الثلاثاء، 29 يوليو 2014

موسم العودة إلي الجنوب (1-3)

العودة إلي الجنوب الجغرافي وإلي كسمايو الباذخة بعد رحلة إستمرت عقدا من الزمن كنتُ تائها في سديم الغربة ورحلة المنافي السرمدية، وعبر تاج الصومال الجميل مقديشو كانت عودة تاريخية بإمتياز وحلما أيقونيا جميلا طالما داعبني في هدأة السحر وحينما أتذكر الأيام المتألقات والزمن الخوالي وذكريات الطفولة الآسرة، والمدارس والخلان وشواطئ كسمايو النظيفة، والسمرعلي أعتاب البيوت الطينية والطرقات الترابية، وأهداب القمر والبساطة التي كنا نعيشها في زمن الصبا، وحنين الماضي الذي يثير تغاريد الشجن في وجداننا الغارق بدموع المآضي وصدى الآهات والشوق الذي يقرب المسافات الفراسخ ويختصر الأزمان في ثواني.

كان خيول الشوق الجامحة تأخذني إلي الجنوب الناعس في حضن الجمال والطبيعة العذراء وهي تصهل وترنوا إلي ملاقات الأحبة الذين بسببهم أحمل رياحين الود وزهور اللهفة، والأرض الطيبة التي منحتنا حبا وحنانا يفوق الخيال ورياح الزمن السريعة ونغمة موسيقاها الندية والرحلة المترعة بالبهجة والجمال، ترسلني إلي ضفاف الأنهار الشامخة والحدائق الغنية بالورود والحقول الزراعية المصطفة علي جنبات الشارع كغابة إستوائة في عز الربيع أو كحقول السنابل التي تبتسم علي مشارف ألق الربيع علي ضفاف نهر جوبا التليد، وكانت لسعات الشجن من منبع الجمال إلي موئل العظمة تؤلم أحشائي وأنا أحمل عصى الترحال من جكجكا عاصمة الثقافة الصومالية العريقة إلي كسمايو عروس المحيط عبر هرجيسا درة الشمال وأيقونة حواضرنا الحبيبة مرورا بمقديشو سرة المدن الصومالية وزهرة مدائنها.

العودة إلي الجنوب الحنون وإلي ضفاف الأنهار والسواحل الحريرية للمحيط الهندي، وإلي كسمايو مهوى الأفئدة وقلب الصومال النابض، يعني رحيقا فواحا يعطر حياتنا الملئية بالنكد والحزن وأملا جميلا كانت شمسه لا تغيب عن بالنا وقفنا علي أعتاب تحقيقه، وقنديلا من الصفاء والمحبة يتهاوى أمامه جبروت الأسى ولوعة الغربة وجروح الليالي، وتعني أيضا أن نقف علي الخط الإستواء وفي وسط  السهول وتحت أشجار المانجو والباباي، وأن تبتسم وتضحك من عروق القلب وأنت تنفض غبار السنين ورمادية المنافي عن جسمك الشاحب ونظراتك الزائغة، وأن تنظر إلي ألبوم الصور ووجوه الأصحاب والجيران وحكايات الماضي من خلال الذكريات العابرة كزرائب الطيور، وأن ترقص طربا وأنت تراقب عبر الفضاء الإسفيري مرسال الشوق الذي يرسو علي شواطئ  الذكريات ومرفأ الذاكرة، وأن تستحضر لحظات البهاء في الميادين المفتوحة وساعات الطفولة الآسرة في حضن الأمهات.

كما تعني أن تبكي بحرقة بسبب أولئك الذين غادرونا بصمت إلي مراقدهم وبرزخهم، وتركوا بصماتهم الواضحة وحبهم الجارف الذي وضعناه في حدقات عيوننا وشغاف قلوبنا في حياتنا، أو من أجل الأماكن التي تغيرت والأزمان التي تنكرت والمعالم التي هرمت وشاخت، ومن أجل الأحباب الذين قد لا نلتقي بهم ولا نضحك معهم برحيلهم إلي أعماق النوى وسحيق الغربة القاتلة، وتعني أن تهمس بمحراب الحب الدافئ وجماله السرمدي، وأن يسرى في داخلك قشعريرة الهيام وأشواق العشق في الهزيع الأخير من الليل حين كان نسمات الصباح العليلة تأخذ إلي القلوب المجدبة ترياق الهوى، وأن تستلذ الذكريات العابرة لأول لقاء حمل تباريح الصبا في حياتك.

الأحد، 20 يوليو 2014

لهيب الشوق

لهيب الشوق أضناني، وألم الحنين آلمني، وطيف الشجن هاجمني، وأنا متقلب فوق الفراش، فهجرت عن الكرى وعزفت الخلود في أحضان الدعة والراحة ونعومة الفراش ولذة النوم كملدوغ لم يجد الدواء ويتأوه ألما وأسى في القرى النائية الوادعة علي روابي النسيان والإهمال، أو كمريض علي سرير المشافي تنتابه نوبة من السعال القوى وحمى تطرد النوم عن أجفانه بعد منتصف الليل بدقائق.

تباريح العشق تسرى في داخلي كموجات طولية أو ذبذات داخلية، وأبث أنين الوحدة في ساعات الدجي وحيدا، وأذرف الدموع الغالية نحو التربة الحانية التي تستر رطوبتها قطرات الدموع المنهمرة من مآقي الجفون ومن عيون القلب، ومن ترعات التعلق والإعجاب المنتشرة في داخلي كإنتشار الجداول في المزارع المطلة علي ضفاف نهر شبيللي قرب بلدوين أو أفغوي العريقة.

