الاثنين، 23 مارس 2015

رسالة إلى حبيبتي

حبيبتي الحب في المنفى كئيب ومرعب وموحش، لأن في الغربة لا يوجد سوى أنين قادم من ينابيع قلوبنا التي نهكها الإنتظار  وأتعبها الترقب، وأضناها الشوق، وترانيم حزينة تكتب شاشة الأفق مواجع العشق وحكايات الحب القديمة، وفي الغربة وحدها حبيبتي نذرف دموع المآقي شوقا للأيام الغابرة، ونستأنس زرائب الذكريات والأحلام الغاربة، ونتعلق بالماضي الفخيم لأنه يشكل الومضة الأخيرة للأيام المتألقات، وما تبقى لدينا بعد رحيل من أحببناهم.

وفي عز الحب الذي بات وخزه المؤلم مألوفا لدينامنذ أن أصبحنا أسيرين للتبعثر الجغرافي المصاحب للصوماليين منذ بداية آخر عقد من القرن المنصرم أهرب إلى لحظات الصفاء وليالي الملاح في سجلات حياتنا، فلا أجدها سوى تلك الأيام الحاضنات دفأ وحبا فأردد سقى الله تلك الأيام ما أروعها.

كنتِ أجمل فتاة رأيتها في حياتي ومنذ أن التقينا مازال طيفك يسري في داخلي، وصورتك تهمس في مخيلتي وتبث في نفسي رحيق الحياة، ومازلت أرفل بهناء الماضي والثياب التي كنت ألبسها في مواعيدنا قبل عتمة العشاء في السابعة مساء، وأنا قادم من جنوب الحيّ بعد أمسية كروية أتعبني طول الملعب وأرهقتني الساحرة المستديرة مع الخلّان وأصدقاء المدرسة، في حين كنتِ قادمة من المعهد، أو من صديقة حميمة كنت تثرثرين معها حكايات النسوان التقليدية، وتتحدثان بإتقان يحسد عليكما عن الأعراس، والأفراح، وحفلات المسرات، وعن الموضة أو الأزياء وآخر ما اشترت فلانة من الذهب والثياب، أو عن المدرسة وقصص الحب المتناثرة في فصولها.

أتذكر تفاصيل جلساتنا الملئية بالمرح وهذيان الشباب، والإنسجام التام ، والهدؤ النفسي، وتبادل النظرات التي لا تخطؤها العين، ، كنا نجلس معا نتقاسم أطراف الحب والأحاديث فيمر الوقت وكأنه يلاحق أشياء ليس يدركها،! وعقارب الساعة تطوى الأوقات طيا حينما ننغمس في لذة العشق وأحاديث الهوى!، أما الأوقات العادية فالزمن يزحف وكأنه راكب ظهر سلحفاة مثقلة بأعباء السنين وتراكمات الواقع.

كنا نضحك معا ونحلّ لغز الحب ومتاهات العشق بمزيد من التعلق والإعجاب، كنتِ حياتي وخلاصة عمرى وزهرة فواحة شذاها يعطر أركان جسدي، وكنتِ عشقي الوحيد وأمنيتي، معا قضينا أمتع أيام عمري وشربنا كوؤس الحب أصنافا ونحن في بداية الشباب أو في زمن المراهقة، في ذاك الزمن لم نكن نتوقع أن تنتهي تلك السنة دون أن ندخل في القفص الذهبي معا، ودون أن تتحد الأجساد نشوى مثل ماتحدت الأرواح في العالم اللامرئي، ولكن كانت أرادة الله عكس إرادتنانا.

كانت نبرات صوتك أجمل الألحان وأعذب من عيدان القيان، وأشجى موسيقى سمعته في حياتي، وكانت حبالك الصوتية وأنت تترنمين كلمات الصبا وجمل الغرام رنات وترية ترسلني إلى بهاء النفس والصفاء النادر، وكانت قامتك السمهرية تسحرني، وتغنج الواضح يبهرني، وعيونك الدعج وحواجبك الزج تذكرني بالأبيات القديمة: إن العيون التي بالوصل تضحكني *** هي العيون التي بالهجر تبكيني.

وبعدها تفرقت بنا سبل الحياة، ورمتنا الظروف بعيدا عن أحلامنا، وعلقت تطلعاتنا نحو تأسيس بيت ملؤه الهناء والمحبة والإحترام المتبادل، بيت مثالي أركانه الودّ، وعنوانه الرفق، وشعاره الرحمة، إلى إشعار آخر، وبدّد الواقع المخزى دوما للمحبين الثملين بسكرة الحب ما كنا نرسمه في أروقة الحب ودواوينه الخازنة لأشعار الهجر والوصال،  وتحولت أحاديثنا إلى أشجان،  ولقآتنا إلى ذكريات أيقونية نعزف على وقعها سيمفونية الشوق.
ويدهشني الفراق المرسوم بدقة قدر الله المتناهي!، لم نكن نتوقع أن السفر القريب إلى العاصمة مقديشو في صيف ذاك العام الصاخب بمشاعر الحب وشعار السياسات المصحوب باللافتات والمظاهر الإسلامية يتولد عنه كل هذا البعد وهذه المسافة والفراسخ الزمنية التي أحالت حبنا إلى أحلام، وأحلامنا إلى أمنيات، وأمنياتنا إلى كوابيس لا يطاق، ولم أكن أتوقع أن رحيلك إلى الجنوب الجغرافي سيتولد عنه هذا الألم.

إنطلقتِ جنوبا وانطلقتُ شمالا وتمادينا في البعد والنوى حتى شارفتُ حدود قارتنا الشمالي، وعشت سنوات ملئية بحكايات المنافي في الخرطوم  وعلى رحاب جامعة افريقيا العالمية، كما قضيتُ وقتا ماتعا على ضفاف النيل وحدائق المقرن وساحات السودان عامة وأنا أرفع شعار العودة والترقب الذي هو نوع من العبودية، وصاحبت الأماجد  وزاملت الأكارم في الأحياء والأزقات، ودرست الجيولوجيا وأكلت الفول صدقين الكادحين وشربت الشاى بالكركدي والنعناع، وغردت وحيدا في جزيرة الفراق والحنين، واكتويت نار الغربة والموجات المؤلمة للمشاعر والأحاسيس الوجدانية وأنا  أتوغل في الدروب التي يطول فيها العبور، وأتجول أدغال قارتنا الجميلة بشعبها وبطبيعتها الخلابة.

