسيرة مليون ميل تبدأ بالخطوة الأولي فلا بد أن يشمرالإنسان ساعد الجد ويستثمر أوقاته وينجز مهامه بأقل تكلفة وأقصر زمن.

العيش في أرض الغربة وبزمن طويل ومتواصل يحتاج إلى صبر ومثابرة وربما لا يستطيع الغريب مواصلة السير ويتعثر مرارا في وسط الطريق وفي أتون الغربة، ويعتقد -ولو ساذجا- أنه فشل في مشروعه ووصل إلى طريق مسدود، ولكي يتفادى الإنسان هذه المؤثرات كلها لابد أن يجعل للعقل مساحة أكبر من العاطفة؛ لأن العاطفة الجيّاشة والذكريات الجميلة التي يحلم بها الغريب إن لم يستفدها لصالحه قد تؤثر حياته وتقود به إلى فشل ذريع وأشياء هو في غني عنها وكفيلة بتدمير  مستقبله المهني أو التعليمي أو الوظيفي، ولا طائل من تشريح جثة التاريخ والبكاء على الماضي والأطلال، وهل يوما نفع البكاء ولا العويل؟! ولكن ازرع بذور الأمل في أعماق قلبك وتوكل ربك وتطلع إلى ذلك اليوم الذي تنجز فيه مهامك كم تكون الفرحة طاغية في وجهك، وكم تكون مسرورا.
طفح السرور عليَّ حتى إنني *** من عظم ما قد سرني أبكاني
وكيف يقدرك الأهل والأصحاب إذا رجع الغريب إليهم مالا حلالا كسبها بطرق مشروعة ومباحة ومشروعة وبعرق الجبين والكد والكدح،أو شهادة علمية مرموقة (والشهادة العلمية ليست ورقة مكتوبة بل قيمة في ثنايا النفس وتلافيف العقل تعطي الثقة وتجلب الاحترام وتشكل إذا تأزمت الأمور بديلا).

أما إذا فشل ولم ينجح في مخططه ولم يصل إلى أهدافه ثم رجع إلى بلده بخفي حنين يسقط في أعين الناس ويعيش صغيرا مغمورا لا ذكر له؛ بل يمكن أن يصبح غريبا بين مجتمعه ووسط خلّانه وأهله، وهذا لعمري عين الغربة الحقيقية ومن المرجح أن يضيع صوته وكيانه في هدير الدوامة التي لا يكاد الإنسان أن يجد طريقا يسمع حتى صوته ولا يستطيع وجود أبسط أنواع حقوقه فتضيع أحلامه وسط هذه الأمواج العاتية المتلاطمة ويتبعثر آماله ويتبدد طموحاته.

الوطن له قيمة كبيرة وانتمائه شرف وعزة  (و الوطن ليس بيتا أو أرضا أو حديقة أو عملا … الوطن حياة وانتماء وهوية وإيمان) وكل شيء جميل في بلدك بداً من الناس والتربة والجو والأشجار  والطيور وحتى الجمادات والحشرات، ولقد أصاب السيّاب كبد الحقيقة حين قال (الشمس أجمل في بلادي من سواها) ورغم أننا نحس في صوته شجو الحنين ولوعات الغربة إلا أن الوطن ليس له بديل وحبه ليس له حدود.

آه يا بلدي … يا مسقط رأسي وقرة عيني يتقطع كبدي لوعة بفراقك حزين بمغادرتك متأثر ببعدك مشتاق برؤيتك ،آه يا قسوة القدر  لقد تركت بلادي والتي كانت تمثل لي كل شيء وأهلي وأصحابي والذين تدمع مقلتي بفراقهم.
هل يعلم الصّحبُ أني بعد فرقتهم
أبيت أرعى نجوم الليل سهرانا
أقضي الزمان ولا أقضي به وطراً
وأقطع الدهر أشواقا وأشجانا
ولا قريب إذا أصبحت في حزنٍ
إن الغريب حزين حيثما كانا

وطني العزيز أنت كبير وشامخ وجدير أن يحترم بك وبتاريخك الإبريزي …وطني جربت كل الأكناف كنف الغربة كنف الحياة بعيدا عنك فلم أجد كنفا أهنأ وأنعم من كنفك….وطني قطعت المسافات وتجاوزت الفيافي والمفاوز وركبت  الطائرات والقطارات وغامرت عباب البحر  والمحيطات وما زلت أهفو  وأحن إلى عتبات بيتنا المتواضع  وإلى رفاق الحي وإلى أزقات حارتنا الضيقة وإلى أمتي الصومالية التي لم تسمع الدنيا بمثلها كرما وشجاعة وأصالة( وكريم الأصل كالغصن كلما حمل ثمارا انحنى) وإلى وطني العزيز الذي وإن جارت عليه أبناؤه لم يبخل عنهم يوما بخيراته المدرار  ودرره ومكامنه العجيبة.