أحلق فوق سماء السهر كنورس شقي في بحر الشمال أو جبال بلقان، أو كفينيق رومي مترع ببذخ الربيع وبسمة الخريف وجود الطبيعة، وألاعب أوهامي الهلامية وآمالي التي تموت غالبا في رحم الغيب دون أن ترى النور، وأضحك بهستيريا عجيبة كمجنون تائه في ظلمات الليل ويعاني من رطوبة الزنزانة في داخل المسحات العقلية، وأغفو علي أهداب الزمن السريع كعمرنا القصير الذي يجري كسرعة الضوء لا كمشية السلحفاة التي نريدها نحن المحبين للحياة وللخلود السرمدي!، وأستريح في الكراسي الخشبية المتناثرة علي رصيف المحطات وحافات المنافي وكانها منتجع سياحي أوحديقة عامة في وسط المدن الجميلة.

في هدأت السحر وعلي وقع الفراق وصدى تهاليل البعاد أعزف أنغام الدموع علي أطلال الذكريات الرقيقة كفراشات السواقي أو كهمسات المحبين في الهزيع الأخير من الليل، وأستأنس قصص العابرين في دروب المعاناة الطويلة، وممن ينشدون الأمل في واحات الحياة المترعة بالغدر والضنا، وفي كهوف المناجاة الندية وقعر الآجام المزركشة بالماضي الفخيم، وأتمعن ضروب الحكاوي الحزينة والنسائم الهامسة في طبلة أذني، والأصوات التي تأتي من سحيق الأسى ومن جبين البسطاء، ومن  سحيف الرحى الذي يطحن أحلام البسطاء وانصاف العراة ويرسل رزقهم إلي بطون اثرياء الحرب وأغنياء الصراعات والتشريد والإحتراب بطريقة دراماتيكية غريبة.

زرائب الطيور المهاجرة، وزقزقة العصافير الشجية، وشدو القمرية في الصباح الباكر، والأعشاب المرتعشة بلطف ولين كأنها خصلات شعرك العابثة علي جبينك المصقول في تلك الأمسية التي كنا نترنح طربا وعشقا، والندي الخفيف فوق المروج، وأريج الزهور الفواح في الحقول والبساتين الواقعة علي عين الجمال قرب مرابعنا، وعبق الورود الحمراء كشفق المغيب وأنت فوق هامة جبل مخروطي الشكل يطل علي خط الإستواء  من الناحية الشمالية في بلد أفريقي جميل بقدر ماهو متناقض ومكبّل بمآسي القتال وحبال الفقر وصراع الأديان ومشاكل العرق والإثنيات التي تريد كل واحد منها أن تسلب بقوة حقوق الآخرين وان تستأثر دون الغير السلطة والحكم والإقتصاد، أوكغانية غجرية شقراء تخدم في بلاط  الأمراء بأجر زهيد وعمل شاق تحت وطأة الفقر ولدغة العوز وتكشف أسرار وجهها الذي يفوق البدر ألقا وإشراقا للغريب العابر.

والضباب اللطيف الذي يغشى ملامح المدينة بعد يوم ماطر، وأثير الصباح المنعش الذي يبدد شحنات الغضب والنكد بعد الليالي الموحشة، ورقصات الأمواج علي شاطئ البحر الذي يرفع ذوئبتيه الباسم كقدك المليح، يذكرني بجمالكِ الأنثوي الطافح، وبشرتكِ السمراء الناعمة وتغنجكِ القاتل وعنادك الأنثوي التقليدي، ويثير كوامن الصبا في أوصالي، مما يفتح نوافذ الحزن وأبواب الشجن والجنون البرئ في داخل نفسي المولعة بضوئك الذي يأتي من وراء المرئيات ومن بين رماد الأزمنة وسديم الحب الهائم..!

الجمعة، 18 يوليو 2014

من وحي الطبيعة


في صباح يوم سريالي ذات مشاعر نورانية كطيف حورية يأتي من عالم الخلود، أوكفراشات السواقي حين تسير في منعطفات جداول الوادي ووسط الحقول الزراعية والازهار الفواحة، كان ينسرب إلي قلبي بهاء الحاضر، وذكريات أيقونية يسايرني ويسوقني إلي عمق الماضي الفخيم أو النوستالجيا كما يسمونها علماء النفس والإجتماع، وكانت الزهور التي تتمايل مع النسيم العليل يلبسني لباس الحبور الجارف والفرحة العارمة، آنست صفاء نادرا، وهدؤا عجيبا يسرى في داخلي ويورثني نشوة طافحة وخفة زائدة تقودني إلي المحيط الهندي وجمالة والسير علي رماله والخلجان الهادرة التي تتكلم عن صخب الطبيعة، مع شلة من أعز اصدقائي الذين إجتمعنا الزمن بعد سنوات من الفرقة والنوى.