في حين كنتِ تتوغلين في أحراش افريقيا وتعيشين في أقصى الجنوب وبلاد مانديلا في الكيب الغربية، وتستجممين جبال تيبول وقرص الشمس الدافئ فوق الشواطئ الذهبية وعيون المناجم الذهبية، وتقضى أحلى الأيام قرب المعالم الأثرية والقلاع التاريخية لكيب تاون زهرة المدآئن وموطن العشاق وقبلة السياح، وبعدها طالت الغربة فرجعتُ أنا إلى حيث بدأنا الحب وغرسنا معا شجرته الوارفة، أما أنتِ فمازلت تركبين سفينة الغربة ومازال زورقك السريع يتقلب في عباب أمواج المنافي في داخل بلاد عم سام أمريكا أو بلاد الفرص والأحلام كما يقولون.

 دار الزمن وتوالت الأيام وعز المزار وصعب اللقاء، ولكن كان حبك نبض يردده شراييني، وخيط الحب المقدس لم ينقطع يوما، بل كان حبله قويا يربط نبضات قلبي بأنفاس روحك، ولم يتحمل القلب أن يؤسس للحب منارة غير منارته الأولى، ونسمات الصبا لم تزل تهب من مشارف قلوبنا إلى باقي الجسم الخازنة للذكريات وربما الألم المصاحب للفراق.

الأحد، 15 مارس 2015

مواجع القرية


كانت ليلة شتائية معتمة وباردة، نباح الكلاب تزداد مع ازدياد البرودة. الصدفة وحدها قادت محمود إلى تلك القرية الغريبة حيث مشى مختفيا في دروب كئيبة ممتدة بمحاذات الساحل تضئيها قناديل تومض في العتمة، هموم الحزانى معلقة بين أكواخ تتدلى على التلال الرملية، وساحات ملئية بأخبار الأيام، وجثث القتلى، وهياكل بشرية تقاوم الطبيعة.

القرية صامتة ومبلولة بالمعاناة، والأحياء مكتظة بالسكان، وصيحات الشبان، وبكاء الأطفال الموجع، الحارات لا تفوح عنها سوى الفقر والملامح النابضة بالسمرة والحيرة. هناك وعلى أمام أطلال بيت غيرت الحروب وجهه يقف طفل سمين متسخ الثياب كث الشعر وأصبعه لا تفارق في منخره بطريقة مقززة، وعند الطفل ولكن أمام بيت مطل على المحيط ينام شاب أتعبته الحياة ويطلق شخيرا كصافرات الإنذار قوة وتتابعاً.

وهنا وفوق حصير الألم شيوخ إنحنى الزمن ظهورهم ورسمت السنون تجاعيدا متوازية على وجوههم يلعبون الشطرنج على وقع ألحان بدوية وضوء القمر،  يصخبون ويتعاركون ويصيحون ثم يسكتون وكأن لم يكن!، وعلى بعد أمتار قيلة من ضجة الشيوخ نسوان إمتلأ العوز في جسدهن نحافة حتى ذابت التضاريس واختفت المعالم يثرثرن كعادة حواء، وفي وسط القعدة النسوية التقليدية تحاول إمرأة طويلة وسمينة بعض الشئ تنظيم الجلسة بغير جدوي. أناشيد الأحزان متدفقة في أحياء القرية المقرونة بالعنف والقتل، والجماجم مفروشة في طرقاتها، والمباني العتيقة تجعل القرية أكواما من الرماد والركام.

على غير المألوف  صمدت القرية على وجه الزمن وتغيرات التعرية السياسية وما أكثرها في وطننا!، وبعد أن هجر السكان جميع القرى القريبة لها لم يترك واحد من سكانها الشرسين، القرية الغامضة ظلت لغزا محيرا في نظر الغرباء طيلة عقود أما في نظر سكانها فهي أجمل مدن العالم، لأنها تملك ساحلا خلابا تزينه أشجار النخيل وروابي مطلة على البحر، وطيورا تصدح باستمرار فوق زواهر أغصانها، وعلى بعد عشرين كيلو متر يوجد غابات كثيفة يعيش فيها جميع الحيوانات البرية مما يشكل رافدا سياحيا واعدا.

***
كان حلق محمود جافا وهو يرى عبر أزقات القرية صورة لأزمنة مضت لم يتوقع أن يجدها إلا في الإيقاعات التاريخية للماضي. هاجمه أطياف من التوتر عندما اقترب إلى نهاية القرية المخيفة، وقبل آخر يبت من بيوتها ظهر أمامه شبح لم يتعرف عليه في أول الوهلة لبعد المسافة ولضبابية الأجواء، في عمق الأفكار المتناقضة أصبحت الحياة من حوله مظلمة وقاتمة، وبدأت ضربات القلب تتصاعد، وسرى في جسده موجة من الخوف ورعشة غير مقصودة، وفي عز البرد تصبب العرق من جبينه، ما أطول لحظات الخوف وساعات الحزن! يسيران بتمهل ويظلان يعكفان على صدورنا.

إقترب الشبح أكثر فأكثر، واتضحت ملامحه، إنه (بُرالي) الرجل الذي ملأ الدنيا خوفا وقتلا وتلذا بتعذيب الضحية!، كثيرا ما سمع اسمه المقرون دوما بالدماء والترويع والنهب، سار ذكره بالركبان، وبات حديث السمار، وحكايات الجدات الطاعنات، وغولاً ينام على وقع  خوفه الجميع، مع أنه لا يملك جيوشا جرارة، ولا عربات مصفحة، ولا تكتيكات عسكرية تعجز عنه الآخرين.

رأس ماله الشجاعة والجسارة وعدم التردد، لا يخطر الخوف أبدا في قلبه، يركب في عقله ولا يستمع لقلبه أبدا، ولا يكترث سجلات الماضي ولا الحاضر، متعجرف لأبعد الحدود، مغامر لا يوازن الأشياء، وقاسي لا يعرف الرحمة، في تاريخه السوداء يقال أنه شعر الرحمة في موقف واحد، وكانت حينما أبكت فتات صغيرة كعمر الزهور خافت أن تنهشها الذئاب في جسدها الطري، صرخت على وجوههم تتوسلهم وتطلب منهم الرحمة وتناشدهم وتذكرهم بأخواتهم وكيف شرفها تعادل شرف إخوانهن، وجّهَ شقيهم لكمة أفقدت الفتاة وعيها على الفور.

