الثلاثاء، 19 أغسطس 2014

عام علي التدوين


منذ الصبا كنت أحب القراءة وأجد متعتي في التدوين حتي أصبحت الكتابة شغفي لاحرفتي كما يقول كاتبي المفضل سمير عطا الله، وكنت أمضي الليالي الطوال في داخل المكتبات أقرأ كل ما يقع في يدي بنهم شديد، وأحاول أن أكتب شئا وأحول ما قرأت إلي سطور مكتوبة وأحرف مقرؤة، ولكن كل مرة كنت أخفق وأتعثر ولا أجد من يساعدني أو يقف إلي جنبي في بلد ملئي بالعقبات والعوائق، وبات الإنسان في داخله مهموما ومتشبثا علي الحياة التي تتصرم بعنف بين فروج المعاناة وكراهية الحروب وأصوات المدافع ورائحة البارود التي تزكم الأنوف.

في البداية كانت الكتابة صعبة ومتداخلة الخيوط ومحشوة برأسي دون إنتظام، وكان القلم يتحرش بي والحروف المنتظمة كألأشباح علي رصيف ذاكرتي تدغدغ مشاعري، وكانت الأوراق تنظرني بغنج ودلال بعد منتصف الليل بدقائق، وحفيفها الممزوج بنسمات الصبا في الصباح الباكر يزيد صفاء الذهن ومزاجي الحبري، ولكن كلما أردت الكتابة كانت الحروف تنكرني وتهربني الكلمات وترتعش الأصابع ويتلعثم اللسان وتقودني النوستالجيا(الحنين إلي الماضي الفخيم) إلي إستحضار الماضي لعلها أجد حافزا فلا أجد أجمل من الحاضر المبهر وشتلات الحب التي تحتاج إلي عناية كي أدون وأبوح ما يضطرم في داخلي من أهوال ونسمات باردة تأتي علي شرفات الذكريات وفي كهوف أحزان الغربة.

في أجنحة الخيال الواسع كانت الآمال تحدوني أن أطير إلي بقعة الكتابة المضئية ووهج الإبداع،  وكنت أدرك أن الكتابة الجميلة موهبة ربانية ولوحة زيتية مضئية يتباهى بها الإنسان في حياته ولو ضمنيا ودون أن يحدث ضجيجا أو عجيجا، وحينما تمتزج ولع الكتابة بألق الحروف وأنغام السهر علي وقع صرير القلم وحفيف الأوراق، وتفرش بساط الشغف علي مباني الهواية التي تتحدث عن نفسها تكون الكتابة متعة لا تضاهيها أي متعة في عيون الكاتب الولهان، والأمتع من ذالك أن تظهر موهبتك الكتابية وخواطرك الأدبية والإنشائية ومقالاتك الوطنية، وأن تقدم للناس تجاربك في الحياة وأفكارك الإنسانية دون قيد أو تعقيد، ودون مكياج النفاق للمحررين والرقابة التي تسلط علي رقاب البسطاء، الذين لا يجدون سوى مواقعهم مكانا يبرزون فيه مواهبهم التي تكاد أن يقتلها الإهمال في رحم الغيب وفي طي النسيان والإهمال.

والكتابة تحتاج إلي استعداد كبير وذهن متقد ونفس ثابرة تتحمل المشقات والمصاعب في سبيل الكلمة والحقيقة، وليست الكتابة كما يعتقد بعض البشر سهلة ميسرة، وليست عبارة عن أفكار نجمعها علي مهل، وتخيلات نطلق علي عنانها علي إيقاع طبول الحروف، وبضع جمل يحملها مداد قلم يسود صفحات ناصعة البياض لورقة تعيسه!، ولكن الأمر أعمق وأكبر من صرير قلم وحفيف أوراق وبضع سطور متألقة، وعدد من الحروف المتراصة والمنمقة، وكل من أعتقد ذالك فقد أبعد النجعة وسلك في الدروب الوعرة، لأن الكتابة أصعب شئي يمارسه المرأ كهواية وكحرفة أيضا، لأنها عصارة ذهنك ورحيق مخك، وأفكار تثور في تلافيف ذاكرتك وفي سحيق وجدانك، ولا تخرج إلا بفكر عميق وإطالة التأمل والقرأءة والسباحة في عالم الإفتراضات والتحليلات والتخيلات والخواطر الشهية، وهي عنوان المرأ ورمزه ومن خلالها يعرف القارئ ثقافة الكاتب وإنتمائه الأيديولوجي والفكري وتوجهاته السياسية وحالته النفسية لحظة كتابة المقالات.