ورغم تغير الزمان وتنكر السنين وجفاوة الأبناء وجحود الأحفاد تبقى درة ورمزا وفيّا نفتخر أن نكون من أبنائه، ومهما طال الفراق وتحشرنا الغربة إلى أقصى الزوايا وأبعد الحدود حبك لا يتبدل ولا يتغير ، وسيأتي ولا محالة يوما أقبّل ترابك الزكبة وارتوي من هواك الطلق ومائك العذب الزلال.

قد تطول بنا الغربة فلا تطأ أقدامنا قريبا فوق تربتك الحريرية وزيارة مناطقك الجميلة ومناظرك العجيبة وأنهارك الجميلة الواسعة وشواطئك النظيفة الممتدة على طول البلاد كأنها تحميه المكروه وتقيه الشر وتحفه بالنعم وجبالك الشاهقة وهضابك وغاباتك الكثيفة الباسقة وكل شبر من تربتك الطيبة الطاهرة وطبيعتك الخلابة…. ولكن أتنفس بحبك وما زلت اشتاق إلى شعبي… إلى أبناء وبنات بلدي بجميع شرائحهم ومشاربهم  وأفكارهم المختلفة…أرنو الحياة ببينهم، فحبهم عمّ فؤادي وملأ وجداني … وما أنس إلا أنس طيبتهم الأصيلة وحسن معشرهم وكريم أرومتهم وتسامحهم، رغم كثرة الجراحات وقسوة الزمان وتغير السنين… بلدي يبقى عزيزا عليّ لا يفارق طيفه في حدقات عيوني وحبه في وتين قلبي، وطني روحي وجسدي، و بقية الأماكن مجرد ذكريات تمكث في الذاكرة برهة من الزمن ثم ترحل عنها غير مأسوف بها، ذكريات وطني وحبه حفرت في ذاكرة الوجدان وكتبت بأحرف من الذهب الخالص على صفحات قلوبي ودفاتر وجداني يستحيل أن يمتد إليها أو أن يعروها دجي النسيان.
حبي لكم طبع بغير تكلف *** والطبع في الإنسان لا يتغير.

سيأتي ذلك اليوم الجميل الذي تنقشع فيه السحابة السوداء والظلال الأسود والشبح المخيف الذي عم الوطن…ونجد حلا لجميع المصاعب والمصائب ويتوقف رحى الحروب المشؤومة، والذي فرّق الأحبة وشتت الأسر ولم يرحم لأحد من أبناء الوطن.
لقد عز الانتظار وكثر الشوق وزاد الحنين وتداهمني موجة عارمة وسيل جارف من الشوق والهيام إلى وطني … ولكن لكل بداية له نهاية، وأحس أن نهاية غربتي قد أوشكت وزاد التفاؤل، وأتذكر أن الأفضل لوطني ولأمتي قادم لا محالة بإذن الله، وأن المشاكل والصراعات العبثية سحابة صيف عن قريب ستنقشع، وسيعم السلام والمحبة ويسود الوئام والتسامح وتختفي الضغينة والحقد والحسد والكراهية بلا رجعة، وسيخرج المواطنون إلى الشوارع والطرقات متلألئة وجوههم باسمة ثغورهم راضية نفوسهم مطمئنة قلوبهم يلوحون علم الوطن والأغصان الرطبة احتفاء بالنصر العظيم واليوم الأغر، وفي مشهد بهيّ وفريد وتاريجي يجتمعون في رحاب الوطن يتطلعون إلى مستقبل مشرق مليء بالأفراح والمسرّات.

زفرات غريب(2)

…ويطول بنا الحديث ويتشعب ويتسع نستذكر مراتع الصبا وأزقات الحارة وبيوت الجيران ويمر أمامنا طيف الطفولة وذكرياتها الجميلة وعالمها المتميز؛ حيث كانت الحياة لا تعرف التعقيد بل تمتاز ببرآءة الطفولة وعفويتها… نلعب ونلهوا ونتشاجر بأمور قد تبدوا اليوم تافهة لكنها كانت في منتهى الروعة والجمال في عقل الطفل وحلم الصبا!، كنا نلهوا ونستمتع بأشياء اخترناها لأنفسنا رغم أن الحروب والمشاكل والصراعات العبثية التي تخطت كل لغات المقبولة، ودخلت في حيز اللاممكن واللامعقول حرمتنا كثيرا عن الترف والبذخ والدميات المتكدسة في بيوت أطفال العالم.