وفي أثناء غيبوبتها حاول إغتصابها فوجه برالي على صدره رصاصة أردته قتيلاً، وبعدما سأله رفاقه قال: نحن لا نغتصب الأموات فتعجب القوم جميعا لأنه يدرك أن الفتاة تعاني من الغيبوبة وليست ميتة، وبعد برهة من الزمن ذكرهم بالموقف وقال: لا أدري لماذا تذكرت هذه اللحظة أختي الصغيرة التي ماتت في بداية عام 1992م حينما اغتصبها أفراد من الموريان في الضاحية الجنوبية للعاصمة.

كان طويلا نحيفا وجميلاً!، نظراته العدوانية دوما تخرج من عينيه الغائرتين في محاجرهما، شواربه معقوفة إلى الوراء وكأنها تخاطب أصداء السنين أو تشير إلى تعابير وجهه المكفهر دوما وأنفه الطويل وبشرته السمراء، لم يكن يوما ممن يهاب عن القتل وسفك الدماء، والتوغل في الأحراش أو التنقل عبر متاهات الصحاري ومطبات البحار، ولم يخضع لإرادة غيره من الناس في يوم من الأيام، ولم يلق عصى القتل والتخويف والترحال وإن كان عمره تجاوز السنة السابعة بعد العقد الخامس؟.

حياته بطولة مطلقة للعنف والمشاحنات واﻹزدراء واللامبالا قاتلة ومخاطبة الناس وكأنهم ذباب على أرنبة أنفه، وقصصه مرعبة وأحاط حياته هالة من الذعر وحكايات محزنة من القتل الجماعي والسرقة ومصادرة الحقوق والحريات ونشر الفوضي والرعب في قلوب السكان والمواطنين، وقد دأب الهدم والدمار والفوضى، وتمادى في العربدة و لم يستطع أحد ردعه أو تخويفه.

الأربعاء، 11 مارس 2015

صدى الأيام (3)


     ومن الأسرة التي عاشت في جوف اللهب وكانت حياتها بطولة مطلقة للمعاناة  بعد إنهيار الحكومة الصومالية وإنفراط عقد الأمة وبعدما ركب الأمن في كف عفريت أسرة (عَنَبْ) المكونة من خمسة أفراد حياتهم كانت تسير بدفء المحبة وروابط الإحترام المتبادل، ويعيشون حياة الرفاهية والكرامة في حي بونطيري في العاصمة الصومالية مقديشو.

الأسرة العريقة ذات التأريخ الناصع في السياسة الصومالية كان محمد الذي يعيش في إيطاليا منذ ثلاثة سنوات التي ذهب إليها ضمن البعثة العسكرية المرسلة من قبل وزارة الدفاع الصومالية نهاية عام 1987م بكرهم وولدهم المحبب، لأنه جاء بعد فترة طويلة من عدم الإنجاب مرة عليها الأسرة، فكانت ولادته حدثا طال إنتظاره مما جعله مدلل الأسرة وحبيبها بدون منازع.

إجتهد في الدراسة العسكرية ونال معظم الجوائز التشجيعية التي تمنحها المؤسسة العسكرية الإيطالية المدربة والمؤسسة العسكرية الصومالية على السواء، وبعد ثلاثة سنوات من التدريبات الشاقة والدراسة العسكرية المكثفة نظريا وعمليا قارب الإنتهاء والتخرج من الكلية العسكرية في مدينة تورينو في الشمال الإيطالي.

الشوق يحدو محمد والأسرة معا رغم انه رجع إلى الوطن  قبل ستة أشهر وتزوج زميلته في الثانوية هدن أحمد وذهبت معه إلى إيطاليا، وهناك وعلى ضفاف المدن الإيطالية الخلابة يعيشان حياة ملؤها الحب والهناء والتناغم والإنسجام التام، أما اسرته هنا وخاصة أمه حوّاء فهي تعد الدقائق والثواني ولا تستطيع أن تنتظر عودة إبنها ومعانقته، وأن ترى أحفادها وهم يلعبون عندها.
أما عمر فتخرج للتوّ من كلية  الجيولوجيا لجامعة الأمة وأصبح معايدا لنفس الكلية وهو يحاول أن يجد دراسة في الخارج ليتخصص التراكيب الجيولوجية التي أصبحت متعته أثناء الدراسة، كانت الصفائح التكتونية والأخاديد العظمية والتكوينات الصخرية ونشوء الجبال تذهله، ومنتصف أعراف المحيطات وبداية العالم تجعله يتعلق بهذا التخصص الذي يعد بمثابة الطبيب للأرض.

 أما الصغيرة جُباد  التي يعني إسمها الحرية ولدت عام 1977م إبان الحرب الصومالية الإثيوبية أو حرب أوغادين كما اشتهر لاحقا، وكما يبدو على إسمها فهي ولدت مرحلة حساسة من النضال الصومالي المتجدد ضد التجزأة والتفرقة، وإسمها يلخص أشواق الصوماليين في تلك الحقبة للحرية وتوحيد أجزاء الوطن، لقد كان الشعب الصومالي يتنفس الحرية وشرب النضال من أعلى شعرة في مفرقه إلى أخمص قدميه، وشاعت أدبياته بينهم وأحبو المناضلين حتي إشتهر في تلك الحقبة إطلاق المواليد الجدد بأسماء المجاهدين ومن حملو لواء التحرير والملاحم، أو إطلاق الحرية وألقاب الوحدة التي تدل على أن الشعب الصومالي كان متحد الأفكار، متناسق الأشواق والرؤي، قبل أن تنهار دولته وتنهار معها الأخلاقيات والقيم الصومالية النبيلة.