الثلاثاء، 29 يوليو 2014

موسم العودة إلي الجنوب (1-3)

العودة إلي الجنوب الجغرافي وإلي كسمايو الباذخة بعد رحلة إستمرت عقدا من الزمن كنتُ تائها في سديم الغربة ورحلة المنافي السرمدية، وعبر تاج الصومال الجميل مقديشو كانت عودة تاريخية بإمتياز وحلما أيقونيا جميلا طالما داعبني في هدأة السحر وحينما أتذكر الأيام المتألقات والزمن الخوالي وذكريات الطفولة الآسرة، والمدارس والخلان وشواطئ كسمايو النظيفة، والسمرعلي أعتاب البيوت الطينية والطرقات الترابية، وأهداب القمر والبساطة التي كنا نعيشها في زمن الصبا، وحنين الماضي الذي يثير تغاريد الشجن في وجداننا الغارق بدموع المآضي وصدى الآهات والشوق الذي يقرب المسافات الفراسخ ويختصر الأزمان في ثواني.

كان خيول الشوق الجامحة تأخذني إلي الجنوب الناعس في حضن الجمال والطبيعة العذراء وهي تصهل وترنوا إلي ملاقات الأحبة الذين بسببهم أحمل رياحين الود وزهور اللهفة، والأرض الطيبة التي منحتنا حبا وحنانا يفوق الخيال ورياح الزمن السريعة ونغمة موسيقاها الندية والرحلة المترعة بالبهجة والجمال، ترسلني إلي ضفاف الأنهار الشامخة والحدائق الغنية بالورود والحقول الزراعية المصطفة علي جنبات الشارع كغابة إستوائة في عز الربيع أو كحقول السنابل التي تبتسم علي مشارف ألق الربيع علي ضفاف نهر جوبا التليد، وكانت لسعات الشجن من منبع الجمال إلي موئل العظمة تؤلم أحشائي وأنا أحمل عصى الترحال من جكجكا عاصمة الثقافة الصومالية العريقة إلي كسمايو عروس المحيط عبر هرجيسا درة الشمال وأيقونة حواضرنا الحبيبة مرورا بمقديشو سرة المدن الصومالية وزهرة مدائنها.

العودة إلي الجنوب الحنون وإلي ضفاف الأنهار والسواحل الحريرية للمحيط الهندي، وإلي كسمايو مهوى الأفئدة وقلب الصومال النابض، يعني رحيقا فواحا يعطر حياتنا الملئية بالنكد والحزن وأملا جميلا كانت شمسه لا تغيب عن بالنا وقفنا علي أعتاب تحقيقه، وقنديلا من الصفاء والمحبة يتهاوى أمامه جبروت الأسى ولوعة الغربة وجروح الليالي، وتعني أيضا أن نقف علي الخط الإستواء وفي وسط  السهول وتحت أشجار المانجو والباباي، وأن تبتسم وتضحك من عروق القلب وأنت تنفض غبار السنين ورمادية المنافي عن جسمك الشاحب ونظراتك الزائغة، وأن تنظر إلي ألبوم الصور ووجوه الأصحاب والجيران وحكايات الماضي من خلال الذكريات العابرة كزرائب الطيور، وأن ترقص طربا وأنت تراقب عبر الفضاء الإسفيري مرسال الشوق الذي يرسو علي شواطئ  الذكريات ومرفأ الذاكرة، وأن تستحضر لحظات البهاء في الميادين المفتوحة وساعات الطفولة الآسرة في حضن الأمهات.

كما تعني أن تبكي بحرقة بسبب أولئك الذين غادرونا بصمت إلي مراقدهم وبرزخهم، وتركوا بصماتهم الواضحة وحبهم الجارف الذي وضعناه في حدقات عيوننا وشغاف قلوبنا في حياتنا، أو من أجل الأماكن التي تغيرت والأزمان التي تنكرت والمعالم التي هرمت وشاخت، ومن أجل الأحباب الذين قد لا نلتقي بهم ولا نضحك معهم برحيلهم إلي أعماق النوى وسحيق الغربة القاتلة، وتعني أن تهمس بمحراب الحب الدافئ وجماله السرمدي، وأن يسرى في داخلك قشعريرة الهيام وأشواق العشق في الهزيع الأخير من الليل حين كان نسمات الصباح العليلة تأخذ إلي القلوب المجدبة ترياق الهوى، وأن تستلذ الذكريات العابرة لأول لقاء حمل تباريح الصبا في حياتك.