ما أجمل عالم الطفل وبرآته القادرة على إدارة حياته!، كنا نتقاسم الأدوار بدقة متناهية كي تستمر اللعبة ونعمل ونجتهد بلا كلل أو ملل وبدون الكيد والضغينة والحقد والحسد والابتسامات الصفراء التي أصبحت اليوم السياسة المعتمدة في كافة الأطراف، فإذا أتعبنا الجهد كنا نرتمي إلى حضن الأم الدافئ التي هي كل شيء في حياة الطفل وكنفها الشفيق الذي يزيح عنا صقيع الأيام ـ وكل كنف في كنف الأم غربةـ.

ونسترجع الذاكرة وبيقظة واعية ويمر قطارنا السريع وذكرياتنا المشحونة بالشجون الذي استحوذ على الأسماع والمشاعر والشوق الذي يعصف قلوبنا أيام المدرسة التي كنا نغدو كل يوم  ومع قسمات الفجر وتباشير الصباح إليها -لنغذي عقولنا الصغيرة بالعلم والمعرفةـ وروعة طوابيرها وعبق زهورها وتغريد عصافيرها ولمع نجومها وحيوية أشبالها وشجاعة فرسانها وعبقرية براعمها وندى القرآن وطريته، وقرآتنا الجماعية التي تنطلق إلى عنان السماء وحلاوة الأدعية والأذكار الصباحية التي نرددها ليحمينا الله كل مكروه في  يومنا، وفي خضم هذا الموقف العاطفي الذي أثر خبايا النفس ومكونات الذاكرة نتذكر الإطلالات الرائعة لأستاذنا المفضل أستاذ الجغرافيا والتاريخ الذي كان يتحف بنا بعلمه الغزير المدرار ويغمرنا بحبه الأبوي الفيّاض، فتهتز مشاعرنا ونتوق إلى تلك الحياة التي كنا نشبه الطيور نطير من بيت إلى بيت ومن دوحة إلى أخرى ومن غصن إلى غصن بلا قيود أو حدود وندخل بذلك عمق التاريخ.

الاعتداءات الإسرائيلية علي السودان دلائل ومآلات

(اليهود أخبث الناس طوية وأرداهم سجية وأبعدهم من الرحمة) ابن القيم الجوزية.

كلمات الإمام الكبير ابن القيم الجوزية هي درر منثورة ونبراس نستضيئ به الدروب لمعرفة حقيقة اليهود الأصلية على مر السنين والعصور، وهي كلمات جديرة أن يكتب بماء الذهب بل بماء العيون، لما لها من أهمية ومعاني سامية ودلالة واضحة ووصف دقيق وشامل في صفات اليهود المتاجرين بالرذيلة، والذين يمارسون أبشع الجرائم والدّسائس وبدم بارد باسم التلمود المنحرف تارة والتستر بضبابيىة المصالح مرات أخرى، أمة عنوانها المكر وسمتها الخديعة وشامتها الذل والهوان والإستقواء بالأمم والشعوب الأخرى، أمة دأبت الخبث والخياتة والتطاول على الذات الإلهية والسفك بدماء الأنبياء واستباحة الحرمات ونقض العهد ونكث الوعد.

اليهود ميزتهم الفسق والفجور وعدم اهتمام النظافة كما قال هتلر في مذكراته المشهورة، ويحملون قلوبا ملأها الجشع ونزع عنه الرحمة والرأفة وأعماه الطمع، وأفعالهم القذرة جعلتهم في موقف حرج، وهي أمة منبوذة، وأحيل إلى متحف التاريخ كأمة شعارها “ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس”.

اعتداءات اليهود على البشرية كثيرة وقديمة قدم التاريخ، واشتدت اعتداءاتهم الآثمة بعد زرعهم في قلب العالم العربي والإسلامي؛ ليكونوا ورم سرطاني وعاهة مستديمة تلتهم جسد الثقافة والحضارة الإسلامية والعربية العريقة، وما زالت رحى مؤامراتهم تدور وعيونهم الخبيثة تتربص؛ لأنها ذئب لا يصالح وثعلب لا يؤتمن، وأفعى رقطاء تتسلل ولا تتوقف، وديدنهم هو زهق الأرواح وترويع الآمنين، ويجيدون لغة الدم والقتل والعدوان والغدر والحرب، ويعتبر اعتداؤهم الأخير وقصفهم البربري في مصنع اليرموك للأسلحة والذخيرة وتدمير ما فيه، وإثارتهم الرعب والخوف والهلع  في قلوب المواطنين وهجر الأبرياء عن أوطانهم وحرمان المساكين عن منازلهم وجعلهم في حالة من الانكسار والضياع آخر مسرحية من مسلسلاتهم الغادرة.

زفرات غريب(1)

شاءت إرادة المولى جلّ جلاله أن أعيش في أرض الغربة، وأن أنال قسطا لا بأس به من مرارتها ووحشتها القاتلة، وأمضيت سنوات من زهور عمري وعز شبابي التي هي أحلى أيام عمر الإنسان دون سقف يحميني ودون أمة أنتمي إليها.
عشت بغربة لم استعد لها، ولم اخترها؛ بل أجبرتني الظروف مثل غيري من أبناء وطني الملتهب أن نبتعد عنه بحثا عن التعليم أو لقمة عيش كريمة أو حياة آمنة.