الإتصال التليفوني لصديق الطفولة وزميل المراحل الدراسية المتقدمة من حياتي عبد الكريم عبدالله أحمد (باخا)، الذي كان في صغرنا آية في الخط والرسم والكتابة الجميلة، كما كان مهاجما من الطراز الأول، وصاحب لمسات فنية تعزف الكرة في أقدامه سيمفونية المتعة والإبداع في داخل المستطيل الأخضر، وينتهي الكرة في الشباك وبوضعيات مختلفة، إضافة إلي السكوت الكبير للرشاشات وصخب البارود، حيث زخات الرصاص المتقطعة وأصوات البنادق وطلاقات الكلاشنيكوف التي أصبحت عادية في مسمعي منذ أن وطأت قدمي في جنوب الصومال هدأت وبنسبة كبيرة في هذا الصباح، هذه العوامل وأخرى غيرها كانت كفيلة أن تقنعني جدوى السياحة للمرافق الطبيعية للمدينة، وأذكت في نفسي الحب العميق الذي أكنه للمحيط.

كما كانت إبتسامة الكون التي تحتفي بالضياء وشروق شمس ذهبي ليوم جديد، والأجواء البانورامية البديعة تدغدغ مشاعري، والخلجات الآسرة كانت ترسلني إلي الساحل الخلاب الذي يعانق الجبال المكسوة بالأعشاب والطبيعة العذاراء للسواحل الصومالية منبع الجمال وموئل العظمة الإلهية.

وإلي المحيط الهندي الملئ بالأسرار والعجائب الذي أحبه ويحبني، وأتذكره في عز الغربة ويشتاقني، وأترنم بإسمه عندما كنت ضيفا للمنافي وحفيفها، وحقيقة لا يوجد في كسمايو بقعة أجمل وأنقي من هذا الساحل الطبيعي الذي لم تصل إليه العناية البشرية لتحولة من منطقة بدائية وساحل طبيعي سياجه الرمال والجبال، إلي منتجع سياحي ذات مرافق متعدده يؤمه السياح والشعب بكل أطيافة وجميع شرائحه.

السبت، 5 يوليو 2014

الرحيل نحو المجهول (3)


وصلت المدينة حين رسم الأصيل لونه القرمزي علي جبين السماء، وشفق المغيب نثر علي الأفق جمالا وبهاء كغانية رومية تتبختر علي البلاط البيزنطي الوادع في وسط الإمبراطورية القيصرية، كنت منهكا للغاية بطول الطريق ومشقته، والتفكير المضني الذي صاحبني منذ بداية الرحلة في أعتاب مدينتنا العريقة، وكانت تتسابق إلي وجداني أفكارا جنونية، وخلجات متناقضة، وتصورات غريبة للمدينة ونمط حياتها، والواقع المغاير، والبئية الجديدة التي تنتظرني وأتسائل: تُرى ماذا يمكن أن تكون المدينة؟ وكيف تستقبل المدينة شخصية غامضة ومبهة مثلي، لا تحمل سوى الذكريات الأيقونية وأملا كبيرا تداعب حدقاته، ويقينا قويا بأن الأفضل قادم لا محالة، وأن فجرا مشرقا قد دقّ الباب هذه المرة وبطريقة غير تقليدية.

حقيقية كانت أسئلتي في محلها وتخميني في مكانه، حيث كانت المدينة تحتضن الأوكار الإجرامية الأشهر في البلد، ومجتمعا متحضّرا يختلف عن بيئتي الريفية ومدينتي الصغيرة التي كان جميع سكانها يعرف بعضه البعض، كما كانت المدينة تعج بمتناقضات فكرية وأنثربولوجية ومعيشية، ومجتمع مجهول لا أعرفه ولا يعرفني.

وعندما توقف القطار في محطته الأخيرة كان التعب قد أغرز أنياب ماكينته المؤلمة علي جسدي، وبدأ يحطن كل خيط وعصب من جسمي، ورغم ذالك لم ينل شئيا من عزيمتي، حيث الرغبة المتوحشة ورابطا غير مرئيا من الشوق والمغامرة الجرئية وحب الفضول والإستطلاع، كان يربطني إلي المدينة التي لاتنام، بل تنتصب شامخة وسط الكثبان الرملية المتاخمة لعنفوان الطبيعة وصخبها الهادر.

نزلت عن القطار وفي سككه المتقاطعة جلست مقعدا علي يمين الشارع مصنوعا من العيدان العجفاء المربوطة مع بعضها، إنتظرت ربع ساعة من الزمن رشفت فيها القهوة علي عجل وتحت وقع أنغام الزحمة وهدير المسافرين الغادين والرائحين، ولكن لم أجد التاكسي التي تقلني إلي الفندق،! فمشيت إلي الجهة الغربية التي كانت تقع محطة للسيارات حسب ما قال لي شخص سألته عن المحطة، وصلت المحطة بعد عشرين دقيقة قطعت فيها متأملا ومفكرا.

الأحد، 29 يونيو 2014

26 يونيو

هناهرجيسا درّة الشمال ورمانة الصومال وموئل العزة والأصالة العريقة.
المكان:حديقة الحرية في وسط مدينة هرجيسا
الزمن: منتصف الليل في يوم 26.6.1960 للميلاد.
المناسبة: الإستقلال المجيد وإستنشاق نسائم الحرية وعبق التحرر وأريج الوطنية يوم هبت نسائمها من جنوب وشمأل.

الوصف العام: حالة عارمة من الفرحة والجذل، الوجوه مستبشرة والثغور باسمة، وازدان الأطفال بالبرآة الجميلة وباكاليل الزهور والسحنة الصومالية السمراء، سطور الفخر واضحة علي محيا الشيوخ وعلي جبين الفتيات وقسمات المواطنين بلا تكلف ولاتمثيل ولانفاق وبدون مكياج سياسي مزيف وأقنعة مستعارة تتلون حسب المصلحة والمناسبة والموضة السائدة.