الثلاثاء، 17 فبراير 2015

أطلال وطن

أتربع فو تل رفيع مصنوع من الرماد والركام، وبقايا أطلال لوطن يئن ويتوجع حرقة وأسفا.
أتأمل  على صفحة وطن ملئية بالفواجع، والمآسي، والحروب، والمجاعات، والتشرذم.
وطن بلّلته دموع القلوب الحزينة، وضاع في ممرات التأريخ وأزقات الزمن المتداخلة.
وطن جبروت الصراعات جعلت شاشته الناصعة ملطخة بالدموع والدمار والدماء.
وطن أجرس الندم وأناشيد الأحزان تقرع في البيوت والحارات، والأزقات المؤدية إلي الصدع والصدى.
وطن دقات طبول الكراهية تزيد فجوة التبعثر الجغرافي، وتبدد حلم الدولة المرسومة على مخيلة البسطاء.
****
الفن الأصيل والأغاني المترعة بأريج العشق ومرح المحبين وهذيانهم، أصبحت صورة لأزمنة مضت تذرف الدموع لذكرها.
 الحبال الصوتية، والألحان الندية التي تختصر مسافات الجمال وفراسخ الإبداع ،طمرتها رياح التبلد والتقليد الأعمى.
وفقدنا الألعاب الفلكورية، والرقصات الشعبية، ومجالس الشعر والغناء، وتكايا السمار،  والألغاز، والحكم،والأمثال.
***
لم تعد الأعشاب الربيعية ترتعش على هامات الجمال منتشية بندى الصباح أو نسمة ليلية تغازل الريحان.
ولم تعد هديل الحمام تحرك الوجدان، وتغريد القمرية يملء جنبات الوادي في الشروق زقزقة وألحانا.
ولم تعد المياه الصافية تتموج على صفحة النهر،  وهي تطلق خريرها الممزوج بموسيقى الطبيعة في هدأت السحر.
ولم تعد المدن تستقبل الشعب بإبتسامتها المعهودة، بل أصبحت لافتات للأشباح، والموت المطلّ رأسه في كل زاوية وركن.
ولم تعد العشيقة تعزف سيمفونية الحب وهي تصنع من سردها قصة بانورامية تتغنج الأتراب في ذكرها طربا وهيجانا.
****
وإختفت الإبتسامة  علي جبين السمراوات، وطمرت الفاقةالغمازة اليمينية لجارتنا، وتبدلت المحاسن وهزل الجسد.
ومات الحاج على أوسع الحارة ضحكا وأنداهم كفا وأغزرهم علما، ورحل حسن نور قائدنا في الملاعب وخارجه.
وجعلت الفواجع والمآسي المتتالية كحبات المطير الوجوه متاحف خازنة للخوف والهلع، وملامح عاشقة للتشرد والترحال.
جفّ الضرع، وأندثرت المعالم، وتحولت المساحات الخضراء إلي صحراء عتمور، والغابات إلى ميادين للفحم والتلوّث.
***