أبعدتني عصى الترحال عن وطني لتثير الغربة آهات أرددها، وأنين في أحشاء قلبي يظهر صداه على كل من مقلتي وجسمي،عشت بين مجتمع غريب كنت لا أعرف عنهم الكثير إلا ما حوت عليه المقررات الدراسية؛ رغم شحها أو المتبعثرة بين بطون الأسفار أو المتناثرة بين الأساطير والحكايات الشعبية أو المتناقلة في ألسن الناس.

 ومهما كانت الغربة إلا أن فصولها متشابهة وألوانها متقاربة، و المرء يحتاج أن يجد تسلية أو ما يُنسي غربته ويهدأ لوعته، ويسكن شعوره الهائج وضميره الوله الذي لا يستقر إلا إلى ربوع وطنه.

وهروبا من شباك الغربة التي -طبعا- ليست ككل الشباك، والوقوع في متاهاتها المحيرة وبراثينها المرعبة وفصولها القاتمة لا أجد أمامي سبيلا للتخلص من هذا الواقع الأليم غير الكتابة؛ فأحاول كتابة ذكرياتي الجميلة وبريقها الذي لايفارق في مخيلتي وشحوب حياتي في الغربة وألمها الحارق الذي يحرق الأحشاء كما يحرق الماضي ويهدد المستقبل؛ فتتهرب مني الحروف وتنكرني الأسطر و يكفهر الوجه، وينكسر القلب حزينا، وتجتاحني موجة من الاكتئاب؛ فيتبلد المزاج وترتعش الأيدي عن الأحزان، ويرتجف الجسم من برودة غريبة تنتابني في عز الظهيرة وفي الصيف الحارق، وتستوطن البرودة الغريبة في كياني وتتغلغل في أعماقي رهبة جامحة؛ فتهزني وتدخلني نوبة من البكاء أو موجة من القشعريرة، وتطوف حولي سحابة من الكآبة والغم الثقيل، فأكفكف دموعي وأكبح جماح مشاعري، وأمسك القلم لعلي أجد منه الأنس والألفة أو أتذكر شيئا فأدون أو يفتح لي شهية الكتابة التي ضاعت مني وافتقدتها ضمن هدير الغربة وضجيجها المطبق؛ فيسكت القلم ويعاندني المداد أن ينزف وأن يسكب دموعه عوضا عني ويلون الورق ما أعانيه!!

وفي خضم ذلك الموقف يبرق الأمل من جديد ويتراقص أمامي طيفه الحريري كأنه يتحرش بي فينتعش الجسد ويكون الوجه صبوحيا طفولي الابتسامة، وتحترق في جوفي غابات اليأس وتكتسح الأمل والصبر في جوانحي..
ما أجمل الأمل في حياة الغريب! إنها تطوف كالنجوم وتهطل كالأمطار؛ لتنثر حبا وحياة جديدة يفوق الخيال..

مشاهد مختارة من 2012 م

يأتي عام ويذهب عام وتمر بنا الأيام والسنون، ويرحل بنا قطار العمر السريع، ويقربنا إلى خريف عمرنا ومشارف آجالنا المحتومة ونهايتنا المترقبة، فحياتنا تشبه قطارا سريعا يجوب البلدان يحث الخطى إلى محطته الأخيرة، أو قارب صغير يشق عباب الماء ليصل إلى مرفئه، وتلك سنة الله في الكون وفي الخلق ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا.

ذهبت سنة وانقضي عام بآلامه وآماله بحلوه ومره وأتراحه وأفراحه، عام مر بنا سريعا كلمح البصر لم نشعر ولم نحس بشهوره المتعددة وأيامه الكثيرة، عام آخر نقص من رصيد عمرنا ونحن في متاهات العنف، وأتون الحرب وفصول الصراعات اللامنتهية، ورحل عنا وما زلنا ننغمس في ملذات الدنيا الفانية ونتعمق في غمراتها المنتهية. عام نتذكر بكل أوقاته و ثوانيه ودقائقه وكأننا أمام صورة مصغرة لتفاصيله وأحداثه!.