يصادف اليوم ذكرى الرابع بعد الخمسين من إستقلال الصومال أوبالأحري الجزأ الشمالي من الصومال، والأمة منهكة ومقسمة، والوطن مجروح ومنهك، والتربة تعاني الإنفصال والتشقق، والعلم يشكو ويئن، ولايعني سوي قطعة قماش لامعني لها، يرفرف بالحياء في ردهات بعض المباني المهترئة، وفي بهو بضع مؤسسات أكل الدهر علي نضارتها وشرب، لايجد يد حانية ولاقلوبا رحيمة ولا ضميرا حيا، ولاحناجرا وطنية تردد لحن البقاء في الصباح وحين تشرق الشمس معلنة بيوم جديد لايحدث الفارق بالنسبة للعلم.

ورغم دموية الوضع وقتامة الواقع إلا أن علمنا المزركش بالنجمة الخماسية البيضاء التي تعني السلام والوئام لم يفقد الثقة التي يجملها لأمل ويزيد بهجتها الجمال الأزلي لشكله، والضوء الوهاج المنبعث في نهاية النفق المظلم، والأماني الأرجوانية التي تتراقص أمام الجميع، والأحلام الجميلة التي تداعب شرائح الشعب ومختلف أطياف الأمة.
26 يونيو يوم تاريخي بكل المقاييس وما تحمله الكلمة من معني، يوم غير مجرى الحياة للأمة الصومالية، يوم حمل عبق الحرية لشمال الوطن وأريج الأمل للجنوب...يوم شعر كل صومالي ألوانا من الفرحة وطفح السرور عليه حتي أبكته الفرحة، يوم أشرقت شمس الحرية من ذاك الجزأ العزيز والرائد في كل شئ، يوم لايمكن نسيانه رغم الجروح والمحن والحروب والسياسة الهوجاء التي مزقت الوطن وجزأت المجزأ.

يوم ليس ككل الأيام!، وقعه مميز وذكرياته حية شجية، والصوت المصاحب لإسمه جذاب ونبرات حروفه تعزف ألحانا الحرية والجمال، يوم أصبحت ساعاته تاريخية بامتياز، ودقائقه المترعة بالأشعار والأغاني والزغردات أثلجت الصدور وأسحرت العيون وأذهلت الجمهور وألهمت الأدباء والشعراء وأعزف الفنانون فيه ترنيمة الحياة وسيمفونية الوجود.
التصفيق ألهب الأكفة، وبحت الحناجر من أجل الهتافات المشحونة بالوطنية والنخوة الصومالية، وسالت الدموع الوفية وعمت القشعريرة جميع البدن لحظة إنزال علم المحتل مطأطا الرأس كالح الوجه حزينا كئيبا عن سماء الوطن وفوق هامة هرجيسا الأنيقة.

أريج الحرية ونجوم هرجيسا الساطعة ألهمت المواطنين فبدأت الأشعار تلقي والأناشيد تتلي والأغاني تنساب عن قريحة الأفراد، وردد الحضور بعفوية "ليرحل المحتل عن وطن حبه سكن في حدقات عيوننا وليطوي علمه إلي الأبد"!وترنم الفنانون معزوفة الوطنية وألأبيات الخالدة التي تذكر كل صومالي حر لجظات الهناء حيث قال شاعر الحرية عبدالله سلطان تمعدي: "انزل علم المحتل وارفع علم الصومال خفاقا".

النشيد الوطني الصومالي أبكا الجمهور، وعم النشيج المبحوح لحظة صعود علم الصومال إلي المعالي شامخا الرأس ثابتا الخطى يرفرف وسط الجموع بعز وبهاء، ويضاهي السماء بزرقتها الصافية ويتفوق عليها بالسلام وبياض القلب، وتفوق جماله وتناسقه البديع وألوانه السحرية المستوحاة من التراث الصومالي العريق ومن زرقة السماء الصافية علم المحتل.

ازداد الجمهور وهزة نشوة النصر ولذة الحرية ونبض الحياة علي المواطنين الذين أنتظروا بفارغ الصبر حين تدق عقارب الساعة ب 12:00 صباحا وتشير الساعة منتصف الليل لتحيي علمها الوهاج، وتقطع العهود الوفية لحمايته من المحتل أن يعيد عهد الإستبداد والعنجهية، ومن الغريب أن يستولي عليه ويدوس كرامته، ومن الطائش أن يهين.

ذهبت الأجيال الذهبية للأمة الصومالية ورحل الآباء العظام عن البسيطة وتركوا للوطن أبناء جاحدين وأحفادا حاقدين، ولم يبق للوطن سوى بعض الشعور والأنفة الصومالية الجريحة، ورغم أني من بين من أنتقدهم إلا أني وفي منتصف الليل أقوم وأحيي العلم وأردد نشيد الوطن المفعمة بالأمل المتسمة بالقوة والملئية بالجمال والعاطفة كماء ينساب من رخام حريري في وسط حديقة غناء يزدانها ضوءماسي أخاذ.