الأحد، 20 يوليو 2014

لهيب الشوق

لهيب الشوق أضناني، وألم الحنين آلمني، وطيف الشجن هاجمني، وأنا متقلب فوق الفراش، فهجرت عن الكرى وعزفت الخلود في أحضان الدعة والراحة ونعومة الفراش ولذة النوم كملدوغ لم يجد الدواء ويتأوه ألما وأسى في القرى النائية الوادعة علي روابي النسيان والإهمال، أو كمريض علي سرير المشافي تنتابه نوبة من السعال القوى وحمى تطرد النوم عن أجفانه بعد منتصف الليل بدقائق.

تباريح العشق تسرى في داخلي كموجات طولية أو ذبذات داخلية، وأبث أنين الوحدة في ساعات الدجي وحيدا، وأذرف الدموع الغالية نحو التربة الحانية التي تستر رطوبتها قطرات الدموع المنهمرة من مآقي الجفون ومن عيون القلب، ومن ترعات التعلق والإعجاب المنتشرة في داخلي كإنتشار الجداول في المزارع المطلة علي ضفاف نهر شبيللي قرب بلدوين أو أفغوي العريقة.

أحلق فوق سماء السهر كنورس شقي في بحر الشمال أو جبال بلقان، أو كفينيق رومي مترع ببذخ الربيع وبسمة الخريف وجود الطبيعة، وألاعب أوهامي الهلامية وآمالي التي تموت غالبا في رحم الغيب دون أن ترى النور، وأضحك بهستيريا عجيبة كمجنون تائه في ظلمات الليل ويعاني من رطوبة الزنزانة في داخل المسحات العقلية، وأغفو علي أهداب الزمن السريع كعمرنا القصير الذي يجري كسرعة الضوء لا كمشية السلحفاة التي نريدها نحن المحبين للحياة وللخلود السرمدي!، وأستريح في الكراسي الخشبية المتناثرة علي رصيف المحطات وحافات المنافي وكانها منتجع سياحي أوحديقة عامة في وسط المدن الجميلة.

في هدأت السحر وعلي وقع الفراق وصدى تهاليل البعاد أعزف أنغام الدموع علي أطلال الذكريات الرقيقة كفراشات السواقي أو كهمسات المحبين في الهزيع الأخير من الليل، وأستأنس قصص العابرين في دروب المعاناة الطويلة، وممن ينشدون الأمل في واحات الحياة المترعة بالغدر والضنا، وفي كهوف المناجاة الندية وقعر الآجام المزركشة بالماضي الفخيم، وأتمعن ضروب الحكاوي الحزينة والنسائم الهامسة في طبلة أذني، والأصوات التي تأتي من سحيق الأسى ومن جبين البسطاء، ومن  سحيف الرحى الذي يطحن أحلام البسطاء وانصاف العراة ويرسل رزقهم إلي بطون اثرياء الحرب وأغنياء الصراعات والتشريد والإحتراب بطريقة دراماتيكية غريبة.

زرائب الطيور المهاجرة، وزقزقة العصافير الشجية، وشدو القمرية في الصباح الباكر، والأعشاب المرتعشة بلطف ولين كأنها خصلات شعرك العابثة علي جبينك المصقول في تلك الأمسية التي كنا نترنح طربا وعشقا، والندي الخفيف فوق المروج، وأريج الزهور الفواح في الحقول والبساتين الواقعة علي عين الجمال قرب مرابعنا، وعبق الورود الحمراء كشفق المغيب وأنت فوق هامة جبل مخروطي الشكل يطل علي خط الإستواء  من الناحية الشمالية في بلد أفريقي جميل بقدر ماهو متناقض ومكبّل بمآسي القتال وحبال الفقر وصراع الأديان ومشاكل العرق والإثنيات التي تريد كل واحد منها أن تسلب بقوة حقوق الآخرين وان تستأثر دون الغير السلطة والحكم والإقتصاد، أوكغانية غجرية شقراء تخدم في بلاط  الأمراء بأجر زهيد وعمل شاق تحت وطأة الفقر ولدغة العوز وتكشف أسرار وجهها الذي يفوق البدر ألقا وإشراقا للغريب العابر.