عام منحنا لحظات من الزمن الجميل ودقائق لا تتكرر في حياتنا، عزفنا فيها أحلى سيمفونية  في الكون وأعذب ألحان في الوجود، وأهدى إلينا ساعات أضحكنا فيها كثيرا حتى سمع قهقهاتنا المدوية في رحاب العالم الفسيح، وحمل إلينا نفحات من البلسم الشافي، والترياق العليل لجسم الأمة الأجرب، وأدخلنا في نشوة الفرح والفوز، وتراقص الأمل أمامنا وتحققنا أحلامنا العظام وآمالنا الجسام، ووصلنا أهدافنا السامية وغاياتنا الرامية، واجتاحت الابتسامة في جوارحنا بسبب نجاحاتنا الباهرة، عام ررزقنا الله فيه أطفالا كالبراعم نيّري الوجوه طيبى القلوب فوّاحي العطور، عبقهم الأصيل وضحكاتهم البريئة وابتسامتهم الجميلة أنستنا كثيرا عن أوجاع الدنيا ولدغاتها الكثيرة التي أحاطت بنا وبأمتنا.

عام أبكينا كثيرا حتى احمرت أعيننا وتورمت وجناتنا، وترك في نفوسنا آثارا لا نزال نتجرع في كأسها المستعصي على الاندمال، وبدد أحلامنا كثيرا وعبست لنا الدنيا وجهها وأحبطنا وتذمرنا كثيرا بإخفاقاتنا المدوية، عام سقى كأس المنون أحبابا كانوا لهم في القلوب مكانة وفي الحدقات منازل؛ ممن أثروا حياتنا وتركوا بصماتهم الواضحة في قلوبنا، عام فقدنا فيه من قاسمنا معهم فصول الحياة وكانوا كالبدر في حياتنا، وأحلك الليلُ البهيم بفقدهم وعظمة الرزيةَ برحيلهم الأبديّ، ونرجو لقياهم في دار الأبرار.

 كثرت الحوادث المفصلية والتغيرات الكثيرة التي وقعت هذه السنة عالميا ومحليا، ولكن نختار بضع مشاهد  أعتقد أنها الأبرز والأهم في الساحة الصومالية، ولا يعني الصومال هنا الجمهورية الفدرالية الصومالية بخارطتها السياسية وبمعناها المعروف بل أقصد الوطن التاريخي للأمة الصومالية أو الأقاليم الصومالية الخمسة التي تنتمي إليها القومية الصومالية، ولا أضع اعتبارت الحدود الوهمية التي اصطنعها الرجل الأبيض كثير اهتمام، وأعتقد أن المشاهد التي اخترتها ضمن مئآت من المشاهد الأخرى هي التي أثرت الأمة الصومالية سلبا أو إيجابا وحركت المياه الراكدة في مستنقع الصومال.

نحن والديناصورات

جيولوجيا تحكي قصة الديناصورات عن كائنات عملاقة عاشت الحقبة الوسطى من الزمن الجيولوجي سادت الدنيا دهورا (160 سنة كانت الفقاريات الأعم والأكثر في الكرة الأرضية) وصالت وجالت مهيمنة على الأرض ولكنها أخفقت في التكيف مع المتغيرات الحياتية والمناخية والمعيشية التي طرأ على الأرض التي أهمها انجراف القارات وتغير المناخ؛ مما أدي إلى انقراضهم وزوالهم الكلي على وجه البسيطة، ولا يوجد اليوم إلا الآثار التاريخية والمستحدثات التي تدل على بئياتهم ونمط معيشتهم وسلالتهم وتصنيفهم ووجودهم في السجل الجيولوجي والأحاثي، وأنهم مروا من هنا وعاشوا هناك! ولم يبق منها سوى بقايا عظام وهياكل معروضة في المتاحف الدولية.


وسياسيا استخدم مصطلح الديناصورات عن العائلات التاريخية والشعوب التي كانت تسيطر وتوجه العالم، ولكن قلَّ نفوذها بمرور الزمن وتغير الظروف، وقد يكون مصطلحا غير شائع، ولكن بالتأكيد يرمز للزعامات أو الأمم التي تعيش خارج الزمن، والتي تبعد عن العالم آلاف السنين الضوئية، والتي تكرس الجهل وتصدر العنف وتنتج الجهل وترضي أن تكون حالمة في زمن اليقظة، وأن تكون أمية في عصر النانو والتنوير المعرفي.

 قد تكون هذه الحكاية كافية؛ لنعرف أن الحياة مزالق ومطبات وأنها تصلح للأجدر والأمثل، وعنصر البقاء مرهون بتماسك الأمم وتعليمها وتنوع اقتصادها وحفظ أمنها، ومواصلة طريق الحياة يحتاج إلى المرونة والتحمل في كافة الظروف والمناخات والأوضاع، وأيضا يعتبر المقدمة ذات فائدة جمة لندرك مدى الخطر التي تحدق الأمم والشعوب التي لم تستطع مواكبة العالم؛ بل دأبت ضمور الشر للحياة والعيش في العصور المظلمة، والتي تحجرت عقولهم في الاعتكاف والتشبث في الحياة المألوفة والعادات التي تناقلتها الأجيال، مما أبعد تفكيرهم عن التطور وهمتهم عن إلحاق ركب العالم والطموح إلى المعالي، وأفقدهم التواصل ومد الجسور مع الأمم والذكاء العاطفي.