قطعا لاأشارك صخب الحفلات ولا أحن إلي ضجيج الموسيقى وضجة الندوات، بل سأقبل قطعة القماش الزرقاء المزركشة بنجمة الخماسية التي تشير إلي جسد مكتمل لم يكتب له أن يعيش معافا سويا،  سأحيي العلم كجند متقاعد في آخر يوم من الخدمة العسكرية أوكرائد باسل مجندل فوق ساحات الوغي يأبي للعلم أن يذل أويهون! وعندها أخلد إلي الكرة غير آبه بنفاقات القوم وهدير الرصاص إحتفاء بالنصر والخطب الكلاسيكية الرنانة في القاعات الفاخرة لأن نداء القوم في العلن ليس ندائهم في السر ووراء الكواليس!

كل سنة ووطني بخير، كل سنة وأمتي من أقصي الشرق الجميل إلي أبعد نقطة في الغرب الأصيل ومن الشمال الشامخ إلي الجنوب الوفي بخير وصحة وسلامة.

الأحد، 1 يونيو 2014

الحلم الضايع3

وعندما رست سفينة العمر علي شاطئ العقد الثالث من عمري كان الوطن منهارا تماما، والشعب تفرق إلي أيدي سبأ،وأدركت أن النسيج الإجتماعي مفكك والفسيفساء المتجانس تآكل وكاد أن ينتهي، والقبائل التي تشكل لوحة زيتية رئعة بل أروع من لوحة موناليزا متناحرة، وأن سرطان المقاطعات قد إجتاح في أوصال جغرافية الوطن، وعندما سبرت غور المجتمع عرفت علي أشياء لم أكن أدريها، الإنسان يترنح تحت عبأ الحروب والصراعات العبثية والفقر المدقع، و الوطن يتلوّي في جوف اللهب، والجموع حائرة، والقوي يقتل الضعيف، والوضيع يملك زمام المبادرة، والوطني مكبّل في الزويا البعيدة والزنزانات الضيقة أو يموت علي الأرصفة الباردة، وأصبح التزويروالنهب والقتل والإغتصاب روتينيا عشنا في خضمه دون وعي وتذكر واللامبالاة قاتلة.

كبرتُ ومعي كبر هذا الوضع المأساوي الذي تمر عليه الأمة، والشخص العنيد الذي كان في داخلي يراقب الوضع عن كثب، وينظر الوقائع بعيون مختلفة وذوق خاص، كرهت النفاق المنتشر في كل مكان والمحسوبية الطافحة حتي أصبحت شعار المرحلة، وأمقتُ الخوف والتبلد الذهني والإدراكي الذي يوجّه المجتمع ويقود الأمة نحو الوصولية البغيضة التي تعني أن الجميع يعمهون في غيّهم ويتقلبون في عالم الفساد والإنحطاط.

في هذا الوضع الحرج وعلي وقع أنغام التحرك لم يجد وسيلة يظهر عن حزنه ومأساته سوى البكاء بعصبية نادرة، ورفع صوته الشروخ الذي لا يصل صداه بين دفّتي البيت، كان متوترا لحظة خروج سعيد من الغرفة الضيقة إلي الممر الرئيس للبيت، شعر أن سمتر يصارع مع السفر، والرحيل وبدون علم والدته يعني له مغامرة غير مضمونة العواقب، ربّت علي كتفه بطريقة موحية فقال: الهجرة والغربة أليمان ولكن الغربة في داخل الوطن والهجرات الداخلية والتشريد الجماعي والقتل المتعمد وتجفيف مناعب الخيرات ومنطق القوة الزائد في الوسط أكثر ألما ويجعل سفرنا نحو المجهول قرارا صائبا وبدون خوف أوجل يا صديقي.

تحرك الموكب المتجه إلي الجنة المفقودة ـ حسب خيالهم الوهمي وهلوستهم ـ الساعة الثانية
ونصف صباحا وفي جنح الظلام  وكنف السواد الذي يغطي كل شئ في عالمنا، تحركت القافلة ومعها تحرك سمتر وهو متدثر بحلمه الجميل: الهجرة إلي أرض الأحلام... إلي أوروبا... إلي الحياة الرغيدة التي تليق بالإنسان ويحقق فيها أحلامه بيسر وسهولة.

الجمعة، 30 مايو 2014

الحلم الضائع (2)

 
رجع إلى البيت مهموما وقد عقد العزم على الهجرة إلى ما وراء البحار، وحيث يعيش المرأ مرتاحا ويجد عملا يحفظ له ماء وجهه، أو هكذا اعتقد وفي وطن ملتهب، وسمع من أترابه الذين رحلوا بعيدا إلى هناك وفي بلاد الضباب أنهم نسوا عن الغيوم السوداء والحزن الذي أرخى ظلاله الكريهة على الوطن، وقبل أن يصل إلى البيت وفي حين تتزاحم الأفكار على رأسه المنهك الذي تتقاذفه الآراء هتف هاتف من أعماق قلبه: من لأمك التي منحتك معاني الحب والحياة؟ ومن لأختك التي لا تنام ولا تهدأ لها بال إلا بوجودك؟ وكيف يكون حال جدتك التي تجد المتعة والراحة بوجودك والدفء والراحة بكلامك؟.

الهجرة عبر المحيطات يكتنفها الغموض وقد لا ينجوا المرأ من لدغة الموت، يا سمتر لا تكن كالفراشة التي اقتربت من النار فاحترقت فأجاب كثير من الأنين أن الوقت لو أسعفه ووجد عملا شريفا لما حاول الهجرة من بلدي إلى المجهول وفي أعماق المتاهات وحفيف الغربة الرطبة كالشتاء، ولكن أردف وبصوت أخنقه العبرات وبحنجرة مبحوحة هذه أمنيات شاب لن تجد حظها في الواقع الإليم الذي يطرد الشرفاء ويعيش في ثوبه المطاطي فاسدون يرتعون عرق جبين العراة والبسطاء.

