منذ الصبا كنت أحب القراءة وأجد متعتي في التدوين
حتي أصبحت الكتابة شغفي لاحرفتي كما يقول كاتبي المفضل سمير عطا الله، وكنت أمضي
الليالي الطوال في داخل المكتبات أقرأ كل ما يقع في يدي بنهم شديد، وأحاول أن أكتب
شئا وأحول ما قرأت إلي سطور مكتوبة وأحرف مقرؤة، ولكن كل مرة كنت أخفق وأتعثر ولا
أجد من يساعدني أو يقف إلي جنبي في بلد ملئي بالعقبات والعوائق، وبات الإنسان في
داخله مهموما ومتشبثا علي الحياة التي تتصرم بعنف بين فروج المعاناة وكراهية
الحروب وأصوات المدافع ورائحة البارود التي تزكم الأنوف.
في البداية كانت الكتابة صعبة ومتداخلة الخيوط
ومحشوة برأسي دون إنتظام، وكان القلم يتحرش بي والحروف المنتظمة كألأشباح علي رصيف
ذاكرتي تدغدغ مشاعري، وكانت الأوراق تنظرني بغنج ودلال بعد منتصف الليل بدقائق،
وحفيفها الممزوج بنسمات الصبا في الصباح الباكر يزيد صفاء الذهن ومزاجي الحبري،
ولكن كلما أردت الكتابة كانت الحروف تنكرني وتهربني الكلمات وترتعش الأصابع
ويتلعثم اللسان وتقودني النوستالجيا(الحنين إلي الماضي الفخيم) إلي إستحضار الماضي
لعلها أجد حافزا فلا أجد أجمل من الحاضر المبهر وشتلات الحب التي تحتاج إلي عناية
كي أدون وأبوح ما يضطرم في داخلي من أهوال ونسمات باردة تأتي علي شرفات الذكريات
وفي كهوف أحزان الغربة.
في أجنحة الخيال الواسع كانت الآمال تحدوني أن
أطير إلي بقعة الكتابة المضئية ووهج الإبداع، وكنت أدرك أن الكتابة الجميلة موهبة ربانية
ولوحة زيتية مضئية يتباهى بها الإنسان في حياته ولو ضمنيا ودون أن يحدث ضجيجا أو
عجيجا، وحينما تمتزج ولع الكتابة بألق الحروف وأنغام السهر علي وقع صرير القلم
وحفيف الأوراق، وتفرش بساط الشغف علي مباني الهواية التي تتحدث عن نفسها تكون
الكتابة متعة لا تضاهيها أي متعة في عيون الكاتب الولهان، والأمتع من ذالك أن تظهر
موهبتك الكتابية وخواطرك الأدبية والإنشائية ومقالاتك الوطنية، وأن تقدم للناس
تجاربك في الحياة وأفكارك الإنسانية دون قيد أو تعقيد، ودون مكياج النفاق للمحررين
والرقابة التي تسلط علي رقاب البسطاء، الذين لا يجدون سوى مواقعهم مكانا يبرزون
فيه مواهبهم التي تكاد أن يقتلها الإهمال في رحم الغيب وفي طي النسيان والإهمال.
والكتابة تحتاج إلي استعداد كبير وذهن متقد ونفس
ثابرة تتحمل المشقات والمصاعب في سبيل الكلمة والحقيقة، وليست الكتابة كما يعتقد
بعض البشر سهلة ميسرة، وليست عبارة عن أفكار نجمعها علي مهل، وتخيلات نطلق علي
عنانها علي إيقاع طبول الحروف، وبضع جمل يحملها مداد قلم يسود صفحات ناصعة البياض
لورقة تعيسه!،
ولكن الأمر أعمق وأكبر من صرير قلم وحفيف أوراق وبضع سطور متألقة، وعدد من الحروف
المتراصة والمنمقة، وكل من أعتقد ذالك فقد أبعد النجعة وسلك في الدروب الوعرة، لأن
الكتابة أصعب شئي يمارسه المرأ كهواية وكحرفة أيضا، لأنها عصارة ذهنك ورحيق مخك،
وأفكار تثور في تلافيف ذاكرتك وفي سحيق وجدانك، ولا تخرج إلا بفكر عميق وإطالة
التأمل والقرأءة والسباحة في عالم الإفتراضات والتحليلات والتخيلات والخواطر
الشهية، وهي عنوان المرأ ورمزه ومن خلالها يعرف القارئ ثقافة الكاتب وإنتمائه
الأيديولوجي والفكري وتوجهاته السياسية وحالته النفسية لحظة كتابة المقالات.












.jpg)


.jpg)
