حورية الشاطئ


كنت في شاطئ بديع مسترخيا عند زورق يتراقص على مياه ضحلة تعانق أشجار النخيل. ذاك المساء كان مزاجي عاليا وكنت متأملا بجمالية المكان وشاعرية الموقف وبُعد الأفق الذي يتداخل بالتأني مع زرقة المياه عند منتهى البصر. على مشارف لحظة نادرة من الصفاء أطّلّت عليّ نجمة تدثرت بالجمال وتخمّرت بالبهجة! تحركتْ نحوي بإثارة مفتعلة وخطى ثابتة ترسم أصابعها على رمال الشاطئ لوحة بانورامية رائعة يجملها رزانة عجيبة ومشية "لاريث فيها ولاعجل".
جلستْ بهدوء فوق كرسي خشبي مبلّل برذاذ الماء المتناثر على الهواء لحظة تحطم الأمواج على صخور داكنة يطلق عليها الجيولوجيون "صخور متحولة" لا أعرف كيف تحولت ومتى تحولت ولم تحولت ولكن للعلم آراء عجيبة وتحولات لانعرف كنهها؟. وقفت بطولها الفارع وسط عارضات قصيرات القامة يتبخترن على وقع أغاني غربية صاخبة، المكياج الصارخ والخروج عن المألوف أضفيا على ملامحهن الأسيوية هالة من الأسى وطمس على سحنتهن البارزة.
ذهبتْ بتغن واضح نحو الشمال الجغرافي حيث الرمال الذهبية ومقاهي صينية تقدم وجبات أسيوية مقززة ضفادع مشوية، وعناكب مجففة، وأدمغة القردة، وطبق جراد مقلي، وطيور غريبة وسلاحف تتحرك، وتماسيح صغيرة! الأحاديث والقبلات الساخنة لايتوقفان في ردهات المقاهي وعلى كنف طبيعة تمنح للسياح معزوفة تطرب لها الخيال لجمالها ورونقها وتناسقها.
كان الطقس بارداً فهطل المطر بغزارة مخيفة ورغم برودة الأجواء وبكاء السماء وقفت تستمتع وتغني وتتمايل وتبرز مفاتنها وتضاريس جسمها المتناسق. وعلي صفح الجبال الرملية الممتدة على طول الساحل كشفتْ وجهها ورقبتها عن الخمار؛ فبدا وكأنه البدر في ليلة حالكة الظلام وحركات خصلات شعرها الفاحم أضفى على الموقف جمالا ينبعث من ثغر حورية الجنان.
نظرتُ إليها برومانسية موغلة في البدائية وكأني أرعى إبلي على أعالي بلادي ولست سائحا في منتجع مشهور يرتاده المحبون وعشاق الطبيعة، وممن تجولوا في العالم واستجمموا بسواحل المتعة. وبعد معركة رهيبة في داخلي عزمتُ أن أوجّه إليها التحية كمناورة استراتيجية تلطف الأجواء المشحونة بالترقب والانبهار. ألقيت مرسال كلماتي نحو درب وعر وملامح آسرة غطتهه كبرياء أنثى ساحرة! لم تلتفتْ إليّ ولم تأبه لفضولي بل عزفتْ على وتر اللامبالاة المدويّ وتوغلت في نظرتها المركزة للأفق وكأنها تقرأ تفاصيل الطبيعة أو مصابة بجفاف العاطفة.
حاولت عبثا أن أتقرب إليها وأتواصل معها عاطفيا لكنها واجهت توسلاتي الروحية وإيحآتي الرومانسية بمزيد من البرودة المحيّرة! ليت الأمر توقف عند ذلك بل أخذت انطباعا سئيا وفسرتْ هذه الجرأة حبا للاستطلاع وفضولا ساذجا لصعلوك يتودد إلى قلوب الغواني بكل الطرق، وربما قالت في نفسها هي مجرد حركات صبيانية ونزوة تقوده إلى سندريلا الزمان ومن تغار عليها الظباء ويخفي القمر طلعته استحسانا لجمالها.
وبعد إلحاح مثير من لغة الجسد استقبلتني بنصف ابتسامة باهتة بلا عنوان أظهرت ثغرها وكأنه "شمس تجلّت من غمام"!، جمعتُ قوتي ولملمتُ أطراف مشاعري وأرسلتُ إليها زفيرا ساخنا وجملا متقطعة ماكرة تلبي الحاجة وتفي المقصود ويلفها ضباب الخوف من المآل، دارتْ وجهها الصبوحي 90 درجة بسبب حياء أنثى تقليدي وطغى على تعابيرها أناقة الرضى التي مهدت حوارا باهتا لم يدم طويلا بل أجهضه الزمن كعادته.