في جناح العتمة والظلام وصل إلى البيت منهمكا بالطريقة الأمثل الذي بإمكانه أن يخرج من المدينة الثقيلة بتراكماتها الحياتيىة وتحدياتها المعيشيىة، دخل في غرفته فسمع حديث النسوان في بهو البيت وصوت جدته التي  نسخت التجاعيد حلقات متقاطعة ومتوازية على وجهها، وكل حلقة شاهد عيان لأيام ساطعة ذرفت الدموع من أجلها، ومآسي عظام وتقلبات كثيرة في دنيا الوطن.

 كانت الجدة تتحدث وبنبرة حادة فيها كثير من الحزن المتدثر بالتذمر عن الشباب والهجرات الجماعية إلى الشرق والغرب الذي  يظنها الشباب أنها توفر لهم كل شئ، وفي جلسة نسوية بإمتيازعنوانها الثرثرة النسوية التقليدية والصخب الأنثوي كانت الجدة مهمومة النزيف الحاد الذي أصاب الوطن، وعن الناشئة الذين يهربون من سياج الوطن:  (لاشئ يردعهم عن هدفهم الضبابي وطموحهم الردئي، ولا يستمعون إلا ما يملي لهم عقلهم المريض وتصوراتهم الخاطئة للواقع والحياة، وسوى هلوساتهم الكاذبة وأحلامهم المنسوخة على ورقة الكربون ومناجاة طيف حياة الرغد والكرامة في هدأت الأسحار).

كان يرى حديث الجدات الطاعنات ضربا من الخبل والبساطة القروية والفضول القاتل الذي يخوض في كل المواضيع بدراية وبدون دراية، يتكلمون عن الوطن والوطنية وملؤا في أذننا ذكريات أيقوتية لأيام مضت وسنوات رحلت عاشوها، وقالو لنا وبفخر شديد وشماخة بارزة، كانت أياما متألقات وحياة ساطعة تنضح بالعزة والكرامة.

لم ندرك هذا الجمال والعصر الذهبي للوطن وهذه الوطنية والمساواة الأسطورية، بل كان قدرنا أن نرى النور والعملاق منهك والوطن جريح، وأن نعيش تحت القصف والقتل والدموع والدمار والدماء، راجمات وصواريخ بكاء وأنين وحروب وصراعات قتل جماعي وتشريد، الوطن ملتهب من أقصاه إلى أقصاه والكرامة تنزف وعاد الإستعمار من جديد وبثوب قشيب وتصورات جديدة.

وصل إلى الطريق المسدود وركب موجة إليأس والإحباط، ثم تنهد فقال: لا فجر جديد سيشرق ولا مستقبل براق سينتظرنا، بل الأمور مرشحة للتفاقم والتعقيد بعدما دخلت الأطرف المعلومة التي تصب الزيت في اللهب الوطن بغية الا تهدأمعضلته.
الوطن مستباح وخيراته الكثيرة تتعرض للنهب والسرقة والإبتزاز وبأرقام فلكية لا يعلمها إلا الله، وضاع الشعب بين غباء الأقارب الذين تفننو في الخداع والتضليل وعدوانية البعيد الهمجي.

حديث النسوان معظمه أحاديث عاطفية وإنتقادات مشفوعة بحجج واهية، لذا كان يرفض أن تقترب المتاجرة بالعواطف ـ حسب رأيه ـ إلى أحلامه لكي لا يتأثر، وكانت الرحلة تبدو في عينه ألغازا غامضة ومثيرة بقدر ماهي طوفانا من الأحزان تحمل في طياتها  تباريحا من الأمل تمهد مستقبلا مشرقا.

إبتسم بعذوبة صامتة وهو يتسنم رائحة المحيط الزكية على نافذة قلبه المفتوح إلى البحر وأمواجها والليل ونجومه والسفينة الشراعية والطريق المنتظر وهدير المحرك، وكان يتمايل يمنة ويسرة وهو يرقد فوق سريره وملتحف بردائه.
نام ليلته وهو يتحرك كرسوم بالية تحركها الزوابع والعواصف، و لم يجد نوما عميقا بل كان شبح الحزن والفراق يطرده عبر أزقات النوم ودروبها الطويلة، ويمزقه الألم وتأنيب الضمير، وصدى الهرب من ساعة الوداع ولحظات الفراق المؤثرة ترن في طبلة أذنه.

إنبلج الصبح وبزغت شمس يوم جديد، لم يكن يوما عاديا بل كان يوما مفصليا في تاريخه ومهما في حياته، غادر إلى ناحية بيت مهجور تكاسلت الشمس في أفقه من كثرة التشجير والحشاش والأعشاب وكومات القمامة والأحجار المتناثرة التي غطت عليه كاملا، كان البيت نقطة الإنطلاقة ومركز التجمع للشباب قبل السفر والمغادرة، والبيت كان في الماضي مقرا لقسم الحوسبة للوزارة المالية وقريب جدا إلى الشارع الرئيس للعاصمة  الذي يعد الشريان الحقيقي للمواصلاة وربط أجزاء المدينة على بعضها البعض.