السبت، 14 فبراير 2015

كسمايو..أريج الذكريات



الحديث عن مرفأ الذاكرة والمدينة التي تحتضن كل الأحاسيس والذكريات والأشجان ليس سهلا كتابتها في قصة أو رواية ناهيك عن عدّة سطور، في ذكر الأحبة و شذى ألحان كسمايو تتساقط علىّ المشاعر، وتتزاحم الأفكار في خيالي، وتتراقص الأشواق على وقع أنغام الذكريات العارية، وأقع في عمق النوستالجيا والترحال إلى الماضي الفخيم، والحنين إلى أماكن إختفت بفعل السياسة والزمن، فيخونني التعبير ويعجز القلم عن نسج الكلمات المشحونة بعشق المدينة وطيبة الإنسان.
تغازلني كسمايو وتأسرني بجمالها وفي غمرة الحنين الذي يذبحني أطالع جمال المدينة وبهاء الإنسان عبر زرقة السماء، والحنين الشارد إلى ضفائر السمراوات، وعيون البسطاء، وأحلام الكادحين، والشوارع الترابية، والسواحل الخلابة، وزرائب الطيور الحاملة رسائل الحب ولسعات الشوق، والبيوت المتلاصقة العامرة بصخب الأطفال وهمسات المحبين وقصص الحروب وأحاديث الحزانى.
عندما كنت في المنفى الإختياري وبعد يوم جامعي طويل في الخرطوم، كنت أتمدد فوق سريري واضعا رأسي المثقول بآلام الغربة وصعوبة الحياة على الوسادة متحملقا بسقف البيت والمروحة العتيقة التي تدور كبندول مهترئ، كانت الدراسة تأخذ الحيز الأكبر من وقتي ومحادثة الأصدقاء كانت المتنفس الوحيد في ظل غربة تحتنفني، ورغم ذلك كنت أفتح من قلبي نافذة مطلة على بلدي، خاصة معشوقتي عروس المحيط كسمايو المترنحة تحت عبأ الحروب الأهلية، والحركات المهوسة بالقتل والدمار، وقبائل تائهة في موجات متقاطعة من حرب عبثي لا ينتتهي.
كنت أتذكر الأيام الخوالي في رحاب الأهل وأحضان الأمهات الدافئ، والزمن الجميل، والوجوه النابضة حبا وجمالا، والطرق الترابية لحارتنا  الذي يحكي قصة أجيال وأجيال، هنا مرت القوافل الأولي للساكنين جنوب الجنوب، وهنا سكن الأجداد بعد رحلة طويلة وشاقة من الهضاب إلى السهوب، وهنا جلسنا الليالي الطوال وقصصنا حكايات أغرب من الخيال، حكايات طفولية مضحكة، وأحاديث صبيانية ملهية، هنا نسجنا روايات المراهقة بإتقان، وهناك تعلمنا عن الحب ومبادئه، عن الهجر والوصال، والعيون الدعج والتغنج العجيب، وتبادلنا النظرات الحاملة للحب والعشق السرمدي، والأجفان الناعسة بطول السهر وسهام الهوى، وفوق جبين الطريق المعفر أسهبنا في تحليل المباريات وتشجيع الفرق والتعلق الواضح للساحرة المستديرة.
لا أنسي التفاصيل الصغيرة لحارتنا الواقعة في جنوب حيّ فرجنة العريق، أمام بيتنا وعلى بعد مسافة قصيرة يقع منزل عبدالناصر صديقي الذي هاجر إلي أمريكا بعد سنوات الصداقة الممتدة بإمتداد الوطن، أصبح فاقعا كمشاعر الغريب وكأنه يحاكي مشاعر صديقي في منفاه هناك في بلاد عم سام أمريكا أو أرض الفرص كما يقولون. وكان عبد الناصر قاصا مثاليا قلما يجود الزمن مثله في الحفظ والسلاسة والتفنن والحرفية العالية من الإنتقال الأنيق من قصة محزنة إلى قصة مبكية، ومن حكاية موجعة إلى حكاية مفرحة، ومن الأفلام الرومانسية إلى أفلام الرعب والحروب، كان يحفظ ملايين القصص وآلاف الحكايات ومئات الأساطير المستوحاة من الأفلام والخيال، ومن الواقع المؤلم، أو من الميثولوجيا الصومالية الملئية بمثل هذه القصص.
وعلى شمال بيتهم يقع منزل بشير بعولي الأسمر الطويل صاحب الصوت الجهوريّ والصدر الواسع، كان سياسيا لبقا ومحنكا عزف على جميع الأوتار السياسية الممكنة في القرن الإفريقي لديناميكيته السريعة وعقليته المبنية "السياسة هي الفن الممكن" في صغرنا كنا نقول هو ممثل لدولة معيّنة في كسمايو  لم يكن ظننا صحيحا أبدا، بل كان من إنتاج الخيال الصومالي المريض المؤمن بنظريات المؤامرة والعدو الخارجي المتربص، رغم أن المعول الصومالي يهدم كل شيء ولم يترك ما يهدمه الغريب، والآن يتمايل مع نغمات طانتو وعلى وقع صوت أحمد بُدل هناك في جكجكا مهد اﻷدب والقوافي، ولم يرجع إلى عروس المحيط كسمايو منذ عقد من الزمن .
ويظهر عبر صورة الخيال منزل على لهلي الرجل المهوس بالإقتصاد والكرة، وفي جوار بيته يقف شامخا مبنى أول مدرسة قمت بتدريسها عام 2005م مدرسة إفتين الإبتدائية، ولا أنسى المسجد الصغير الذي كان الشابان الصديقان اﻷحمدان قوفلي وزميله قاما  بترميمه وتجديده، وجابر المؤذن الخلوق والقارئ الصامت، صوته المميز يهز جنبات الحارة ويوقظ النائمين عن الصلاة فجرا، في مقتبل العمر وعلى رحاب هذا المسجد كنت أصلي الناس صلاتي الفجر والعشاء، الأحمدان عاشا في الدنيا كريمين جسدا اﻷخوة الصادقة والزمالة الحقيقية ورافقا إلي الرفيق اﻷعلى وإلى الفردوس إن شاء الله .
ومن الأماكن الملتصقة في ذاكرتي الطريق إلى ميناء كسمايو وشاطئ ليدو الذهبي، ويحمل هذا الشارع الذي يعد أجمل ما بقي للأمة وللوطن بعد إنهيار الحكومة الصومالية أشجانا وأحزانا، ويضم في داخل طيات إسفلته الباهت مئات القصص والمشاهد، ليالي مترعة بالبهجة، ودولة صومالية قوية، وعبث السنين، وأخبار اﻷحزان واﻷفراح، ويوميات حزينة لمدينة أثرتها التقلبات السياسية والحروب اﻷهلية.
يعد هذا الشارع الذي بني في أواخر حقبة اﻹستعمار وباكورة أيام الدولة الصومالية من أهم شوارع كسمايو المدينة الإستراتيجية، حيث يربط المدينة بالميناء الرئيس القلب النابض للمدينة إذ تمنح عليها البضائع والسلع وجميع ضروريات الحياة القادمة ما وراء البحار هناك في التنين الصيني، او الهند بلد العجائب، او دبي المركز الإقتصادي العالمي.
في صغري تعودت أن أمشي عليه ذهايا وإيابا وأنا أتجه إلي الساحل والضفة الغربية للمحيط الهندي ﻷمارس هوايتي المفضلة مداعبة الساحرة المستديرة على الهواء الطلق والرمال الناعم، أو التفرج بجمال الميناء والجلاميد المتناثرة التي تشكل حاجزا منيعا بين الميناء والمحيط، والثكنات العسكرية للبحرية الصومالية الواقعة في الأنفاق داخل الجبال المحاذية للمحيط الهندي .
كنا نعد اﻷيام والساعات ونحن ننتظر يوم الخميس عنوان السعادة والحبور في عقل طفل حرمته الحروب جميع الألعاب الطفولية، ما أبسط أمنيات الطفولة! لعبة وتجوال، فضفضة ونقل اﻷساطير  وسرد الحكايات الموغلة في القدم، كبرنا وذهبنا إلى أصقاع العالم نحمل هموم الوطن، وأحلاما برئية تنتظر التحقيق، وتغيّرت الملامح واقتربنا شيئا فشيا نحو الكهولة،  ورحل البعض الى سكون القبور وغمرت الغربة بعضنا، وما زال هذا الشارع يخزن ذكريات تأبى النسيان، وآثار أقدامنا الطرية مرسومة على جبينه المضحاك.
أما بيني وبين شاطئ كسمايو الخلاب بروعة منظرة وجمال مياهه وزرقة أفقه الصافية علاقة حب لا تنتهي منذأن كنت يافعا لا أفكر سوى الدراسة في الصباح والكرة والتسلل إلى الأفلام والسينماء التي كانت تبهرنا بعرضها الخلاب وتمثيلها الساحر المصحوبة بترجمة أنيقة لأفلامها الأجنبية إلى اللغة الصومالية في المساء، برفقة الطيبين أمثال أخى الشهيد حسن نور، وصديقي المغترب إبراهيم، ومحمد عرمالي، وعبدالكريم باخا، وطوح عبدي يوسف، وعبدالرحمن معلم، ومحمد مصطفى، وآخرون دافعنا معا ألوان فريق مدرستنا في الصغر، وشكلنا مجموعة قوية في العراك والشجار في مرحلة المراهقة، وفي الكبر بعضهم رحلوا من البسيطة وأعبائها إلى سكون القبور وسكوت المراقد، وبعضهم غيبتهم الغربة وأبتلعتهم المنافي الشاحبة، وبعضهم مازال قابعا في سجون المستبدين والزنزاناة الإنفرادية لمصادري الحقوق ومكبلي الحريات.