غادرتُ الشاطئ وأنا أجر جنين الهوى وخيبة الفراق بعد أن فرق النوى بيننا، وفي سحيق الجوى تذكرت أبيات لأبي حزم، وتمتمت بها وأنا أودع لؤلؤة الشاطئ، ولا أدري هل يجمعنا الزمن مرة أخرى أم هكذا يطبع البين صورته على حياتنا ويفرق شمل المحبين؟ وهل تمر حياتي وتجمّل أناقتها على مسيرتي ولو كعابر سبيل؟!
كيف أذم النوى وأظلمها *** وكل أخلاق من أحب نوى
قد كان يكفي هوى أضيق به *** فكيف إذا حل بي نوى وهوى
استغربتُ ضعف قلبي وسرعة عاطفتي وقصر الزمن، ولكن لا غرو فأيام الربيع أقصر فصول السنة وأروعها. و للمشاعر سلطان على القلوب، وبعض الحب يبدأ من أول نظرة، ولوعته ولمساته الحانية على بساط الطبيعة العذراء يصعب مقاومتهما.
كما كنت بعيدا عن وطني كنت بعيدا عن كنف الوصال وهمسة الحبيبة في هدأت السحر فشكلت الإبتسامة والموافقة الوجدانية إنجازا يكتب بماء الذهب في ذاك المساء الصعب. رجعت بخفي حنين ينتابني الشوق وتلهيني تلك الابتسامة العذبة. ولكن كما جمعتنا نظرة عابرة كانت ستتطور أن لم يجهضها الزمن إلى رحلة وجدانية عامرة قد تجمعنا الأيام على ربوع وطن يمتد بامتداد الإبل والسمرة والمحيط.
أرخي الليل سدوله وسلمت جفوني إلى الكرى؛ فطاردني طيفها وهاجمتني إلف المحبة بلا حبيبة تشاركني لوعة الوصال، وبت ليلتي أناجي طيف غائبة لا أعلم هل أتلذذ بهمس حروفها ونشوة كلماتها وعبق أريجها الفواح؟ أم خلق لغيري ليعيش مسرات لا تنتهي وحبورا لا ينقطع؟ توجهت إلى غرفتي تحت قبة ليل مظلم عاطفيا! كنت منهمكا لتنظيم تراكم الحب في رفوف الذاكرة؛ لأجعل حبي الجديد ملئيا بالشجن.
تمر الأيام والليالي وبعض الذكريات تكون عالقة بين طيات الذكريات وحافة القلوبالذكريات الصادحة من بعيد وفي غرفة حالكة الظلام جعلتني لا أنام ليلاً، بل أغرد وحدي على سراب الغربة كطائر عنيد يغنى لرفيقته على ضفاف عين مدينة بيدوا فتثير شجني وتعذبني في المنافي التي لاتمنحنا سوى الدهشة وتجاعيد تطبع على سمرتنا القمحية بصمات الأعوام.
زرائب الذكريات تؤثر على الأعصاب والمشاعر كفنجان قهوة ترتشفه على مهل في عمق جكجكا ورقصة الطانتو وأغانيها تنساب من بين الأزقات المعبقة بالنضال ودولة القوافي، وتغيّر المزاج كمفارش القات في هرر حيث تستقبلك الجميع بابتسامة حضارية تتوسد مآثر الماضي وملاحم الأبطال وقصور السلاطين وأغاني شجية ذات أوتار خماسية تذكرك كيف يقفز الحب عوائق الطبيعية والحياة، وكيف يتلذذون بصوت العندليب موغي وهو يعزف عوده الطري ويردد مناجاته الشجية مع الحبيبة ويعاتب الجغرافيا ويتذمر عن الأميال والفراسخ والطبيعية الممتدة في جو رومانسي حالم. 
Baal goray Haldhaa iyo Biyoo Dahab lamoodyeey
Buuraha dhaxdeeniyo Badda yaa intuu dhuroo
Bari laga gudbaayiyo Ban cidl’,ah kawada dhiga.
كم أنا مولع بالمقاهي التي تقدم تلك الأغاني كطريقة خاصة للاستقبال والاعتذار معا.