بدأ كل شئ في البيت المهجور شاحبا، الإهمال والخراب الذي طال على أجزائه كان واضحا على  جبينه، غرف صغيرة ممتدة نحو الأفق تربطها ممر ضيق وسلالم لولبية ذات طلاء وبوهية سوداء من الصدأ، وكؤوس غارقة في الأوساخ ومزهرية عتيقة تعاني من القسوة والإهمال،وجدران متشققة بفعل الزمان، ونوافذ أكل الدهر على جمإلىتها، وغبار متراكم في بلاطه العتيق،وشاشة SONY مهترأىة تركن إلى الزاوية الشرقية من الغرفة تشاهدها أكثر من عشرين شخصا جلسوا بطريقة مكتظة فوق حصير باليّ وأفرشة ممزقة.

الطبيعة فرضت سياجا من المزالق والمطبات على أرجاء البيت وأحاطته الأعشاب وكأنه أكمة في وسط المروج، وفي باحة البيت تتساقط أوراق الأشجار وهي تئن وتصرخ، ورغم ذالك كان شدو الطيور التي تتكأ في ظل الأشجار الباسقات وصوت السفينة المرتقب وطعم السفر يجعل الأجواء رشيقا بعض الشئ .

النظرات العدوانية وبداية الكلمات الملتهبة والصرامة الشديدة للطاقم كانت تشبه ولادة متعثرة  لرحلة مجهولة، موجة من العنف وكلمات تجرح الضمير تخرج من قاموسهم الذي تفوح عنه رائحة البالوعات، وحروف نابية لاداعي من سردها، سيما وأن معظم من في البيت جاءوا إلى هنا بمحض إرادتهم ودون أن يجبر عليهم أحد، ويريدون تنفيذ الأوامر حرفيا لتسهيل المهمة ونجاح الرحلة المحفوفة بالمخاطر، ولكن البند الأول للهجرات الجماعية والمتجارة بالبشر هي الإخافة وإبرزاز العضلات وترهيب البسطاء لزرع الخوف في قلوبهم وقتل المعنويات التي قد تكلف الكثير للبحارة في حال طرأ أي شئ خارجي إبان الرحلة.

إنهالت علىهم الإرشاد ات والنصائح النتنة وكيفية مواجهة الأخطار المحدقة للرحلة المجهولة، وأنهم لا يملكون سوى سفينة شراعية صغيرة نسبة سلامتها أقل بكثير من نسبة الأخطار حسب المقاييس والمواصفات العالمية، ولكن نعدكم بحسن التعامل والإبتعاد عن الإزعج ما أمكن، والوصول إلى الهدف بأمان تام وسلاسة  كبيرة مالم يحدث شئ فوق قوتنا، والحقيقة أن هذه الدفعة من المهاجرين دفعوا أموالا طائلة لمتاجرى البشر، إضافة إلى المعارف الكثيرة والخبرة المتراكمة لهم في هذا المجال مما يجعل السفر طبيعيا بالنسبة لهم.

كانت الطلبات والتوجيهات تتواصل فيما كان سمتر يتجول نظره داخل الغرفة وفي بهوها الصغير ليتفرس في الوجوه ويقرأ تعابير الوجه وبريق العيون لعله يجد بين المسافرين من يثق في شخصيته ويصاحب معه ويكون له العون في هذا الرحلة الشاقة والمتعبة التي من الممكن أن تنتهي في أحضان الموت والمعاناة.

الإيقاعات المتباينة على إمتداد السنين والليل الصامت من حوله وبلورية المشاعر تجاه أهله لم تبرح في وجدانه رغم قدومه إلى طريق يدمي الأقدام، طأطأ رأسه ونكت على الأرض بعصاة صغيرة كانت في يده، إستسلم للذكريات بكل أشجانها وانزلق في التفكير العميق، ورجع به الزمن إلى الماضي الفخيم، إلى الأيام الخوإلى والتنعم في مهد الصبا، إلى المدرسة وطابورها الصباحي وحينما كان يغدو ولا يحمل هما غير الدراسة والسبق إلى الأرجوحة في زمن الإستراحة، إلى الجامعة وحرمها الفخم ومكتبتها التي كان ينام فيها الليإلى بعدما عرف الحارس صدقه وحبه للعلم والشغف الكبير للمعرفة الذي يحمل في قلبه، إلى السمراوات الطوال وجسدهن المشوق وقامتهن الفارعة ولونهن الجميل، ولم ينس أتراب الحي وجمإلىة الحياة في الصغرحتي وهو في الرحلة المجهولة، ومازالت النوستالجيا والذاكرة القوية تشغل حيزا كبيرا في عقله وتفكيره.

هرب إلى الممر الضيق للبيت ورفع صوته وكأنه يتخلص من الهواجس المخيفة والهاتف الذي يهتف في داخل ضميره، رفع صوته بأعلى درجة ممكنة ثم قال: عشت في الوطن 24 سنة رمادية لا أدري مما اكتسبت فيه، ولم يمنحني الوطن سوى الإنتماء الذي أصبح في الآونه الأخيرة وصمة عار وعنوانا للخوف والإرهاب والقرصنة والسطو المسلح والفساد المستشرى في أوصال الدولة ومفاصل الحكومة.