والضباب اللطيف الذي يغشى ملامح المدينة بعد يوم ماطر، وأثير الصباح المنعش الذي يبدد شحنات الغضب والنكد بعد الليالي الموحشة، ورقصات الأمواج علي شاطئ البحر الذي يرفع ذوئبتيه الباسم كقدك المليح، يذكرني بجمالكِ الأنثوي الطافح، وبشرتكِ السمراء الناعمة وتغنجكِ القاتل وعنادك الأنثوي التقليدي، ويثير كوامن الصبا في أوصالي، مما يفتح نوافذ الحزن وأبواب الشجن والجنون البرئ في داخل نفسي المولعة بضوئك الذي يأتي من وراء المرئيات ومن بين رماد الأزمنة وسديم الحب الهائم..!

الجمعة، 18 يوليو 2014

من وحي الطبيعة


في صباح يوم سريالي ذات مشاعر نورانية كطيف حورية يأتي من عالم الخلود، أوكفراشات السواقي حين تسير في منعطفات جداول الوادي ووسط الحقول الزراعية والازهار الفواحة، كان ينسرب إلي قلبي بهاء الحاضر، وذكريات أيقونية يسايرني ويسوقني إلي عمق الماضي الفخيم أو النوستالجيا كما يسمونها علماء النفس والإجتماع، وكانت الزهور التي تتمايل مع النسيم العليل يلبسني لباس الحبور الجارف والفرحة العارمة، آنست صفاء نادرا، وهدؤا عجيبا يسرى في داخلي ويورثني نشوة طافحة وخفة زائدة تقودني إلي المحيط الهندي وجمالة والسير علي رماله والخلجان الهادرة التي تتكلم عن صخب الطبيعة، مع شلة من أعز اصدقائي الذين إجتمعنا الزمن بعد سنوات من الفرقة والنوى.

الإتصال التليفوني لصديق الطفولة وزميل المراحل الدراسية المتقدمة من حياتي عبد الكريم عبدالله أحمد (باخا)، الذي كان في صغرنا آية في الخط والرسم والكتابة الجميلة، كما كان مهاجما من الطراز الأول، وصاحب لمسات فنية تعزف الكرة في أقدامه سيمفونية المتعة والإبداع في داخل المستطيل الأخضر، وينتهي الكرة في الشباك وبوضعيات مختلفة، إضافة إلي السكوت الكبير للرشاشات وصخب البارود، حيث زخات الرصاص المتقطعة وأصوات البنادق وطلاقات الكلاشنيكوف التي أصبحت عادية في مسمعي منذ أن وطأت قدمي في جنوب الصومال هدأت وبنسبة كبيرة في هذا الصباح، هذه العوامل وأخرى غيرها كانت كفيلة أن تقنعني جدوى السياحة للمرافق الطبيعية للمدينة، وأذكت في نفسي الحب العميق الذي أكنه للمحيط.

كما كانت إبتسامة الكون التي تحتفي بالضياء وشروق شمس ذهبي ليوم جديد، والأجواء البانورامية البديعة تدغدغ مشاعري، والخلجات الآسرة كانت ترسلني إلي الساحل الخلاب الذي يعانق الجبال المكسوة بالأعشاب والطبيعة العذاراء للسواحل الصومالية منبع الجمال وموئل العظمة الإلهية.

وإلي المحيط الهندي الملئ بالأسرار والعجائب الذي أحبه ويحبني، وأتذكره في عز الغربة ويشتاقني، وأترنم بإسمه عندما كنت ضيفا للمنافي وحفيفها، وحقيقة لا يوجد في كسمايو بقعة أجمل وأنقي من هذا الساحل الطبيعي الذي لم تصل إليه العناية البشرية لتحولة من منطقة بدائية وساحل طبيعي سياجه الرمال والجبال، إلي منتجع سياحي ذات مرافق متعدده يؤمه السياح والشعب بكل أطيافة وجميع شرائحه.