محطة الباص(قصة قصيرة)



في محطة الباص وفي وسط الزحام توقفنا سويا وبصدفة محضة نظرت إليها باختلاس، وتعجبت لها بعفوية غير مقصودة، اجتاحتني موجة من الإعجاب الواضح، وهاجمتني ثرثرة قاتلة تهز الجبال الراسيات، وأصبحتُ فريسة سهلة للحب من أول النظرة-وهذا أسوأ أنواع الحب لمن لا يعرف- كأني من شعراء الرومانسيين القدامى أمثال ويليام بلايك وبايرون وروك هودسون أو من أثرياء موناكو وملوك الأندلس أو من متنعمي بلاط الملوك في عهد الدولة العباسية حين كان الحب والعشق والموسيقي يفيض جمالا ويفوح شذى كسيمفونية رومانية في زمن المغيب .

تغلغل الإعجاب الواضح إلى سحيق قلبي فبدأ السن يضحك والأحشاء تحترق والتف حولي أغصان العشق الخضراء …اقتربت إليها متنكرا باللامبالاة مصطنعة، وربما نسيت الحدود وتعديت إطار المعرفة وأمتار الحشمة! وبما أن الإعتراف سيد الفضيلة فقد كنت مبهرا لأقصى الحدود لتناسقها ورشاقتها وقوامها السمهرى، وتعرضت لنوبة عشق قوية كادت أن تعصف بي لولا المدة الزمنية والتراجع والتراخي الذي دب أوصال جنين العشق في مهده.

همستُ في أذنها أو بالأحرى شممت عطر خصلاتها المتناثرة ولمست شحمة أذنها حتى سمعتْ بوضوح صفير صوتي وأزيز مشاعري وضربات قلبي المتسارعة كأني واجهت طوفانا من أقضية الزمان، وبدا صوتي أشباحا تتلاعب في أطياف الضباب الكييف، قفزت كالغزالة الرشيقة ونظرت إليّ بعينان فإذا”لها مقلةٌ كحلاء، نجلاء، خلقةً كأنّ أباها الظبي، أو أُمَّها مَها”وأخذتْ تبلع ريقها بصعوبة ومسحتْ فمها بظهر يدها ومال لونها إلى حمرة بفعل الحدث مما كسى وجنتبها الجميل ثوبا أرجوانيا كزهرة الأقحوان أو كأوتار كلاسيكية من زمن البهاء في موسيقة طازجة وندية.

الاثنين، 23 سبتمبر 2013

جوبالاند بعد الإتفاقية… إشكالية الصراع وأسس السّلام 2-2



جوبالاند بعد الإتفاقية… إشكالية الصراع وأسس السّلام 1-2

شكّلت جوبالاند في الآونة الأخيرة من أكثر المواضيع إثارة للجدل في أوساط الشعب الصومالي لما لها من ثقل جيوأستراتيجي وإقتصادي وإنثربولوجي جعلها محط الأنظار محليا وعالميا، وسرّة الأزمات التي تتجدد كل فترة في الصومال المنكوب.وباتت المنقطة الأكثر أهمية في الساحة  الصومالية بأكملها، حتي وصل صداها إلي المحافل الدولية وأروقة المنظمات الإقليمية والأممية، وفاقت أهمية بعض المرات الحكومة الصومالية الهشة التي تسير كل يوم وبخطى ثابتة نحو المجهول والإفلاس السياسي والعقم الإداري والإفتعال المخزي للأزمات في جميع الميادين.

الفشل السياسي والأمني والزوبعة الإعلامية والخوف من الرجوع في المربع الأول، جعل الحكومة الصومالية فاشلة بكل المقاييس، وشهد بذالك روّادها وأعلي هرمها السياسي والأمني، ووقعت بين التناقض السياسي والتضاد الأخلاقي والإزدواجية في إتخاذ القرارت، وخلق راي عام يوحي أنها تمارس الإقصاء السياسي لبعض الأطراف. إضافة إلي ذالك فشلت في بسط النفوذ وفرض هيبة الدولة حتي علي أحياء مقديشو التي تئن علي وقع العساكر بشتي مسمياتها وانواعها وإنتمآتها ومشاربها ونياشينها، وأخفقت ايضا أن تجد حلا للمشاكل العويصة في الصومال لأنها ترزح تحت معاناة لاتنتهي بسبب ضعف الأداء وإطالة أمد الفوضي في الصومال.

تتميز منطقة جوبا عموما بأراضيها الخصبة وموقعها الحيوي ومواردها الإقتصادية المتنوعة، وكانت محل إلتقاء القبائل الصومالية الذين إنتقلوا إليها من كل الجهات فترة من الفترات بسبب التزوح السياسي أوالطبيعي وباتت لوحة مشرقة للشعب الصومالي،ومن هنا إكتسبت الأهمية وأصبحت فسيفساء جميلا للكيانات القبلية والحركات الفكرية الصومالية الذين حاولو وبكل الطرق السيطرة عليها بحد السنان أو باللسان، ولم تخرج تلك المنطقة هذه المتاهات بدأ من سقوط الحكومة المركزية وحتي كتابة هذه السطور، وخَلق الصراعُ المتواصل في الإقليم إشكاليات كثيرة تتعلق بالحكم والثقافة والهوية بعد نزوح آلاف من المواطنين إلي دول الجوار.

Gorfeynta buugga "Geylame"

  Buugga “Geylame” ee uu qoray Xassan Maxamuud Qorane, waxa uu nuqul ka mid ah gacatayda soo galay Habeenkii la soo bandhigayey oo ku beegna...