في صغري كنت أنظر إلى زي العساكر ونياشينهم بكثير من الإعجاب، والنجوم المرصعة على أكتاف حماة الوطن كان يرسلني إلى عمق الجيش الوطني وتشكيلاته الكثيرة، وكانت خطبة الرئيس وقامته الفارعة في المناسبات الوطنية تعني لي الكثير، كما كانت أذني ترقص وهي تسمع زغاريد الوطن وترانيم التربية الوطنية وأناشيد العلم وهدير الآلات العسكرية وعروضهم الصاخبة والرائعة أحيانا.

وكنت أستمتع المناظر الخلابة لبلدي، جبال وروابي يكسوها الأشجار، وملايين الفدان الوادعة على ضفاف الأنهار،وزرقة المحيط وأنواع السمك المختلفة والمواشي،وحديث الجدات الطاعنات حينما يتحدثن عن الأساطير والقصص المخيفة والمفرحة، عن المناطق الريفية الجميلة ،وعن عاصمة الوطن تاج بلدي الجميل، وعن الفراشات التي تزهو وتختال، والقمرية التي تغرد وتشدو، وأنواع الحيوانات المغترسة وغير المفترسة وما أكثرها في حديث جدتي المسائية، وقصة أرويلوARAWEELO الماكرة ،الملكة التي حكمت طول البلاد وعرضه وعذبت الرجال وملأت الوطن ألغازا مشفرة تحتاج حلها إلى كمبيوتر أو ذهن متقيد وسرعة البديهة والنباهة الفطرية،  وطغطير dhag-dheer الشريرة التي تخطف العيال وتعيش في الأدغال وفي وسط الغابات، والجبان الفكاهي عقال شداد، والسلسلات الشعرية الأخّاذة لفحول الشعراء الصومإلىن في مختلف العصور والأمصار.

وعن الوطن المترامي الذي يمتد أكثر من ألف كم2 من أبخ شمالا وعلى مشارف بلاد عفر، وإلى أوكاسي على تخوم قبيلة مُكانبا الكينية جنوبا، ومن هضاب دردوا المطلة على القومية الأورومية، إلى شاطئ العز في المحيط الهندي، وعن الأبطال العظام وكيف حمى الأجداد عرين الأمة وناضل الآباء أن تجرح كبريائها وعظمتها، وكانت نشوتي تزداد كلما تطرق أبي فصول الحكايات وتعرجات التاريخ وسجل الحضارة العريق لأمتي، والملاحم البطولية والمغاوير الذين سطرو أروع القصص والبطولات وكتبوا بدمائهم لابمداد أقلامهم تاريخ أمة عصية على الإندثار وأبت أن يعروها دجى النسيان رغم المحن والمآسي، وكان عقد الرمان التاريخ المشرفة للقبائل والأفخاذ و النسب المتصل من أبي الذي خرجت من بين صلبه إلى أجدادي الكرام التي تختلف الروايات من أصلهم وفصلهم!.

وحينما بلغت المراهقة رأيت أن العساكر الذين تمنيت أن أكون من بينهم هم من دمرو البلد ومزقوا الوطن،  وأدركت أن الكل يبتسم في العلن والعراء ويبكي في السر والخفاء، وأن جمالية الفراشة لم تعد كما كانت،وأن الريف الجميل تحول إلى صحارى قاحلة والزراعة إنتهت، والزهور ذبلت والسنابل يبست والمواشي أنهكها التعب وأرداها القحط، وأن الأبطال الذين  أخلدو أسمائهم في سجل التاريخ أسماؤهم عند البعض ليست رنانة كما قالها أبي!، بل البعض يرى أنهم رعاع ساذجون وسفاكون متعطشون للدما وأنهم لا ينتمون سوى قبيلة معينة،! وأن أساطير القصص مبنية على الخداع والغش والتضليل وإستبعاد وإستعباد البشر.

وأن التاريخ عرجاء وشوه الرجال تفاصيلها وباعوها في سوق النخاسة بلا ضمير،  وأن للنشيد الوطني لا يحرك المشاعر الجامدة والقلوب المتحجرة والبطون الجائعة، بل معظم من يعيش إليوم لم يسمع يوما في حياته معزوفة الحياة والرنات الوترية للنشيد القومي، وأن الجغرافيا يعاني من التمزيق والتجزأة والتفيت، ولا يجد من يعينه أو يواسيه أو يرمم أجزاه ويجمع أشتاته من جديد.

وأن ثورتنا المجيدة حملت إلينا الموت الزؤم، وأن جمهوريات الموز والقبائل والكانتونات الصغيرة تكاثرت هندسيا وأفقيا وبسرعة فائقة تسابق الريح، وتكاثر يُفرح الأعدا ويحزن الأقرباء، وأن العًلم لا يمثل أي شخص ولا يعدو كونه قطعة من قماش ترفرف بلا معني وتنتصب شامخة دون أن تحدث فرقا في أرض الواقع؟
وأن الغلابة والمكلومين والبسطاء وممن أذابهم عرق الجبين لا يجدون ما يسدون رمقهم في ظل أمة تقودها الغوغائية المتدثرة بالقبلية والعنف وبيع السيادة للقوى الخارجية، في حين أن أغنياء الحروب والفاسدين من التجار الجشعين يتذمرون كثرة اللحم في المائدة.

Gorfeynta buugga "Geylame"

  Buugga “Geylame” ee uu qoray Xassan Maxamuud Qorane, waxa uu nuqul ka mid ah gacatayda soo galay Habeenkii la soo bandhigayey oo ku beegna...