السبت، 5 يوليو 2014

الرحيل نحو المجهول (3)


وصلت المدينة حين رسم الأصيل لونه القرمزي علي جبين السماء، وشفق المغيب نثر علي الأفق جمالا وبهاء كغانية رومية تتبختر علي البلاط البيزنطي الوادع في وسط الإمبراطورية القيصرية، كنت منهكا للغاية بطول الطريق ومشقته، والتفكير المضني الذي صاحبني منذ بداية الرحلة في أعتاب مدينتنا العريقة، وكانت تتسابق إلي وجداني أفكارا جنونية، وخلجات متناقضة، وتصورات غريبة للمدينة ونمط حياتها، والواقع المغاير، والبئية الجديدة التي تنتظرني وأتسائل: تُرى ماذا يمكن أن تكون المدينة؟ وكيف تستقبل المدينة شخصية غامضة ومبهة مثلي، لا تحمل سوى الذكريات الأيقونية وأملا كبيرا تداعب حدقاته، ويقينا قويا بأن الأفضل قادم لا محالة، وأن فجرا مشرقا قد دقّ الباب هذه المرة وبطريقة غير تقليدية.

حقيقية كانت أسئلتي في محلها وتخميني في مكانه، حيث كانت المدينة تحتضن الأوكار الإجرامية الأشهر في البلد، ومجتمعا متحضّرا يختلف عن بيئتي الريفية ومدينتي الصغيرة التي كان جميع سكانها يعرف بعضه البعض، كما كانت المدينة تعج بمتناقضات فكرية وأنثربولوجية ومعيشية، ومجتمع مجهول لا أعرفه ولا يعرفني.

وعندما توقف القطار في محطته الأخيرة كان التعب قد أغرز أنياب ماكينته المؤلمة علي جسدي، وبدأ يحطن كل خيط وعصب من جسمي، ورغم ذالك لم ينل شئيا من عزيمتي، حيث الرغبة المتوحشة ورابطا غير مرئيا من الشوق والمغامرة الجرئية وحب الفضول والإستطلاع، كان يربطني إلي المدينة التي لاتنام، بل تنتصب شامخة وسط الكثبان الرملية المتاخمة لعنفوان الطبيعة وصخبها الهادر.

نزلت عن القطار وفي سككه المتقاطعة جلست مقعدا علي يمين الشارع مصنوعا من العيدان العجفاء المربوطة مع بعضها، إنتظرت ربع ساعة من الزمن رشفت فيها القهوة علي عجل وتحت وقع أنغام الزحمة وهدير المسافرين الغادين والرائحين، ولكن لم أجد التاكسي التي تقلني إلي الفندق،! فمشيت إلي الجهة الغربية التي كانت تقع محطة للسيارات حسب ما قال لي شخص سألته عن المحطة، وصلت المحطة بعد عشرين دقيقة قطعت فيها متأملا ومفكرا.

الأحد، 29 يونيو 2014

26 يونيو

هناهرجيسا درّة الشمال ورمانة الصومال وموئل العزة والأصالة العريقة.
المكان:حديقة الحرية في وسط مدينة هرجيسا
الزمن: منتصف الليل في يوم 26.6.1960 للميلاد.
المناسبة: الإستقلال المجيد وإستنشاق نسائم الحرية وعبق التحرر وأريج الوطنية يوم هبت نسائمها من جنوب وشمأل.

الوصف العام: حالة عارمة من الفرحة والجذل، الوجوه مستبشرة والثغور باسمة، وازدان الأطفال بالبرآة الجميلة وباكاليل الزهور والسحنة الصومالية السمراء، سطور الفخر واضحة علي محيا الشيوخ وعلي جبين الفتيات وقسمات المواطنين بلا تكلف ولاتمثيل ولانفاق وبدون مكياج سياسي مزيف وأقنعة مستعارة تتلون حسب المصلحة والمناسبة والموضة السائدة.

يصادف اليوم ذكرى الرابع بعد الخمسين من إستقلال الصومال أوبالأحري الجزأ الشمالي من الصومال، والأمة منهكة ومقسمة، والوطن مجروح ومنهك، والتربة تعاني الإنفصال والتشقق، والعلم يشكو ويئن، ولايعني سوي قطعة قماش لامعني لها، يرفرف بالحياء في ردهات بعض المباني المهترئة، وفي بهو بضع مؤسسات أكل الدهر علي نضارتها وشرب، لايجد يد حانية ولاقلوبا رحيمة ولا ضميرا حيا، ولاحناجرا وطنية تردد لحن البقاء في الصباح وحين تشرق الشمس معلنة بيوم جديد لايحدث الفارق بالنسبة للعلم.