الاثنين، 26 يناير 2015

أردوغان.. رجل المواقف الخالدة

أردوغان شخصية أبهرت العالم، وأجمع محبوه ومبغضوه أنه الشخصية الأهم في العالم الإسلامي، والسياسي الأكثر حضورا في أروقة السياسة وفي ذاكرة الشعوب ومجالسهم ولسانهم في العقدين الأخيرين، لمعت شخصيته على سماء العالم الإسلامي الذي كان يمر بداية الألفية الثالثة فترة عصيبة، أحجبت فيه غيوم اليأس والإحباط جميع الأفق، وأغتال السياسيون البلهاء الأحلام المشروعة للشعوب في رحم الغيب، وأستعبدت القوى الغربية البشر  وحتى الحجر، وأنعدم في الساحة قائدا ملهما تعلق عليه الأمة آمالها، ويمثل الشعوب المغلوبة بمواقفه ومبادئه..
بزوغ نجم أردوغان الذي كسر عن الصورة النمطية لتركيا العلمانية التي تحمي تراث الأتاتوركية، وتلهث وراء الغرب، وتنكر الثوابت والمقدسات من أجل أن تكون عضوا في الإتحاد الأوروبي لم تأت من فراغ، بل كان تخرجه عن مدرسة الإئمة والخطباء لها أثّر كبير في قراراته السياسية ونظراته الإدارية، لأنها أصقلت ذهنه وأثّرت شخصيته لاحقا، حيث تركت النشأة الدينّية بصمات واضحة من التّديّن والإنتماء الإسلامي قلبا وقالبا، والإقتفاء بأثر الرسول والصحابة الكرام، وهذا مما ساهم أن تعود الدين الإسلامي إلى مكانتها الطبيعية في تركيا الحديثة، وجعلته رجلا في زمن قَلّ فيه الرجال، رجلا بتمسكه الكبير لتعاليم دينه، ورجلا بسلوكه القويم، ورجلا بصمته، ورجلا بكريزميته الخاصة، ورجلا بوفاء عهده، ورجلا بصدقه وحنكته، ورجلا بقلبه النابض حبا وعشقا للإسلام وأهله.
جعل تركيا دولة محترمة عالميا، وقائدة سياسيا، وكبيرة إقتصاديا تقارع الكبار والدول الغنية، بعد أن كانت دولة منهكة إقتصاديا، وعملاقا مريضا يجرى وراء أوروبا، ويدير ظهره للشرق الإسلامي والعربي الذي كان يوما من الأيام ولايات عثمانية تحميها الأتراك، ولو بصفة الخلافة الإسلامية التي إنهارت بفعل المؤامرات الصهيونية والصليبية والضعف الداخلي، والتغير الكبير الذي طرأ على السياسة الخارجية التركية بعد مجئ حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان ورفيق دربه غول، والشوط الكبير الذي قطعته تركيا نحو التطور، والتنمية، والرفاهية، والإنتماء الواضح إلى الشرق والجذور الإسلامية، ندرك من خلال كلمة الرئيس أردوغان في مؤتمره الصحفي مع الرئيس إسماعيل عمر جيله في جيبوتي:
(تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، ومنظمة التنمية والتعاون الاقتصادي، وفي العديد من المنظمات، فلماذا لا يتم قبولها في الاتحاد الأوروبي؟ إذًا ثمة سبب آخر لذلك، إنَّ تركيا اليوم قوية، وإن كنتم تظنون أنها ستقف على عتبة بابكم، وتتوسل إليكم الانضمام، فتركيا ليست بالدولة التي تتوسل، بل هي دولة تعرف كيف تنهض بذاتها، تركيا دولة تتطور يوميًا من خلال صناعتها، وزراعتها، وطاقتها، وتعليمها، وصحتها، وغيرها من المجالات، فإن قبلوها بهذا الإصرار في الاتحاد، انضمت، وإلا سترسم طريقها بنفسها) .
قائد يثق قدراته ويؤمن رسالته ويحقق أهدافه النبيلة، ويسعى إلى نشر أهدافه ومبادئه، لم يغتصب السلطة، ولم يسرق الأصوات، ولم يصدر الحقوق، ولم يكمم الأفواه، ولم يقفز إلى رأس السلطة، ولم يبدأ مشواره السياسي عن رأس الهرم، بل هو زعيم محنك تدرج في العمل السياسي والكفاح الوطني منذ شبابه حين كان يافعا في حزب الخلاص الوطني بقيادة الزعيم أربكان، وحتى بعد إغلاق الحزب وإنضمامه إلى حزب الرفاه في منتصف الثمانينيات من القرن المنصرم، إلى أن أصبح عمدة إسطنبول التي كانت مدينة شرقية غارقة في الزحمة والقمامات فحوّلها إلى عاصمة عصرية، ومدينة تستقبل سنويا أكثر من 13 مليون سائح من مختلف العالم حسب تقرير صدر عام 2013م.

الاثنين، 5 يناير 2015

صدى الأيام (2)



جئنا إلى المدينة الفاتنة بكل أضوائها وتعقيداتها ونمط حياتها الصارم والمغاير لما ألفنا به في البوادى والقرى الموغلة في جغرافية الوطن المترامي، وأبهرتنا ردهات المدن المجهولة وعيشها الصعب، والمدينة ليست مثل البادية بل تتطلب معرفة دقيقة لكنهها، وعلما واسعا لتفاصيلها، وفي مجارات إيقاعها السريع ونبضها الحيوي المتدفق ما يدعو إلى التعب والتحمل الشديدين، وهذا ما رسبته الجموع الصومالية إلا قلة نادرة، ولم يتكيّف بها الشعب الصومالي الذي يحمل في جيناته تمردا واضحا للتمدن والمدنية بشكلها المعروف عالميا.

 تخبطنا في المدينة وحياتها، وتهنا في سراديب الدولة الحديثة وأجهزتها، وفشلنا في إدارتها وقيادة سفينتنا العملاقة نحو المراسئ الآمنة، وفقدنا الإنضباط الذي هو سمة الدولة، لأننا في مرابعنا النائية، وقرانا المتناثرة على طول البلاد وعرضه، ومدننا المطلة على المحيط، أو تغفو على حضن الشواطئ، أو الوادعة في جبين السهول مارسنا الحرية المطلقة بأبهى صورها، حيث عشنا ونحن لا تصل إلينا رقابة الدولة، ولا قوانين الحكومة، ولا عين الشرطة، بل يعيش المرأ في باديتنا حرا طليقا لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ويمارس الحياة بطريقته الخاصة في داخل حكومة القبيلة ودولة الحيّ.

وعند الصومالي المتمرّد فالحرية أهم شئ في حياته، ولا يستطيع أن يعيش إذا سلب منه هذا الحق الأصيل، أو شعر مصادرة حقوقة الأساسية، وإنتهاك حرمته وفقد الحرية التي تشكل تاجا يومض على هامة هذا الشعب الجامح، والوصايا الإنجليزية في هذا الشأن إبّان الإستعمار والحقبة الكولونيلية الأوروبية معروفة ومتداولة في أروقة الحكم والمتاحف الإنجليزية.

توالت الأيام وسار بنا الزمن حتى وقفنا عتبة عام التسعين الميلادي، الذي حمل إلينا الحروب، والتشرذم، والمجاعة، وأطنانا من السوء والسواد، ووصلنا الحال إلى أن دمرنا وطننا شبرا شبرا، وميلا ميلا، وفرسخا فرسخا، وأن نبيع كرامتنا عيانا ودون تأنيب الضمير، وأن نقتل الأرواح بأتفه الأسباب وأوهى الحيل، ونزهق النفوس البرئية بلا سبب!، ولايعرف القاتل بم يقتل ولا المقتول بم قتل،! هرج ومرج، دماء ودموع، دمار وركام، آهات وآلام، وهموم الحزانى يملأ المكان، وأنينهم يوجع القلوب، وبكاء الأرامل يذيب النفس، وفوضى عارمة، وجنوح نحو القتل والإبادة ومص الدماء بطريقة بربرية بشعة لا تمت أي صلة بتعاليم ديننا الحنيف، والموروثات الثقافية والعرفية للشعب الصومالي.

وتمادينا في الحيل اللئيمة والطرق الملتوية، نبقر البطون بجنون، ونشرب الدماء بنهم، ونمزق الوطن بوحشية، ونصادر الحريات والحقوق بعجرفة، ونقبر الأحلام بعنجهية، ونتلذذ في القتل وإيذاء الضحية كاننا مردة الشيطان أو كائنات غريبة جآت من الكواكب الأخرى أو الضفة الأخرى للحياة!،حولنا المدن  إلى ركام من رمال وأكواما من رماد، وجبالا من المزابل والقمامات، وأنهارا من البالوعات النتنة، وأزقات مخيفة ومرعبة، وجعلنا مرح الطفولة ميادينا للموت وساحات تقطر منها الدماء والدموع وتتصرم بين ثقوبها أحلام الشعب والحياة الكريمة.

الجمعة، 2 يناير 2015

صدى الأيام (1)

كانت الصومال منذ القدم مكانا لأنبل الرجال وأجمل النساء، وموطنا يحضن رجالا نحيلي الأجسام، بيضي العمائم، سمر الجباه، مزركشي الأثواب،  الإبل كان مفخرتهم وأساس حياتهم في مضاربهم الممتدة بإمتداد شرق أفريقيا، ومجالس الشعر، ونوادي النثر والسمر على ضوء القمر قرب مبارك الإبل أو مشارف الحي متنفسهم الأجمل. الروابى المعشبة، وهامات الجبال أو الصحاري المترامة هي تكاياهم في زمن الحرب والترحال، وفي موسم الرخاء والسلام.

سجيتهم الشهامة، وإكرام الضيف، والبأس عند الوغى، والشجاعة، والذود عن المحارم والمقدسات صفاتهم، تجري الحماسة في عروقهم النابضة بالإيقاعات التأريخية للأيام المشهودة والوقائع المتناثرة على ممرّات التأريخ، وحب الرحلات والتنقلات مجبولة في طبعهم البدوي الأصيل، فهم يتنقلون بحرية تامة عن مضاربهم الوادعة ومنازلهم إلى الأدغال البعيدة والأحراش المخيفة والسهول الواسعة، ويركبون الزوارق الشراعية، وقوارب الموت وهم يذهبون إلى البلاد البعيدة طلبا للأرزاق وكسبا للأمول وتحسينا لمستولى المعيشة دون خوف أو وجل، عيونهم تشع بالحيوية والصرامة، وقلوبهم ملئية بالثقة والتجلد، وخلاياهم دافقة بالحب والحنين، والصراحة تجري على لسانهم ولا يخفون وجوههم بأقنعة زائفة ومكاييج للي عنق الحقائق.

في مجالسهم الذي يتحول صدى للأيام، وسجلات خالدة للنسب وتأريخ القبائل والشعر والشعراء، يتحدث أكبرهم فيصغي الجميع وهم قد إحتبو بردائهم على فناء القرية وتحت شجرة وارفة الظلال،على بعد أمتار قليلة لإصطبلات الخيول، أو لمرابط الأغنام، ويلقى أديبهم كلمات الشعر،  ويطلق عنان الحروف المشحونة برائحة الحاضر ويرسل دولة القوافي إلى أبعد الحدود ويتناول الأحداث الموغلة في القدم والعقود الغائرة والأحداث الجديدة، وهو يهدر كالأمواج الهائجة يرعد ويزبد، أو يلقي النثر السلس فيتفاعل الجميع ويدخلون موجات من النشوة النادرة ولحظات من الصفاء السعيد، لأن الشعر طُبع في مكنوناتهم وتداخل مع نفسيات الإنسان الصومالي الذي ينضح شعرا وأدبا، أو يقول الشيخ كلمته الوعظية وآياته القرآنية وأحاديثه النبوية فينصت الجميع ولايتحركون كأن على روؤسهم الطير.

وميض غامق ينبثق من عيونهم الغائرتين فيشق أصداء السنين، ويتلاشى حواجز الحاضر وهم يجلسون تحت الأشجار الوارفة بحلق مغلقة توارثها الأجيال كابرا عن كابر، وأصبحت ثقافة في عمر الوطن، وعمر الوطن قديم، حيث دلت الأحفوريات الجديدة أن أقدم إنسان في الكون عاش في القرن الإفريقي قبل ملايين السنين، وقبل أن تتشكّلت بعض القارات التي تعتبر نفسها أنها الرائدة اليوم.

في هذه الجلسات المترعة بقصص العابرين، وأحاديث السمار، وأناشيد الحرية، وأغاني الوصال، وحكايات الماضي، وحل المشاكل القبلية الطارئة، وعقد القران وعقود الزواج، كانت أكواب الشاى تدور ولا تهدأ، والضحكات المتقطعة حينا والمجلجلة تارة أخرى تصدح وتخبو كأغاني إفريقيا وطبولها، ولبن النوق الذي غمرته الرغوة يعتبر زينة الجلسة، وحركات الرجال الذين ينضمون إلى الجلسة والمغادرين منها لاتهدأ وإن طالت الجلسة وتمددت.

هنا الجلسات والحلق المتوارثة تحت الأشجار وعلى فناء البيوت الصومالية التقليدية يعتبر بمثابة البرلمان، ومركزا ينقل إليه الأخبار وعيون الشعر، ومحطة يتزود بها القوم الثقافة والأدب وكل جديد في عالمهم البسيط، الأخبار تأتي من كل حدب وصوب تجاه هذه المجالس، ويأتي إليها الجميع ليبرزوا محاسنهم أو ليقدموا نظرياتهم أو ليجدوا مآربهم، وهنا تتوصل القبيلة الحلول الناجعة وتحل المشاكل، على وقع القصص الدائرة حول أسراب الخيول، وقطيع الإبل، والزوجة الجميلة التي تستطيع طهى الطعام بإتقان شديد وترحيب القرابة في البيت، وأخبار الأسواق التجارية في المدن الكبيرة، وحكاوي موغلة في التراث الصومالي، والصعود إلى هامات الجبال ومراقبة الشروق والأصيل، وكل ماذكرنا متعة لايضاهيها أي متعة عند البدوي الصومالي الأصيل.