ورغم دموية الوضع وقتامة الواقع إلا أن علمنا المزركش بالنجمة الخماسية البيضاء التي تعني السلام والوئام لم يفقد الثقة التي يجملها لأمل ويزيد بهجتها الجمال الأزلي لشكله، والضوء الوهاج المنبعث في نهاية النفق المظلم، والأماني الأرجوانية التي تتراقص أمام الجميع، والأحلام الجميلة التي تداعب شرائح الشعب ومختلف أطياف الأمة.
26 يونيو يوم تاريخي بكل المقاييس وما تحمله الكلمة من معني، يوم غير مجرى الحياة للأمة الصومالية، يوم حمل عبق الحرية لشمال الوطن وأريج الأمل للجنوب...يوم شعر كل صومالي ألوانا من الفرحة وطفح السرور عليه حتي أبكته الفرحة، يوم أشرقت شمس الحرية من ذاك الجزأ العزيز والرائد في كل شئ، يوم لايمكن نسيانه رغم الجروح والمحن والحروب والسياسة الهوجاء التي مزقت الوطن وجزأت المجزأ.

يوم ليس ككل الأيام!، وقعه مميز وذكرياته حية شجية، والصوت المصاحب لإسمه جذاب ونبرات حروفه تعزف ألحانا الحرية والجمال، يوم أصبحت ساعاته تاريخية بامتياز، ودقائقه المترعة بالأشعار والأغاني والزغردات أثلجت الصدور وأسحرت العيون وأذهلت الجمهور وألهمت الأدباء والشعراء وأعزف الفنانون فيه ترنيمة الحياة وسيمفونية الوجود.
التصفيق ألهب الأكفة، وبحت الحناجر من أجل الهتافات المشحونة بالوطنية والنخوة الصومالية، وسالت الدموع الوفية وعمت القشعريرة جميع البدن لحظة إنزال علم المحتل مطأطا الرأس كالح الوجه حزينا كئيبا عن سماء الوطن وفوق هامة هرجيسا الأنيقة.

أريج الحرية ونجوم هرجيسا الساطعة ألهمت المواطنين فبدأت الأشعار تلقي والأناشيد تتلي والأغاني تنساب عن قريحة الأفراد، وردد الحضور بعفوية "ليرحل المحتل عن وطن حبه سكن في حدقات عيوننا وليطوي علمه إلي الأبد"!وترنم الفنانون معزوفة الوطنية وألأبيات الخالدة التي تذكر كل صومالي حر لجظات الهناء حيث قال شاعر الحرية عبدالله سلطان تمعدي: "انزل علم المحتل وارفع علم الصومال خفاقا".

النشيد الوطني الصومالي أبكا الجمهور، وعم النشيج المبحوح لحظة صعود علم الصومال إلي المعالي شامخا الرأس ثابتا الخطى يرفرف وسط الجموع بعز وبهاء، ويضاهي السماء بزرقتها الصافية ويتفوق عليها بالسلام وبياض القلب، وتفوق جماله وتناسقه البديع وألوانه السحرية المستوحاة من التراث الصومالي العريق ومن زرقة السماء الصافية علم المحتل.

ازداد الجمهور وهزة نشوة النصر ولذة الحرية ونبض الحياة علي المواطنين الذين أنتظروا بفارغ الصبر حين تدق عقارب الساعة ب 12:00 صباحا وتشير الساعة منتصف الليل لتحيي علمها الوهاج، وتقطع العهود الوفية لحمايته من المحتل أن يعيد عهد الإستبداد والعنجهية، ومن الغريب أن يستولي عليه ويدوس كرامته، ومن الطائش أن يهين.

ذهبت الأجيال الذهبية للأمة الصومالية ورحل الآباء العظام عن البسيطة وتركوا للوطن أبناء جاحدين وأحفادا حاقدين، ولم يبق للوطن سوى بعض الشعور والأنفة الصومالية الجريحة، ورغم أني من بين من أنتقدهم إلا أني وفي منتصف الليل أقوم وأحيي العلم وأردد نشيد الوطن المفعمة بالأمل المتسمة بالقوة والملئية بالجمال والعاطفة كماء ينساب من رخام حريري في وسط حديقة غناء يزدانها ضوءماسي أخاذ.