الاثنين، 22 ديسمبر 2014

إطلالة من السينما الهندية

الحسناء الهندية مانطوري ديكست نيني (Mandhuri Dixit Nene) هي واحدة من أكثر الممثلات الهنديات نجاحا وتألقا وجمالا، حيث حصدت في مسيرتها الفنية التي إمتدت قرابة 30عاما جوائزا فردية وجماعية متعددة، منها 6 مرات فازت فيلم فاير وهي أعلى جائزة في الأفلام الهندية، وأربعة مرات في أفضل ممثلة، وفازت مرة واحدة في أفضل ممثلة مساعدة. ونالت جائزة خاصة لإستكمالها عامها الـــ25 في المهنة السينمائية وهي تحمل الرقم القياسي في الترشيح لأفضل ممثلة، حيث رشحها النقاد والجمهور أكثر من 13 مرة لأفضل ممثلة هندية، كما حصلت جائزة بادما شري وهي الجائزة المدنية الرابعة الأعلي في الهند، ونالت هذه الجائزة تكريما لها، وتخليدا لدورها الريادي في الثقافة الهندية، ومساهمتها الفعالة لصناعة السينما الهندية.
مانطوري هي واحدة من أهم الممثلات اللآئي نافسن الرجال في الشهرة وتجسيد المشاعر والنجاح، وفاقت أقرانها بجمالها الباهر وعفويتها الطيبية وملامحها الصبيانية البرئية، وباتت صاحبة التأثير الكبير في أوساط البوليود والسينما الهندية وردهات التمثيل والمسارح، مفخرة صناعة اﻷفلام ليس في بلدها فحسب بل صناعة اﻷفلام في العالم أجمع. قصصها المترعة بالحب واﻷلم، ولوعة الفراق وعذاب الهجر وجمال الوصال وألق التلاقي، وأدوارها البطولية، وكفاحها المرير ونضالها المتواصل عبر أفلامها للتغلب من الظلم الاجتماعي والعبودية، وتعذيب الإنسانية، والطبقات المجحفة، واﻹقطاعية البغيضة، وأدوارها المبكية، ولمساتها اﻹنسانية في جل أفلامها التي اختارت معظمهم بدقة متناهية، والكارزما الخاص التي تمتلكها، إضافة إلى رغبتها الكبيرة في النجاح جعلتها ايقونة البوليود وشمسها التي لاتغيب.
كم أعجبتنا بأدائها الراقي، ورقصاتها المبهرة، وصدق مشاعرها في اﻷفلام وفوق المسارح وامام الكاميرات، وتمثيلها اﻹعجازي، ونظراتها القاتلة، وتغنجها الذي يحير القلوب، وأنوثتها التي تذهل اللب وتثير مكامن الشوق وأحاسيس العشق، وكم أسحرتنا برقصاتها الشعبية على وقع اﻷلعاب الفلكورية الهندية والغربية علي السواء، وكم منحتنا سعادة غامرة بإبتسامتها الساحرة وسلاستها الجسدية في الرقص، حتى أطلق عليها الجماهير الهندية Dag Dag girl نسبة لرقصتها الإعجازية في فليمها بيتا 1992 مع أنيل كابور، ونالت في هذه الفلم أحسن ممثلة.

السبت، 6 ديسمبر 2014

أحلام طفل لم تتحقق


حب الوطن غريزة إنسانية وعادة بشرية متوارثة منذ فجر التاريخ، وهي جبلة طبيعية أبدعها الخالق في الإنسان ليعيش البشر علي أرض أحبها وتعلق بجمالها، ويضحي من أجلها المهج والأرواح، ويتكاثر عليها ويعيش فوقها بوئام وأمن ومحبة، والشعوب رغم إختلافاتها المتنوعة في العالم إلا أنها مقتنعة بأرضها وعاداتها وتاريخها وتراثها، ولا غرو فهذا ناموس الكون لتسيرة القافلة البشرية إلي منتهاها الطبيعي ولمواصلة الحياة وتكافؤ البشر علي سطح المعمورة.
 
وحب الوطن لا يتولد في الفناء ولا ينشأ من العدم، بل له مسببات ينمي الوطنية في قلب الإنسان، وروافدا يغذي شجرة الوطنية لتكون في قلوبنا  شجرة مثمرة وارفة الظلال، وسواء كانت الروافد مدرسيا، أو أسريا، أو بيئيا، وحتي في المجتمع والكون فهو العنوان الأبرز الذي يغرز قلب الطفل حب الوطن وحب المواطنين واحترام ترابه وتأريخه وتراثه المجيد.

في صغري وكغيرى من أطفال العالم الحالمين بوطن يسع الجميع وتربة يموت من أجلها، كنت أحلم  بوطن يليق بنا ونليق به، وأبني في داخل خيالي الطفلي الطري دولة عملاقة من سراب أعمدتها من تصورات طفل أحب الدولة ولم يراها، وأرسم وطنا بريشة قلبي وأرسل أمنيات من الرماد إلي عنان السماء ، وأكتب بمداد عقلي الطفولي نشيد الوطن الرقراق:
Soomaaliyeey toosoo
Toosoo isku tiirsada ee
Hadba kiina taagdaranee
Taageera waligiinee
Idinkaysu tookhaayoo
Idinkaysu taamaayee
Aadamuhu tacliin barayoo
Waddankiisa taamyeeloo
Sharcigaa isku kiin tolayoo
Luuqadaa tuwaaxid ahoo
Arligiina taaka ahoo
Kuma kala tegeysaan oo
Tiro ari ah oo dhaxalaa
Sideed laydin soo tubayoo
Ninba toban la meel marayoo
Cadowgiin idiin talin oo
Tuldo geel ah oo dhacan baad
Toogasho u badheedhanee
Ma dhulkaas dhanee tegeybaan
Ninna dhagax u tuurayn

Gorfeynta buugga "Geylame"

  Buugga “Geylame” ee uu qoray Xassan Maxamuud Qorane, waxa uu nuqul ka mid ah gacatayda soo galay Habeenkii la soo bandhigayey oo ku beegna...