قطعا لاأشارك صخب الحفلات ولا أحن إلي ضجيج الموسيقى وضجة الندوات، بل سأقبل قطعة القماش الزرقاء المزركشة بنجمة الخماسية التي تشير إلي جسد مكتمل لم يكتب له أن يعيش معافا سويا،  سأحيي العلم كجند متقاعد في آخر يوم من الخدمة العسكرية أوكرائد باسل مجندل فوق ساحات الوغي يأبي للعلم أن يذل أويهون! وعندها أخلد إلي الكرة غير آبه بنفاقات القوم وهدير الرصاص إحتفاء بالنصر والخطب الكلاسيكية الرنانة في القاعات الفاخرة لأن نداء القوم في العلن ليس ندائهم في السر ووراء الكواليس!

كل سنة ووطني بخير، كل سنة وأمتي من أقصي الشرق الجميل إلي أبعد نقطة في الغرب الأصيل ومن الشمال الشامخ إلي الجنوب الوفي بخير وصحة وسلامة.

الأحد، 1 يونيو 2014

الحلم الضايع3

وعندما رست سفينة العمر علي شاطئ العقد الثالث من عمري كان الوطن منهارا تماما، والشعب تفرق إلي أيدي سبأ،وأدركت أن النسيج الإجتماعي مفكك والفسيفساء المتجانس تآكل وكاد أن ينتهي، والقبائل التي تشكل لوحة زيتية رئعة بل أروع من لوحة موناليزا متناحرة، وأن سرطان المقاطعات قد إجتاح في أوصال جغرافية الوطن، وعندما سبرت غور المجتمع عرفت علي أشياء لم أكن أدريها، الإنسان يترنح تحت عبأ الحروب والصراعات العبثية والفقر المدقع، و الوطن يتلوّي في جوف اللهب، والجموع حائرة، والقوي يقتل الضعيف، والوضيع يملك زمام المبادرة، والوطني مكبّل في الزويا البعيدة والزنزانات الضيقة أو يموت علي الأرصفة الباردة، وأصبح التزويروالنهب والقتل والإغتصاب روتينيا عشنا في خضمه دون وعي وتذكر واللامبالاة قاتلة.

كبرتُ ومعي كبر هذا الوضع المأساوي الذي تمر عليه الأمة، والشخص العنيد الذي كان في داخلي يراقب الوضع عن كثب، وينظر الوقائع بعيون مختلفة وذوق خاص، كرهت النفاق المنتشر في كل مكان والمحسوبية الطافحة حتي أصبحت شعار المرحلة، وأمقتُ الخوف والتبلد الذهني والإدراكي الذي يوجّه المجتمع ويقود الأمة نحو الوصولية البغيضة التي تعني أن الجميع يعمهون في غيّهم ويتقلبون في عالم الفساد والإنحطاط.

في هذا الوضع الحرج وعلي وقع أنغام التحرك لم يجد وسيلة يظهر عن حزنه ومأساته سوى البكاء بعصبية نادرة، ورفع صوته الشروخ الذي لا يصل صداه بين دفّتي البيت، كان متوترا لحظة خروج سعيد من الغرفة الضيقة إلي الممر الرئيس للبيت، شعر أن سمتر يصارع مع السفر، والرحيل وبدون علم والدته يعني له مغامرة غير مضمونة العواقب، ربّت علي كتفه بطريقة موحية فقال: الهجرة والغربة أليمان ولكن الغربة في داخل الوطن والهجرات الداخلية والتشريد الجماعي والقتل المتعمد وتجفيف مناعب الخيرات ومنطق القوة الزائد في الوسط أكثر ألما ويجعل سفرنا نحو المجهول قرارا صائبا وبدون خوف أوجل يا صديقي.

تحرك الموكب المتجه إلي الجنة المفقودة ـ حسب خيالهم الوهمي وهلوستهم ـ الساعة الثانية
ونصف صباحا وفي جنح الظلام  وكنف السواد الذي يغطي كل شئ في عالمنا، تحركت القافلة ومعها تحرك سمتر وهو متدثر بحلمه الجميل: الهجرة إلي أرض الأحلام... إلي أوروبا... إلي الحياة الرغيدة التي تليق بالإنسان ويحقق فيها أحلامه بيسر وسهولة.

Gorfeynta buugga "Geylame"

  Buugga “Geylame” ee uu qoray Xassan Maxamuud Qorane, waxa uu nuqul ka mid ah gacatayda soo galay Habeenkii la soo bandhigayey oo ku beegna...